الدم فوق الأسفلت يكشف الحقيقة كالشمس. الجثث فى المشرحة مثقوبة بالرصاص فى الصدر والبطن والظهر. المحكمة لا ترى الحقيقة والدماء. لأن العدالة عمياء والقانون حبر على الأوراق. ألهذا يخرج الجناة أبرياء؟
حرب جديدة مقبلة باسم القانون الدولى بين أمريكا وكوريا الشمالية. أو الصين واليابان أو روسيا ربما تذكرنا بحرب العراق وفلسطين وغيرهما. حيث تم قتل الشعوب بالقانون ونهب مواردها. يكتب القانون والتاريخ المنتصرين فى الحروب ومن يملك السلاح والإعلام والأقلام، يختلف القانون الدولى (فى بعض البنود) عن قانون الدولة أو العائلة. لكن الأساس واحد: القوة تنتصر على العدالة يذكرنى الصراع الدائر فى مصر بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالصراع الذى دار بينها فى العهود الماضية. كلهم يتصارعون باسم القانون والعدالة!.
فى عمرى كله منذ ولدتنى أمى لم أر وجه العدالة فى حياتى العامة أو الخاصة. لم يتغير النظام بعد الثورة. بل زاد الاستبداد الأبوى والطبقى ليشمل الاستبداد الدينى. يتحكم النظام بالسيطرة على جميع مؤسسات الدولة بما فيها الأسرة. الحجر الأساسى للدولة. والتربية والتعليم والقضاء والتشريع والدين والجيش والشرطة والإعلام. ويقوم النظام على اخضاع الشعب والمؤسسات بالقوة السافرة (الديكتاتورية). أو بالقوة المستترة (الديمقراطية). والهدف واحد: خدمة الطبقة الحاكمة وأتباعهم من الموظفين والتجار ورجال السياسة والأعمال والإعلاميين والعلماء والأدباء والأطباء والقضاة والمحامين وغيرهم من أصحاب المهن فى السوق الحرة. وينال الحاكم البراءة ويداه ملوثتان بالدم تحت اسم الرأفة أو الهيبة. ويقتل الأب ابنته وينال الشرف تحت اسم الشهامة أو الرجولة.
الفتاة اسمها "إلهام" عمرها "17" سنة. صورتها فى الصحف 20 ابريل 2013 - طفلة تلمع عيناها بابتسامة مشرقة. حبسها أبوها فى غرفة مظلمة. قيَّدها بالسلاسل الحديدية ومنع عنها الطعام. والأب هو القاضى والمتهم. يملك حرية التصرف فى أولاده وبناته. يرسلهم إلى المدرسة أو لا يرسلهم. يشغلهم فى أى عمل ويستولى على ايرادهم. له حق تأديبهم بالضرب والحبس حتى الطاعة العمياء. من حقه أن يطلق أمهم بلا سبب ويتزوج حسب مزاجه. يفرض ارادته على الأسرة كلها حسب مصلحته. هذا الأب تزوج ثلاث نساء رغم فقره الشديد. أصبح له عشرة أولاد وبنات. لم يملك طعامهم. تخلص من زوجتين بتطليقهما. وتخلص من ابنته بتزويجها رغم ارادتها.
عجزت "الهام" عن الاستمرار مع زوج فظَّ تنفر منه. هربت ثلاث مرات. استطاع أبوها أن يقبض عليها. ويحبسها ويقيدها حتى ماتت. لاحظ الأطباء بمستشفى (العدوة المركزي) علامات تكبيل اليدين والقدمين بسلاسل حديدية. وهزال نتيجة التجويع. آلاف الأطفال البنات فى مصر يفقدن حياتهن وسعادتهن بسبب القانون الأبوى المستبد.
لا يوجد عقاب للأب الذى يزوج ابنته ضد إرادتها، لا يوجد عقاب للأب الذى يشرد أطفاله ويهدم الأسرة لمجرد اشتهائه فتاة تصغره بستين عاما. لا يحدد القانون الأبوى فارق السن بين الزوجين. لا يحدد القانون عدد مرات الزواج والطلاق. قد يتزوج الرجل ويطلق مائة مرة بشرط ألا يجمع فى وقت واحد بأكثر من أربع زوجات. ويحظى الأب القاتل بالبراءة أو الحكم المخفف رأفة به وتعاطفا معه فى دفاعه عن الشرف.
يرفض النظام فى كل العهود أى محاولة لتغيير قانون الأسرة. لأن الاستبداد الأبوى فى نظرهم موروث طبيعى تحتمه الفطرة أو الذكورة أو الشريعة.
قامت الثورة المصرية لاسقاط النظام المستبد. كلمة "المستبد" فى أصلها اللغوى تعنى رب العائلة والحاكم الذى يملك سلطة فى الدولة مماثلة لسلطة الأب فى الأسرة وبعض رؤساء الدول حملوا لقب "رب العائلة". منهم شاه إيران والسادات فى مصر. لا ينفصل الاستبداد فى الدولة عنه فى العائلة.
فالأسرة هى التى تنتج وتربى الأفراد الذين يكونون الدولة. وديكتاتورية رئيس الدولة امتدادا لدكتاتورية الأب.
الديمقراطية ليست قرارا يصدره الرئيس أو البرلمان. الديمقراطية تربية وتعليم واسلوب حياة منذ الولادة حتى الموت. جرائم كثيرة تحدث وراء الأبواب المغلقة. تكتم الأسرة السِر خوفا من الفضيحة. أغلب الضحايا أطفال ونساء وفقراء. تمر الجرائم فى صمت. لا نسمع صوت المدافعين عن العدالة فى الأحزاب السياسية. أغلبهم رجال يتميزون بازدواجية السلوك. يتعاملون فيما بينهم بقيم الصدق والاخلاص للوطن. وفى الأسرة لا مانع من الكذب والخيانة حسب مصلحتهم. ولا مانع (حسب مصلحتهم) أن يتعاون الشيوعيون والسلفيون فى المفاوضات والانتخابات والتكتيكات. لكنهم جميعا (رغم اختلافاتهم الايديولوجية) يتعاونون معا على اقصاء النساء والفقراء من مراكز صنع القرار وكتابة القانون والدستور. رغم ما نزفوه (الفقراء والنساء). من دمائهم فى الثورة. ثم نقرأ خبرا سارا بالصفحة الأولى بالأهرام 25 ابريل 2013 قضت المحكمة الادارية العليا بأحقية جامعة النيل فى جميع أراضيها ومبانيها والغاء تخصيصها لمدينة زويل. ورفض الطعون المقامة من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزيرى التعليم العالى والاتصالات والمحامى عن د. أحمد زويل. عقب صدور الحكم سادت الفرحة والسعادة بين الأساتذة وطلاب الجامعة وأولياء الأمور الذين حضروا الجلسة هاتفين: "يحيا العدل". تنتصر العدالة أحيانا على قوة السلطة الحاكمة المدججة بمؤسسة الرئاسة وجحافل الوزراء وجبروت مبعوث الرئيس الأمريكى (د. زويل) لتطوير العلم والتعليم فى مصر.