ذكرى مرور 90 عاماً على ميلاد الدكتورة آنا دولينينا يتساءل الخبراء في علم الترجمة هل يمكن ترجمة ما لا يمكن ترجمته؟ ممكن بحسب رأي البعض عندما يكون هذا العمل تحت إشراف الدكتورة آنا دولينينا التي تشغل منصب رئيسة قسم فقه اللغة العربية والتي تحتفل بعيد ميلادها في 12 من آذار/مارس الجاري
دعونا نستعرض بعض المواد التي قامت بترجمتها الأستاذة الكبيرة :
المعلقات: وهي قصائد جاهلية عددها 7 أو 10 معلقات حسب اختلاف المصادر. كما قامت بترجمة المقامات وهي عبارة عن روايات مكتوبة بشكل نثري للهمذاني والحريري والتي تعود إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي، وقصائد لشعراء بداية القرن العشرين مثل أمين الريحاني وجبران خليل جبران ونثر لميخائيل نعيمة. كل هذه الأعمال الأدبية التي كتبت في عصور مختلفة جداً وبعيدة عن بعضها البعض ترجمت إلى اللغة الروسية من قبل الدكتورة آنا دولينينا.
لقد أصبحت مهنة ترجمة الأدب العربي هدفها وغايتها في الحياة، مع العلم أنها حصلت على اعتراف دولي تكريماً لجهودها عشية الاحتفال باليوبيل الميلادي للدكتورة آنا دولينينا حيث حازت على جائزة الملك عبد العزيز لعام 2012 للمساهمة الكبيرة في ترجمة الأدب العربي الكلاسيكي والحديث إلى اللغة العربية وأصبحت آنا دولينيا بذلك أول عالم استشراق يحصل على مثل هذه الجائزة المرموقة، وتشير بهذا الشأن دولينينا قائلة:
بالنسبة لي هذه الجائزة تعني الكثير لأنها أولاً تعتبر تقييماً لعملي وثانياً تعبر عن تعزيز العلاقات بين الأدب الروسي العالمي والأدب العربي مع إن هذه الجائزة تأسست منذ عدة سنوات وهي تمنح لأدباء العالم العربي ولكن هذه المرة الأولى التي تمنح خارج العالم العربي لتصل إلى الاستشراق الروسي.
وقد أطلقت صاحبة أكثر من 200 عمل على آخر كتاب يحوي مقالات علمية اسم "أرابيسك" مع العلم أن هذا المصطلح معروف في أوروبا وروسيا ويعني الزخرفة الرائعة الغريبة. يشار إلى أن مسيرة حياة دولينينا لا تقل غرابة عن زخرفات الأرابيسك، حيث ولدت 1923 في سان بطرسبورغ في أسرة تخصصت في العلم اللغوي وقامت بدراسة أعمال الكاتب الروسي العظيم فيودور دستويفسكي، وتابعت دولينينا بهذا الشأن قائلة:
عندما أنهيت دراستي الثانوية قبل عام من الحرب العالمية الثانية التحقت للدراسة في قسم اللغة الألمانية التابع لكلية فقه اللغة وتمكنت من إنهاء السنة الأولى بنجاح لكن الحرب بدأت وبدأ الحصار الفاشي على المدينة. ولأنني مارست مهنة التمريض عملت في أول شتاء من الحصار وهو الأسوأ كممرضة في مشفى للأطفال ومن ثم اضطررنا للرحيل وتعرضت للموت أثناء انتقالنا إلى مكان أخر لكن الله عز وجل أنقذني وحفظني على الرغم من أنني كنت على وشك الموت. ومن ثم نقلونا إلى منطقة يسنتوتكيه وهو منتجع في شمال القوقاز ولكن هذه المنطقة تعرضت هي الأخرى لهجوم ألماني نازي مما اضطر بنا مغادرة المدينة سيراً على الأقدام.
وشاءت الأقدار أن تكون آنا دولينينا في طشقند عام 1943 وهناك بدأت رحلة التعارف مع ثقافة الشرق واعجبت باللغة العربية إلى حد انها قامت بتغيير اختصاصها في قسم اللغة الألمانية إلى قسم اللغة العربية بعد عودتها إلى مسقط رأسها.
لقد كانت سعيدة الحظ عندما أصبحت تلميذة للأكاديمي والمعلم الكبير اغناطي كراتشكوفسكي الباحث والمستعرب الكبير الذي قام بترجمة القرآن الكريم وهو خبير في الأدب العربي، وتتحدث دولينينا عن هذه الشخصية الفذة قائلة:
لقد حصلت على شهادة الدبلوم بفضل الأستاذ الكبير كراتشكوفسكي الذي كان مشرفاً على شهادة الدكتوراه. وعندما كنا طلاباً قمنا بشراء الطبعة الأولى من كتب كراتشكوفسكي تحت عنوان "المخطوطات العربية"، وضعنا هذه الكتب على طاولته لكي يكتب لنا إهداءً. حينها كتب لي كلمات مليئة بروح الدعابة ومازلت فخورة إلى الآن بها قائلاً:" إلى آنا دولينينا –مكافأة لك على خيانتك اللغة الألمانية".
أما دولينينا فقد ألفت كتاباً عن معلمها وأستاذها بعنوان "...." وهو عبارة مداخلات من أرشيف الأكاديمي كراتشكوفسكي الذي كرس جل حياته لدراسة الأدب العربي وانتقل هذا العشق إلى قلب آنا دولينينا التي كرست هي الأخرى دفة حياتها المهنية في دراسة الأدب واللغة العربية فهي صاحبة مقالات تاريخ الأدب السوري والمصري نهاية القرن التاسع عشر بداية القرن العشرين ومقالات عديدة حول المقامات وعن عمل عمر ابن أبي ربيعة وتوفيق الحكيم ومحمد حسنين هيكل، لكن أحب شيء على قلبها هي الترجمة من الأدب العربي الكلاسيكي، وتقول دولينينا:
إذا كنا نتحدث عن الشعر العربي فهنا كان من الضروري البحث على وسيلة من وسائل الشعر الروسي لنقل البعد الحقيقي للشعر العربي. وإذا كان الحديث يدور عن المقامات فهنا كان لابد من البحث عن النمط المناسب، فالمهم في المقامات هو جمال اللغة وليس المعنى بحد ذاته ولهذا سعيت جاهدة لكي أستخدم الوسائل المتاحة لي باللغة الروسية للتعبير عن جمال اللغة العربية.
سيتم الاحتفال بعيد ميلاد آنا اليوبيلي على نطاق واسع في سان بطرسبورغ حيث ستقام أمسية حول الأعمال المترجمة في قسمها العربي التابع لكلية الدراسات الشرقية في جامعة سان بطرسبورغ في 13 من شهر آذار/مارس، وسيشارك في هذه الأمسية الطلاب والمعلمون.
أما في معهد المخطوطات الشرقية فسيتم الاحتفال بيوبيل المستشرقة أثناء انعقاد الدورة السنوية 35 للمستعربين في سان بطرسبورغ، وتشير دولينينا بهذا الشأن قائلة:
لدي الآن عملين كبيرين أحدهما إعادة إصدار طبعة جديدة من المقامات حيث قمت بإعادة تحرير الطبعات السابقة من جديد والآن أعمل على تصحيح بعض التعليقات. وعلاوة على ذلك فقد بدأ معهد الأدب العالمي منذ بضع سنوات بإصدار سلسلة من "الدراسات الشرقية الكلاسيكية" وباقتراح مني ستكون هناك ثلاث مجلدات مخصصة للأكاديمي كراتشكوفسكي حيث يضم المجلد الأول أعمالاً حول الأدب العربي المسيحي وهو الآن قيد الطباعة.
ومن الجدير بالذكر أن العالمة لم تكن قادرة على العيش والعمل في الشرق العربي بسبب الوضع الدولي أولاً والوضع العائلي ثانياً ولذلك اقتصرت جميع رحلاتها بحدود الأسبوعين أو ثلاثة.
وتقول دولينينا "أحببت العرب من خلال كتبهم وهذا هو الحب الوحيد الذي رافقني طيلة حياتي".