عند تراجع أي أمة من أمم الأرض عن موقعها الريادي والحضاري تجدها تبعا تفرط في مكتسباتها من المخترعات وعلومها الإنسانية وتتخلى عن منجزات تستحق المحافظة عليها، والغريب أن مثل هذه المنجزات والتي يفترض أن تباهي بأنها مدونة ومسجلة باسمها، تجد أنه يظهر من يحاربها ويعدها من المحرمات ويقاوم أي تطور فيها، ولعل هذه واحدة من أهم علامات التراجع الحضاري والانهيار والنكوص عن تبني القيم الإنسانية ونشرها. وهي حالة من حالات الخمول، لكن لا يفترض أن تمتد لتصل إلى شهر سلاح العداوة والمحاربة. أضرب مثال بالموسيقى والتي كانت تحظى بعناية الانسان العربي واهتمامه منذ العصور الغابرة من تاريخ الأمة العربية حيث وجد أقدم أثر يدل على وجود الموسيقى لدى العرب وقد كان عبارة عن نقوش في العراق – بانيبال – يرجع تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد، ويذكرنا الوجود العربي في الأندلس بالموشحات الأندلسية الشهيرة والتي كان لها أثر واضح على الموسيقى الغربية بل في هذا الفن في أرجاء العالم كافة. غني عن القول أن الوضع اليوم مترد، في مجال الإبداع الموسيقى وتقديم مقطوعات ومعزوفات خلابة ومبدعة، فكل الذي يأتي إلينا ونسمعه ويؤثر في وجداننا هو من خارج الوطن العربي. استدعيت هذه الكلمات وأنا اقرأ عن البروفسور الألماني إيكارت ألتنمولر، وهو أخصائي العلاج بالموسيقا:" إن الموسيقا يمكن أن تُساعد على علاج الآثار الناجمة عن الإصابة بالسكتة الدماغية، كفقدان الذاكرة والاضطرابات اللغوية، وظواهر الشلل، إذ تعمل، سواء من خلال عزفها أو الاستماع إليها أو الغناء على أنغامها، على معالجة أماكن متشعبة للغاية داخل المخ. وان الاستماع الى إحدى الأغاني المفضلة للمريض منذ فترة شبابه يُمكن أن يساعده على استحضار بعض أجزاء من الذاكرة أو استرجاع ذاكرته بأكملها، فترديد الأغنية المفضلة يُمكن أن يُساعد على علاج هذا الاضطرابات اللغوية، حيث يتمتع الغناء بتأثير إيجابي في وظائف اللغة الموجودة في النصف الأيمن من المخ منذ الطفولة المبكرة.أما مرضى السكتة الدماغية، الذين لم يعد لديهم القدرة على تحريك أصابعهم، ينصحهم البروفسور ألتنمولر بتدريب قدراتهم الحركية من خلال العزف على إحدى الآلات الموسيقية".
استغرب قيام البعض بمعاداة بعض الفنون، ومجيئهم بالحجج والبراهين على أن هذا المنع والإقصاء هو لحماية المجتمع وفضيلته، وهم بهذا يتسببون في إقصاء وانهيار فن مؤثر وخلاب يفيد ولا يضر ويحلق بالفكر ويريح الذهن والعقل، كيف نسمح لمثل هذه الأصوات النشاز بالتعالي وبأن تكون كلمتها هي الفيصل في واحدة من أهم المنجزات البشرية على مر التاريخ؟ ما يميز الموسيقا أنها اللغة التي يمكن لجميع أمم الأرض على مختلف ألسنتها من فهمها وتفسيرها، والجميل أن هذا الفهم قد يكون متنوع تماما كأثرها في النفس الإنسانية، لكن هذا الأثر دوما ايجابي وخلاب. تؤلمني هذه الحالة العربية وتدهورها في هذا المجال.. قال الحكيم كونفوشيوس: "إذا أردت أن تعرف إرادة ومبلغ حظ أي بلد من الحضارة والمدنية، فاستمع إلى موسيقاه".