ضغوط الأزمة التي لم يسلم منها أيُّ شيء في البلاد، وطالت كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، ودخلت إلى تفاصيل التفاصيل؛ تجعلنا نعيد جزءاً من أسباب التراجع في أي مجال من المجالات إليها وخاصة إذا كان لا يقتصر تناولنا على قطاع اقتصادي أو اجتماعي ما، بل يتناول المرأة (نصف المجتمع) كما يحبّ أن يصفه الاجتماعيون، ومدى مساهمتها ودورها الاقتصادي والسياسي.. نستطيع القول بأن هذا النصف الذي قست عليه الأزمة ودفعت به حسب العديد من التقارير العالمية إلى التراجع، كان يفترض أن يتفعّل دوره أكثر ليتناسب مع ما يمثله من تعداد سكاني يتجاوز نصف المجتمع، إلا إنه وحسب تلك التقارير تزايدت فجوة الجندر إلى حد كبير وأصبحت سورية في المراتب الأخيرة التي تصنّفها تلك التقارير.
في ذيل القائمة
فالمنتدى الاقتصادي العالمي الذي يصدر سنوياً عدداً من التقارير التي ترصد عدداً من القطاعات والمجالات بين أكثر من 100 دولة لتظهر مدى تنافسية هذه الدول في تلك المجالات، أظهر تقريرها الأخير أن سورية تراجعت إلى المركز 132 من أصل 135 في العام الماضي في التقرير العالمي لفجوة الجندر بالمقارنة مع المركز 124/134 في العام 2011 حيث لم تغلق سوى 96ر58 بالمئة من الفجوة في حين تراجعت سورية في المؤشرات الفرعية ومنها مؤشر الفرص والمشاركة في الاقتصاد واحتلت سورية المركز الأخير بين الدول المدرجة في التقرير 135/135 نظراً لزيادة فجوة الجندر في الدخل المتوقع بمعادل القوة الشرائية ذلك أنه يبلغ لدى المرأة 362ر1 دولار ولدى الرجل 071ر9 دولارات وتبلغ نسبة كبار المسؤولات والمديرات 10 بالمئة فقط.
أغلقت 93 بالمئة
ففي مؤشر التحصيل العلمي أغلقت سورية 93 بالمئة من فجوة الجندر وهو ما يساوي وسطي عيّنة التقرير حيث تركزت الفجوة في مؤشر الإلمام بالقراءة والكتابة ومؤشر معدل الالتحاق في التعليم العالي حيث يبلغ معدل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى الإناث 77 بالمئة ولدى الذكور 90 بالمئة في حين يبلغ معدل الالتحاق في التعليم العالي لدى الإناث 12 بالمئة ولدى الذكور 17 بالمئة.
أما مؤشر الصحة والحياة فيوضح التقرير أن سورية استطاعت إغلاق 6ر97 بالمئة من فجوة الجندر واحتلت المركز 61/135، أن العمر المتوقع للمرأة 65 عاماً وللرجل 62 عاماً واحتلت سورية مرتبة 111/135 في مؤشر التمكين السياسي حيث نسبة المرأة إلى الرجل في الوزارة 14 بالمئة وانخفض التمثيل في الدورة الحالية لمجلس الشعب إلى 30 من بين 250 عضواً وبالتالي تبلغ نسبة المرأة إلى الرجل 6ر13 بالمئة.
خلق حافز
 وإذا كان المنتدى الاقتصادي العالمي أدرك أهمية المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وتأثيرها القوي على تنافسية البلد، فإنه يقوم سنوياً بإعداد سلسلة من التقارير لقياس فجوة الجندر منذ عام 2006، لمعرفة الهوّة التي تفصل المرأة عن الرجل، وذلك بوضع معايير لمساواة الجندر في مقياس للتنافسية من حيث كيفية تقسيم الموارد والفرص بين الذكور والإناث على نحو متوازن. وأطلق الإصدار السابع من التقرير العالمي لفجوة الجندر 2006، ويضمّ 135 بلداً حول العالم ويغطي أكثر من 93 بالمئة من عدد سكان العالم بهدف زيادة الوعي بالتحديات والفرص المتاحة التي تحيط بالمرأة بهدف خلق حافز للتغيير لكل البلدان ذات الترتيب المتقدم والترتيب المتأخر، كما يُعدّ أداة مرجعية مفيدة لصانعي القرار في تحديد الأولويات الوطنية من خلال تزويدها بنقاط القوة ونقاط الضعف النسبية التي تتمتع بها أو المقارنات الدولية في مساواة الجندر.
معوقات
فعلى الرغم مما أتيح للمرأة في سورية من توسع في الخيارات، وما تمتعت به من حقوق ومزايا خلال العقود الأخيرة، إلا إنه ما زال هناك العديد من المعوقات التي تعترض سبيل وصولها للمكانة التي تتناسب مع ما تمثله من قوة في المجتمع إذ يرتبط الأداء الاقتصادي للمرأة بمدى حضورها في قوة العمل كنسبة من إجمالي العاملين والمتعطلين، وطبيعة الأعمال التي يقمن بها، وأبواب النشاط الاقتصادي التي يتركزن فيها، ومعدلات الأجور التي يتقاضينها عن أعمالهن ومستوياتهن التعليمية، إضافة إلى أوضاعهن المعيشية والأسرية، وأماكن إقامتهن والبيئة القانونية المحيطة بعملهن والثقافة السائدة في محيطهن الاجتماعي..الخ.
مساهمة متواضعة
 ويرى الدكتور أكرم القش من جامعة دمشق أن مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي في بداياتها وما زالت متواضعة جداً، رغم أن هناك بعض الجوانب الإيجابية التي يمكن البناء عليها أو الانطلاق منها، ولذلك فإن التعاطي مع مسألة مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي يتطلب العمل على مسارين، الأول: استراتيجي يستهدف المؤشرات ذات الأثر بعيد المدى من أهداف تنموية، كاجتثاث الفقر، ورفع المستوى التعليمي للفئات الفقيرة، وتحسين مستوى الخدمات الاجتماعية والصحية، وتطوير البنى التحتية في المناطق الأشد احتياجاً، وتأمين حصول الفقراء على الموارد المالية، وتعزيز دور المجتمع الأهلي في العملية التنموية، والثاني: مرحلي ذو طبيعة إجرائية، يركز على تلبية أهم الاحتياجات العاجلة واجتراح الحلول الإسعافية لأهم المشاكل الملحة التي تعترض مسألة تمكين المرأة بشكل عام، وتمكينها في المجال الاقتصادي بشكل خاص.
نقاط مضيئة
وبالتدقيق في كيفية انعكاس المؤشرات السابقة على مستوى الأداء الاقتصادي للمرأة السورية يلاحظ الدكتور القش في دراسة له أن المؤشر الذي كان له الدور الإيجابي الأبرز هو مؤشر التعليم، حيث إنه كلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة انعكس ذلك بشكل إيجابي على أدائها الاقتصادي، وذلك من خلال ما يمنحه التعليم للمرأة من معارف وخبرات وتوسيع خيارات، ومن خلال تأثيره الإيجابي في عدة متغيرات أخرى تنعكس بدورها على أداء المرأة الاقتصادي، فمؤشر التعليم كان له ارتباط واضح بعلاقتها بقوة العمل، حيث إنه كلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة زادت فرصتها في الحصول على عمل، وانخفضت فرص انضمامها إلى صفوف البطالة، كما له ارتباط بعدد أولاد المرأة، أي إنه كلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة قلَّ عدد أولادها، وبالتالي زادت فرصتها في العمل خارج المنزل، وللتعليم ارتباط بمستوى الأجر الذي تتقاضاه المرأة عن عملها، وبفرص حصولها على عمل دائم، وفرص دخولها في مجال المهن العلمية والفنية، وفرصها للحراك للأعلى واستلام مهام قيادية أو مواقع حساسة.
الإدماج في التنمية
 ويتقاطع رأي الدكتور القش مع ما ورد في استراتيجية تنمية المرأة الريفية التي أشارت إلى تنوع المعوقات التي تواجه المرأة الريفية بتنوع الأدوار التي تقوم بها والتي تستوجب معالجتها وتذليلها بغية إدماج النساء الريفيات في عملية التنمية على أحسن وجه منها.
 حيث تشير الاستراتيجية إلى أهم العوائق التي تواجه مشاريع التنمية في ظل تداعيات الأحداث منها زيادة الفقر الريفي وهجرة النساء والأطفال إلى المدن الداخلية والنزاعات المسلحة إلى جانب زيادة عزلة الريف نتيجة انعدام الأمن وصعوبة الوصول إلى الأراضي وصعوبة الوصول وضعف إدارة الموارد الطبيعية من المياه والأرض والمراعي وتدهور وخراب في بعض قطاعات البنية التحتية الريفية.
 وتدعو إلى مساعدة النساء اللواتي تعرضن لظروف مختلفة، من خلال توفير التأهيل والتدريب والوصول إلى مصادر الدخل، لتحقيق سرعة عودتهن إلى الحياة الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية والعمل على تخفيف آثار الفوضى وما سببه من فقر للمرأة وأسرتها وخاصة التي ليس لها معيل ونشر مفاهيم تنظيم الأسرة في الريف وتحقيق التوازن بين التنمية السكانية والموارد الطبيعية وإعادة الدراسة لخطط مشاريع التنمية الريفية برؤية جديدة
رفع مستوى الأداء
 وتؤكد على ضرورة العمل على رفع مستوى أداء المرأة في العمل جراء تزويدها بالمعلومات الفنية اللازمة لهذا العمل من خلال إقامة الدورات التدريبية المتخصصة وتشجيعها على استخدام المكننة والتقنيات الحديثة في العمل الزراعي ورفع مستوى أداء المرأة في الإنتاج الحيواني جراء تزويدها بالمعلومات الفنية اللازمة لهذا العمل من خلال إقامة الدورات التدريبية المتخصصة وتشجيعها على استخدام التقانات الحديثة بهذا المجال وتشجيع وتدريب المرأة على تأسيس المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة المدرة للدخل وكيفية إدارتها والاستفادة منها وكذلك تدريبها على عملية الحصول على القروض المصرفية لتمويل هذه المشاريع وإرشاد وتدريب المرأة الريفية على إنشاء الحدائق المنزلية والاستفادة منها بتحقيق الاكتفاء الذاتي لغذاء الأسرة والسعي لإيجاد الشروط الملائمة لوصول الخدمات الزراعية الحديثة للنساء.
توحيد المعايير
 ويقترح رامي الزعتري- الباحث في المرصد الوطني للتنافسية بعد قراءته لتقرير فجوة الجندر- توفير فرص عمل متساوية بين المرأة والرجل وتوحيد معايير التوظيف المطبقة على الإناث والذكور لدى القطاع الخاص وإحداث برامج لتمكين المرأة، لاسيما المرأة الريفية وإنشاء صندوق للتمويل الصغير للمرأة يسهل حصولها على التمويل ودعم تنفيذ عدد من المشاريع التشغيلية والتدريبية للمرأة، بهدف تشجيع دخولها إلى سوق العمل وإنشاء حاضنات أعمال نسائية وتشجيع ريادة الأعمال لدى المرأة وإقامة معارض للمنتجات النسوية محلياً وخارجياً لإبراز قدرات النساء العاملات وطاقاتهم، وتسويق منتجات المشاريع النسوية.
زيادة التمثيل
والسماح بترخيص عمل المرأة من المنزل والعمل عن بعد بهدف زيادة تنظيم عملها والحد من تفاوت توزيع الدخل بين المرأة والرجل لدى القطاع الخاص، كان من ضمن المقترحات التي قدمها الزعتري إلى جانب تعزيز الإنصاف في الأجر ودراسة مشروع رعاية أطفال العاملات والبحث عن مصدر تمويل له ووضع آليات ووسائل نقل لتسهيل تنقل المرأة لمكان العمل بأجور نقل مدعومة والحد من تسرب الفتيات من المدارس لاسيما في الريف وإدخال مناهج تعليمية تشجع عمل المرأة وزيادة تمثيل المرأة في مجلسي الشعب والوزراء.
كي لا تبقى في الظل
أياً كانت المرحلة التي نمر بها في الأزمة؛ فإن الزمن يسير إلى الأمام وزمن الأزمات والحروب هو دائماً زمن عابر في عمر الشعوب ولابد من انتهاء الأزمة وحينها تبدو المرجعة حتمية لكل القوانين والنظم والتشريعات التي تنظم العمل والحياة؛ وعندها لا بد من سن القوانين والتشريعات التي تتيح للمرأة العمل وتمثيل نفسها كقوة ليس اجتماعية فحسب بل كقوة اقتصادية وسياسية وألّا نبقيها خلف الرجل وفي ظله كي لا يبقى نصف مجتمعنا ظلاً وما يعني تعطل معظم قوى هذا المجتمع دون أن ننسى مواكبة هذه التشريعات إعلامياً وثقافياً لتعزيز وجود وفاعلية المرأة السورية لتأخذ المكانة التي تستحق!!.