"فيه أحلى من وطنك أحلى من بلدك؟! ولو يطوّبوا لي كل الدنيا ومال الدنيا وقصور الدنيا؛ ما ببدّلهم بخربوشة اكياس في عراق المنشية. أنا عن زلمتي وعن اولادي بحكي؟!". عايشة زغاريت
*****
في روايات النساء حول نكبة العام 1948م؛ تبرز بطولة الإنساني العادي، الذي تغفله الرواية الرسمية، ولا نجد له ذكراً في كتب التاريخ. تروي النساء الفلسطينيات عن عذابات التهجير، ومرارته، وعن مقاومة الشعب، رجالاً ونساء، لمؤامرة التهجير، وبسالته في الدفاع عن أراضيه؛ ما يضيف إلى الرواية الرسمية ويغنيها.
*****
تؤكد "عايشة عبد المحسن زغاريت"، - المهجَّرة من عراق المنشية/ غزة، والتي تقيم في مخيم العروب/ الخليل- على تهجيرها قسراً مع عائلتها: "آه طلَّعونا غصبن عنا؛ مش بخاطرنا":
"مش قتلوا شباب اثنين؟! آه واحد وراه بنت وولد، واحد ما تزوجش لسَّه عزابي، وقتلوهم، هان الناس تقول: بدنا نرحل، وناس تقول: والله ما بنرحل؛ وإللاّ السيارات جايات، يمّ حمَّلوهم غصبن عنهم، والله الناس يصيحوا صياح: بدهاش ترحل، يعني قال: بنموت هان، أقتلونا ولا نرحل، قال بعض الناس. آه الختيرية، حياة عمي "جبريل" الله يرحمه قال: ما بنرحل، بنمعط حشيش وبنوكل ولا نرحل".
وتروي "عائشة"، عن خطة الغدر التي اعتمدها الجيش الإسرائيلي، لاحتلال عراق المنشية؛ بعد مقاومة عنيدة من الفلسطينيين، والجيش المصري، والجيش السوداني؛ فقد انتهز الجيش فترة الليل، وذبح المقاومين وهم نيام. وخصَّت بالذكر المذبحة التي تعرَّض لها السودانيون:
"هذه المجزرة صارت، يعني سنة وإحنا وإياهم نحارب، من الساعة 6 المغرب إلى الساعة 6 الصبح وهم يقصفوا، زي كبّ المطر، الرصاص يكبّ في البلد ليل نهار، بعدين آخر معركة خشوا اليهود لقوا السودانية نايمين؛ ذبحوهم وخشّوا".
وتروي "عائشة"، عن الأيام التي تلت نكبة 1948؛ حيث بقي الجيش المصري، في عراق المنشية، ما يقارب السنة، قبل تدمير القرية العام 1949:
"آه من حد ما صارت الهجرة، فيه حرب، انحصرنا إحنا والمصريين 9 شهور، وضربوا بابور الطحين اليهود بالطيارة، وخرب، وصرنا نطحن على إيدينا، ونعجن ونخبز، ونودي الخبز للجيش المصري، على المواقع، مع الاولاد الصغار، نودّي لهم الأكل 9 شهور".
كما تروي عن استفراد الجيش الإسرائيلي بأهل القرية، بعد رحيل الجيش المصري، وترحيلهم قسراً، إلى مخيم العروب:
"فسحبوا المصريين، الجيش المصري رحل، بقا عندنا فترة "جمال عبد الناصر"، بقا موجود عندنا، فرحلوا، وخشّوا اليهود علينا، قعدنا شهر إحنا واليهود، ما شفنا إلاّ هالسيارات صافّات، مثل هان وراس الشارع، صاروا يحمّلوا بحوايج هالناس، ويحطوا في هالسيارات. اليهود أطلعوني غصبن عني. وين بدكوا تودونا؟ قال: على العروب، طب وين بيجي العروب؟ بنسمع فيه سمع، مسكونا وحطونا في هالسيارات، وجابونا وروَّحونا، وين وصلنا؟ منطقة اسمها السنابرة من الخليل، وغربة هناك طيَّحونا، إلاّ سيارات الأردنية صافّات، شو بعرفكوا انه اليوم بدنا نرحل؟! شو بعرفكوا؟!".
وتتحدَّث "عائشة" بمرارة، عن حياتها القاسية في مخيم العروب، بعد التهجير: "صرنا نطيح من السيارة هذه، ويحطونا في السيارة، كل سيارة يهود تحمل أربع سيارات أردنية، وهذلاك راحوا اليهود، وإحنا جابونا، جاي وين؟ على العروب. الله يقطع العروب وأهله! جينا هان إلاّ الخيم مخيمات مخيمات، فيه خيام فوق القطنية، هالطول القطنية والخيام فوقيهن، حطونا كل أربع عيل، كل عيلتين كل ثلاث في خيمة وراحوا، وهظاك يوم وهذا يوم، واحنا ضلينا بيجي 15 سنة وإحنا في الخيام، بعدين بنوا لنا خلقة هالخمام زي خمام الجاج، والله خم الجاج بقى أكبر من هالغرفة، غرفة الوكالة".
وتقارن بين حياتها البائسة في المخيم، وبين حياتها الجميلة في عراق المنشية: "مين بدشِّر وطن وبلد ودار، وبرحل ويقعد في هالسكن، هذا إللي زيّ خم الجاج؟!
أول ما جينا، لما بنوا لنا هالغرف وإحنا عايشينا عيشة الذل، يعني هي هاي عيشة؟ّ! دشَّرنا الحصيدة والحب والسعادة جينا على رطل هالطحين!".
*****
من خلال رواية "عائشة"؛ يتبيَّن الدور الاجتماعي السياسي الفاعل الذي قامت به المرأة، قبل النكبة وبعدها. تمرَّدت على الأوامر العسكرية الإسرائيلية، كي توفِّر مقومات صمود عائلتها، وأظهرت قدرة عالية على الإدارة والتخطيط.
قامت النساء بدور شجاع، قبل التهجير؛ حين خاطرن بحياتهن، واخترقن أوامر منع التجوّل، من أجل تأمين الطعام والشراب للعائلة، وللمقاتلين.
تحدِّثنا "عايشة زغاريت"، عن تفضيل النساء المخاطرة بحياتهن، على تعريض الرجال لخطر الموت: "آه، نطحن على إيدينا ونخبز، والميّ نجيبها نقل والطخّ على روسنا. ولا إشي! قاعدين في الدور (الزلام). ما يروحوا ولا على مطرح. منع تجول، محدِّش كان يطلع. النسوان يطلعن. نخاف من منع التجول، بس بدنا نملِي غصبن عنا، معندناش مي، بدنا نملّي. ما نخليهم يطلعوا برَّه البيت. يطخّونا إحنا ولا يطخّوكوا انتوا. آه خايفين عليهم (الزلام)! آه طبعاً نخاف عليهم. نموت إحنا ولا يموتوا هم. الشباب شباب".
كما تتحدَّث عن دور المرأة في إعالة الأسرة، بعد التهجير، جنباً إلى جنب مع الرجل: "صار يشتغل زلمتي بكيلو طحين، يرصّوا كل الشباب إللي عمره 20 سنة يشتغل بكيلو طحين.
بقينا خمس أنفار أنا وزلمتي وحماي وحماتي والهم ولد، هان حماتي توظفت
في الوكالة داية. آه تعلمت في الفالوجة، أخذت دورة وإحنا في البلد، وظفتها الوكالة، شو بقوا يعطوها؟ تسع ليرات من الساعة 6 للساعة 2، بعدين زلمتي توظَّف، وصار آذن مدرسة بـ 12 ليرة، وفتح دكانة، والله وعشنا".
*****
مثلما ارتبط اسم قرية عراق المنشية - شمال غربي غزة، في الذاكرة الجماعية العربية، باسم البطل المصري "أحمد عبد العزيز"، الذي استشهد العام 1948، وباسم الشهيد المصري "بشير بادي أفندي"، وباسم الزعيم المصري "جمال عبد الناصر"، الذي حوصر على أرضها؛ يرتبط أيضاً بالمئات من الضباط السودانيين والمصريين المجهولين، والآلاف من النساء والرجال الفلسطينيين، الذين قاوموا التهجير والعدوان، وما زالوا يناضلون دون كلل أو ملل من أجل العودة إلى فلسطين الحرة المستقلة.