ما كان بالإمكان الحديث قبل سنة عن مآزق الثورات العربية تصريحاً أو حتى تلميحاً، إذ كانت الجموع تحت وقع الانتشاء فخورة بإنجاز حقّقه الشعب حين اختار إرادة الحياة فقرّر إسقاط النظام.
وقد انساق عدد من المثقفين والمبدعين والإعلاميين وراء هذا الخطاب التمجيدي فأشادوا بالقوى الجديدة التي ظهرت على الركح السياسيّ الاجتماعيّ، وأطنبوا في الحديث عن خصوصيات الثورات ومميّزاتها ومآثرها وفضائل الثوّار...ولا غرابة في ذلك مادام تأثير غرضي الفخر والمدح في الذات العربيّة شديداً.
أمّا اليوم فالأصوات تتعالى محذّرة من الانزياح، ومنبّهة إلى الانحراف عن المسار الثوريّ، بل إنّ بعضهم اعترف بعسر إنجاح مسار الانتقال نحو الديمقراطيّة، في ظلّ سياق اتّسم بالعنف والتأزّم على جميع المستويات: السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة. وبين أفقي الأمل واليأس يتسلّل خطاب يروم التحديق في ما يجري والاقتراب من الواقع المعيش.
ثورات ومآزق
يرى المحلّلون أنّنا في مأزق تاريخيّ ذلك أنّ الجموع لازالت ترفع شعارات في المظاهرات لا تنمّ عن وعيّ بخصوصيات اللحظة التاريخيّة. فهي تطالب بإسقاط النظام بدل المطالبة بتغيير التصوّرات والأساليب والأدوات والممارسات ، ولا زالت ترى أنّ إحلال طبقة سياسيّة محلّ أخرى سيعالج الموقف ،وهي أيضا لازالت تتناقش حول من هو مؤهل للحكم وله شرعيّة السلطة بدل الحديث عن آليات بناء مؤسسات الدولة التي ستستمر بغض النظر عمّن سيحكم .
أمّا المأزق الثاني فهو مأزق سياسيّ تمثّل في غياب الواقعيّة العقلانيّة إذ تصوّر الحاكمون الجدد أنّ الدولة لابدّ أن تكون مرتكزة على "المحاصصة" الحزبيّة، تُسيّر بمنطق العصبيّة والغنيمة والولاء لمن حازوا الشرعيّة ومثّلوا الأغلبيّة. فبات الجدل السياسيّ اليوميّ في مصر وتونس مثلا قائما على التراشق بالتهم والسبِّ والشتم والسخريّة والتشكيك في صدق النوايا والاستنقاص من قيمة الآخر والرغبة الملحّة في استبعاد كلّ من كانت له صلة تعاون مع النظامين السابقين وكأن مسار الثورة يقتضي التشفّي والإقصاء. ولم يتفطّن المسؤولون عن إدارة الانتقال الديمقراطيّ إلى خطورة التنكّر لوعود قطعوها حين صرّحوا أنّهم سيعملون جاهدا على تحقيق العدالة الاجتماعيّة و العدالة الانتقاليّة ومن ثمّ إرساء الدولة المدنيّة أو دولة المواطنة. ومع كلّ شهر يتأكّد أنّ الذين يديرون هذه المرحلة فهموا الديمقراطيّة على أنّها إجراء وأداة، وليست ممارسة مبنيّة على تربية حقوقيّة ومنظومة قيميّة، واستعداد جماعيّ لتجسيدها على أرض الواقع والتزام كليّ بتركيز مؤسساتها العاضدة.
وتمثّل المأزق الثالث في بنية نفسيّة أقلّ ما يقال عنها أنّها تعيش ارتباكا فهي تنوس بين مشاعر متضادّة: الكره والحبّ، الشكّ والتصديق، التفاؤل واليأس، الرحمة والانتقام ...لا تزال تفاصيل الماضي جاثمة على النفوس تحول دون بناء علاقات اجتماعيّة تفاعليّة تسمح بالعيش معا واستشراف المستقبل، بل لا نبالغ إن اعتبرنا أنّ أزمة الشكّ صارت بنيويّة: أزمة بين الحاكم والشعب، بين السياسيين والجماهير، بين الإعلاميين والناس،.. .
ولابدّ من الاعتراف بخطورة المأزق الرابع المتمثّل في انهيار اقتصاديّ شمل بلدان "الربيع العربيّ" إذ ساهمت مجموعة من العوامل كغياب الاستقرار السياسيّ، وانعدام الأمن، وانتشار العنف في إيقاف مسار التنمية الاقتصاديّة، والحيلولة دون استقطاب الاستثمارات الخارجيّة، وعسر إقناع أصحاب رؤوس الأموال الداخليّة بعدم الفرار من الوطن. وهكذا انحدر معدّل الدخل العامّ وانتشر الفقر وتفاقمت معضلة البطالة.
ولئن توقّف أغلب المحلّلين عند هذه المآزق فإنّ المأزق الفكريّ بقي بمنأى عن التحديد يكاد يكون مغيّبا عن الطرح، وهو أمر دفعنا إلى التساؤل: هل يمكن الفصل بين كلّ هذه المآزق؟ أليس افتقار الشباب الذين أنجزوا الثورات العربيّة إلى أرضيّة سياسيّة أو فكريّة تؤهّلهم للتأثير في الجماهير سببا من أسباب انحراف الثورات عن أهدافها؟ إلى أيّ مدى يمكن تحليل مسار الثورات سواء في مصر، أو في غيرها من البلدان العربية، بأدوات تنظير تقليديّة ؟ لم ظلّ التأسيس الايديولوجيّ والفكريّ إلى حدّ اليوم غائبا وكانّ النخب بقيت تحت وقع الدهشة غير قادرة على إنتاج تصوّرات جديدة؟ هل يمكن الحديث عن حالة من الفراغ الفكريّ؟ لم استشرت ظاهرة إعادة النظام القديم ووسائله وممارساته؟ ما الذي غاب عن ذهن المشرفين ، والمسؤولين والمشاركين في نحت معالم المسار الانتقاليّ نحو الديمقراطيّة ؟
ونظرا إلى أنّه يعسر التمحيص في كلّ جوانب هذا المأزق الفكريّ فإنّنا اخترنا الاقتصار على معالجة مأزق عسر تجسيد قيمة المواطنة في مرحلة الانتقال نحو الديمقراطيّة وارتأينا التركيز على التجربة التونسية التي تجد عسرا في توفير المناخ الملائم الذي بإمكانه أن يشكّل مفهوم المواطنة والإقرار بمواطنية النساء بالرغم من كلّ التشريعات التي جعلت المرأة التونسيّة أنموذجا يقتدى بها.
عوائق إرساء قيم مواطنية النساء قانونيّا
تقتضي صياغة دستور جديد للبلاد التونسية التفكير في عدّة مسائل تطرح على المجتمع التونسي لأوّل مرّة، وهي قضايا لا يمكن التفكير فيها بنفس الآليات القديمة ولا استلهام حلولها من الدساتير القديمة نذكر في هذا الصدد: تحديد مفهوم المواطنة، وكيفيّة توضيحها بالنظر إلى هجرة فئات من التونسيين؟ وما وضع التونسيين الذين يحملون جنسيات متعدّدة؟ وما علاقة هؤلاء بالوطن، خاصّة ونحن نعيش اليوم ظاهرة 'المتحوّلين من ولاء إلى وطن ما إلى ولاء مغاير'؟ وما هي حقوق هؤلاء السياسية والاجتماعية والاقتصادية ...؟ وكيف تتحقّق مواطنيّة النساء من خلال الدستور والقوانين التي لابدّ أن تخضع للتعديل؟
تحتلّ المواطنة بأبعادها القانونيّة والثقافيّة أهميّة كبرى في الممارسة الديمقراطيّة الحديثة. فكلّما استطاعت الدولة توفير أرضيّة تمكّن كلّ فرد من أداء واجباته والتمتع بحقوقه، نجحت بالفعل في أن تكون دولة المواطنة. ولئن لم تُعر الأنظمة السابقة ضمان حقوق المواطنة للجميع أهميّة فإنّ الذين نزلوا إلى الشوارع عبّروا عن مدى توقهم إلى استبدال الأنظمة الاستبداديّة بأنظمة مدنيّة ترسي منظومة قيمية تُجمع في الحريات والعدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة. وقد أكّدت أغلب الشرائح الاجتماعيّة الفاعلة في المسار الثوريّ على حرصها على أن تكون الدساتير الجديدة عاكسة لهذه المطالب الإنسانيّة.
ويتّضح أنّه لا يمكن فهم المواطنة العضوية الكاملة إلاّ من خلال شكل انتظام علاقة الفرد بالدولة. وهي علاقة يحدّدها الدستور والقوانين المنبثقة عنه وتتضمّن الإقرار بالمساواة بين جميع المواطنين. بيد أنّ الناظر في مسار صياغة الدستورين المصري والتونسي يلحظ انزياحا عن هذه المطالب التي أتت بها الثورات، ومؤشرات تنبّه إلى عدول عن تجسيد قيم المواطنة.
فبالعود إلى المسودة الأولى والثانية من الدستور التونسي مثلا نتبيّن عسر دخلنة مفهوم المساواة وقد تجلّى ذلك في الفصل 28 من مشروع الدستور الجديد (النسخة الأولى)والذي نصّ على أنّ "الدولة تضمن حماية حقوق المرأة ودعم مكاسبها باعتبارها شريكا حقيقيا مع الرجل في بناء الوطن ويتكامل دورهما داخل الأسرة، كما تضمن تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تحمّل مختلف المسؤوليات، كما تضمن الدولة القضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة" ولولا الضغط الذي مارسته مجموعة من نشطاء المجتمع المدنيّ على المجلس التأسيسيّ لما أمكن التراجع عن هذه الصياغة التي تثبت رفض الأغلبية النهضاوية، على وجه الخصوص، الإقرار بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل، والحال أنّ المساواة تعدّ ضمانة لإرساء سند قانوني ودستوري يمهّد لإلغاء القوانين التي تتضمّن تمييزا بين المرأة والرجل .
لقد عاب الخبراء في القانون والناشطون الحقوقيون سعي نوّاب حزب النهضة إلى تحديد علاقة المرأة بالرجل من منطلق الشراكة والتكامل بدل معاملة المرأة التونسية على أساس النديّة فهي ذات إنسانية مثلها مثل الرجل. ولكنّ تعريف المرأة جاء معبّرا عن التفكير الثنائي الضدّي الذي يحرص على تعريف المرأة في مقابل الرجل وليس باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق .
ويمكن القول إنّ هذا التنصيص على التكامل بدل المساواة التامة مفهوم باعتبار المرجعيّة الإسلاميّة للحزب من جهة، وخشية أتباعه من أن يؤدي الإقرار بمبدأ المساواة دستوريا بين المرأة والرجل إلى المساواة بينهما في الإرث لاسيما بعد أن ارتفعت الأصوات النسويّة المطالبة بهذا الحقّ قبيل الثورة. ولا يغيبنّ عن الذهن أنّ الطاهر الحدّاد كان سبّاقا إلى إثارة هذه القضيّة منذ أوائل القرن الماضي حين نادى في مؤلفه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" بالمساواة في الإرث بين الذكر والأنثى معتبرا أن حكم "للذكر مثل حظ الأنثيين" الوارد في القرآن ليس من ثوابت الأحكام كما أنّه ذهب إلى أنّ القراءة المقاصديّة تسمح باعتبار أنّ هذا الحكم قد ارتبط بسياق خاصّ كانت فيه وضعيّة المرأة هشّة ولكن لا شيء يحمل على الاعتقاد بخلود هذا الوضع الاجتماعي القانوني للمرأة.
والثابت أنّ تقبّل مبدأ المساواة بين جميع المواطنين والمواطنات ونبذ التمييز على أساس الجنس أو الدين أو العنصر يمثّل موطن حرج بالنسبة إلى حزب النهضة. فلغة صياغة المسوّدة كشفت عن فهم محدّد للمساواة يقرنها بالعلاقات التصادمية القائمة على الصراع بين الجنسين ولذلك كان 'التكامل' مخرجا أو حيلة من الحيل الشرعيّة، ووسيلة للحدّ من جموح نسوة رُمن التمتّع بكامل حقوقهنّ على أساس النديّة، وأردن دسترة حقوقهن من منظور جندريّ /النوع الاجتماعيّ.
وبالرغم من تعديل الفصل ال28 فإنّ الصياغة المعبّرة عن المساواة جاءت مثيرة لجدل إذ ثمّة فرق بين المساواة في القانون والمساواة أمام القانون التي وردت في هذا الفصل، والتي تعني التمتع بالشخصية المعنوية فقط ولا تعني بالضرورة التمتع بالمساواة جوهريا في القانون. وقد كان حريأ بمن عدّلوا النسخة الأولى من الدستور أن يعتمدوا هذه الصياغة: "كلّ المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء في القانون وأمام القانون."
وعلاوة على ما سبق وردت عبارة 'حقوق المرأة' في مسودة الدستور غير دقيقة فالعبارة كما نعرف تستعمل في الأدبيات النسويّة وكذلك لدى التيّارات المتشدّدة والمعادية للمرأة، وهي أيضا غير محدّدة بمرجعيّة واضحة. وقد نصح الخبراء والناشطون الحقوقيون بربطها بالمنظومة القانونية الكونيّة ، وبإدراج مبدأ المساواة بين المواطنين بوضوح مثلما ورد ذلك في الفصل 19 من الدستور المغربي الصادر سنة 2011، كما أنّ الخبراء دعوا إلى الفصل بين حقوق المرأة وموضوع الأسرة لأنّ مجالهما مختلفان. فالأسرة تتضمّن الرجل والأبناء، والمرأة تكسب حقوقها بصفتها الذاتية ولا يرتبط كيانها بهويّة أسريّة، وعلى الدولة حماية حقوق المرأة بقطع النظر عن الوضع القانوني أو الاجتماعي أو الجنساني لها (عزباء أو متزوجة،أو مطلقة ...) ولعلّ السياق المتحوّل يفرض أيضا التنصيص على ضرورة حماية الدستور لحقوق التونسيات ، خاصة منها المكتسبة بعد الاستقلال.
والظاهر أنّ التراجع عن الوعود والمكاسب ميسم حاضر في صياغة الدستور فبعد جدل الشريعة في توطئة الدستور، والتكامل أثارت المطالبة بدسترة مبدإ التناصف في الانتخابات و تدعيمه بمبدإ التناوب والمحافظة عليه كأحد المكاسب التي جاءت بها الثورة ردود فعل الرجال سواء كانوا من حزب النهضة أو من الكتل الديمقراطيّة فتمّ رفض تكريس مبدإ التناصف في تركيبة الهيئات الدستورية ، وهو أمر دال على غياب الإرادة السياسية في التنصيص على مبدإ التناصف في الدستور،من جهة والمقاومة الذكورية لهذه الأداة التي تمكّن النساء وتجعلهن يشعرن بمواطنيتهن الكاملة، من جهة ثانية. وبالإضافة إلى ما سبق يعتبر ما جاء في الفصل 43 من مسودة الدستور الثانية إعلان نوايا دون بيان كيفيّة ضمان التكافؤ في الحقّ في الانتخاب والترشّح بين الجنسين على قدم المساواة. وقد كان من الأجدى أن تتم الإشارة إلى المساواة التامة بين النساء والرجال وأن تترتب على ذلك النتائج القانونية الفعلية التي من شأنها أن تفعّل هذه المساواة. إلاّ أن من كتبوا المسودة اكتفوا بضمان " الدولة لحقوق المرأة ودعم مكاسبها" وضمانها " لتكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تحمل مختلف المسؤوليات" وهي وإن كانت مواد هامّة تعزّز حقوق النساء إلاّ أنّها لا ترقى إلى مرتبة الإقرار المرجو بمبدإ التناصف الذي يمثّل مطلبا من مطالب الحركة الحقوقية والنسوية في تونس.
يعتبر مبدأ المساواة بين المواطنين أساس كلّ المنظومة الحقوقية، وهو يقتضي أيضا التنصيص الدستوري على عدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات مهما كانت طبيعة اختلافاتهم. غير أنّ السلطة التأسيسية التي تتمثل في الدستور تتناقض في تكريس مبدإ المساواة فهي تتحدّث في بعض الفصول، تارة عن المواطنين والمواطنات وطورا عن المواطنين فقط، وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات مختلفة قد تذهب في إطار منع النساء من بعض الحقوق وبالتحديد من الترشّح لرئاسة الجمهوريّة. وقد برّر النوّاب المسؤولون عن كتابة الصيغة الحالية من المسودة الثانية الإحالة إلى المواطن دون المواطنة بأنّ صيغة المذكّر جامعة في اللغة العربية.
ويفسّر تغاضي مقرّري لجنة الحقوق والحريات على توصية الناشطات النسويات بـ"جندرة" النصّ القانوني بإقرار صيغتي المذكر والمؤنث، وزعمهم بأنّها مسألة شكليّة بأنّ أغلب النوّاب لا دراية لهم بحضور مقولة الجندر في الدراسات القانونيّة ولا علم لهم بأنّ مبدأ "الجندرة" منصوص عليه في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وأنّ كلّ خطاب سياسيّ أو أكاديميّ أو إعلاميّ ...يتجاهل حضور النساء بالقوّة عبر استحضار صيغة المؤنّث إنّما هو اعتداء على مواطنيّة النساء.
إنّ ما يسترعي الانتباه في هذا الموقف تردّد أتباع الكتلة المهيمنة وغيرهم في تبنّي لغة غير قائمة على التحيّز لصالح الذكور وإصرارهم على التقليل من أهميّة هذا الأمر.بيد أنّ التمحيص في المسودة يؤكّد تسلّل عبارات من قبيل 'دين رئيس الجمهوريّة' و'منصب رئيس الجمهوريّة'، و'المواطن'، و'المسلم '، 'والتونسيون'...وهو أمر يتطابق مع التحيّز الثقافيّ الاجتماعيّ الذي برز في خطاب 'الحكّام الجدد' ، وغيرهم الذين يتحدّثون عن 'رجال القانون' و'رجال الإعلام' و'رجال الأعمال ' و'رئيس الجمهوريّة' في النظام السياسيّ المنشود و'رؤساء الأحزاب' والقائمة طويلة ... فكانت اللغة وفق هذه الصياغة، مؤسسة داعمة للهيمنة الذكوريّة المرغوب في استعادتها بعد 'الصحوة الإسلاميّة'.
وهكذا بدا الموروث الذكوري حاضرا بقوّة في الصياغة الدستورية نلمسه ونشتم رائحته ويظهر على السطح أحيانا بعفوية وأحيانا أخرى متخفيا تحت حجب .إنّه وليد قرون... يتجلّى من خلال تربية وسلوك وممارسات تجترّ مقولات ماضوية ، وهي تربية قائمة على الإعلاء من شأن الرجل في مقابل تبخيس حقوق المرأة، ساهمت النساء في إعادة إنتاجها بسبب تماهيهن مع الفكر الذكوريّ.فلا غرابة والحال هذه أن نجد الاصطفاف الحزبيّ أثناء تصويت النهضاويات مكرّسا تبعيتهن لأوامر الحزب على حساب ذواتهن.
وممّا لاشكّ فيه أنّ الغموض والتردّد الاصطلاحي جليّ في الدستور، وقد بدا خاصة في باب المبادئ والحريّات إذ نجد استخداما ضبابيا وغير دقيق كاستعمال"فرد" و"شخص" "ومواطن" وتغييب استخدام مصطلح المدونة الأممية "الإنسان"وهو ما يفقد الحقوق والحريات المرجعية الحقوقية المتعارف عليها دوليّا، ويضعفها في نصّ الدستور من ناحية وفي القوانين التي ستأتي لاحقا لتنظيمها. ولا يمكن فهم هذا الاحتراز من استعمال 'إنسان' إلاّ إذا ربطناه بالحذر من مرجعيات حقوق الإنسان الكونيّة في الدستور التي تبرز بجلاء في المادة 15 من مسودة المشروع والتي تنص على "وجوب احترام المعاهدات الدولية إلّا فيما "يتعارض مع أحكام الدستور" وهو تنصيص من شأنه أن يفتح المجال أمام التراجع في تطبيق المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس في ظلّ دستور جوان 1959، ومن بينها بالخصوص اتفاقية مناهضة التمييز ضدّ المرأة( CEDAW).
وتجدر الإشارة إلى أنّ مفاهيم عديدة في الخطاب السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي ...كالمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة .... تتداول ولكن دلالات هذه المفاهيم المجرّدة مختلفة وأحيانا متباينة من جماعة إلى أخرى .نذكر على سبيل المثال مفهوم الحرية ومفهوم المساواة ممّا يوضّح أهميّة تحديد المفاهيم في الدستور وبيان التراتيب والضوابط التي تحفّ بها، بالإضافة إلى التفكير في المعايير(المصلحة العامة، المنفعية، الحقّ المشروع، الوظائفية...) التي تتم مراعاتها للربط بين المفاهيم المجردة والقيم المثلى والمطلقة والواقع العملي للوصول إلى حدّ من التوافق. وليس يخفى أنّ هذه القضايا تفترض وجود بنية معرفية تعتمد أدوات حديثة تخوّل لصانعي الدستور إنتاج مواد تعكس مطالب التونسيين والتونسيات العاجلة وتُبين عن تطلعاتهم /هنّ.
لقد انتخب المجلس التأسيسي ليضع دستورا يتماشى مع مبادئ الثورة ولكنّ من كتبوا المسودة لم ينتبهوا إلى أنّ مسألة عدم التمييز تعدّ أولوية في كلّ منظومة حقوقية فنجم عن ذلك تكريس التمييز من خلال الإبقاء على الفوارق بين الأشخاص قانونا أو ممارسة. ولئن كان عدم التمييز مذكورا في توطئة مسودة الدستور فإنّه غير كاف و لا يمثّل التزاما أمام الدولة .
الخلفيات التي تقف عقبة أمام تكريس مواطنيّة النساء
من المعلوم أنّ الذين يصوغون الدستور ينطلقون من مرجعيات أيديولوجية وثقافيّة مختلفة وقد أثر مناخ الاستقطاب الايديولوجي الحادّ في خطاب هؤلاء وفي أساليب كتابة المقترحات وطرق صياغتها وتعديلها إلى درجة أنّنا وجدنا تجاور مفاهيم ومصطلحات وأساليب(تقريرية، إنشائية، ...)في محاولة لإرضاء طرف سياسيّ وفق درجة ضغطه. فكانت صورة 'الأغلبية' داخل المجلس مجسّدة في نص التوطئة دون موضوعية تقتضيها عمليّة رسم توطئة لدستور ديمقراطي قادر على الاستمرارية ولا بد أن يكون متعاليا عن خارطة التوازنات الراهنة، التي هي إلى زوال باعتبار سنن التغيير.
تُخبر هذه المسوّدة عن مختلف التوازنات داخل المجلس التأسيسيّ، وصعوبة إرساء الديمقراطيّة التشاركيّة إذ يسهل اكتشاف المنطق الذي ساد في اختيار تركيبة اللجان، واتّخاذ القرارات وإجراء التصويت مثلما يسهل الانتباه إلى مميّزات البنى النفسيّة التي حكمت ممثّلي الشعب وهم يخطون أولى السطور. فالسياق الاجتماعي المحكوم بمنطق الغالب والمغلوب، والمهيمن والمهيمن عليه، والأغلبيّة والأقليّة والاستقطاب الحدّي بين أهل اليسار وأهل اليمين، لم يوفّر مناخا سليما لتبادل وجهات النظر والإصغاء إلى الرأي المغاير، وتفهّم مقاصد المختلف رؤية وتصوّرا ومرجعيّة. وأفضى هذا الوضع إلى تحبير مسوّدة تفضح النوايا والمخاوف والهواجس وتشير إلى الألاعيب البهلوانية التي استعملت من أجل ترك مجالات لفكّ الملغز والمبهم وسدّ الفراغات وتأويل مواطن قابلة للتأويل.
لقد اتّخذت الكتلة المهيمنة فرصة توفّرت لها لإدارة شأن البلاد ورسم مستقبلها، مطيّة لتنفيذ تصوّرها الخاصّ للدستور التونسيّ. فلا غرابة والحال هذه أن تستنفر هذه الكتلة كلّ قواها من أجل إحاطة نفسها بجدار دفاعيّ ، يحمي مصالحها ويعبّر عن آمالها وأحلامها منزاحة بذلك عن قاعدة التوافق ، عابثة بالوعود المقطوعة بكتابة دستور يجد فيه كلّ تونسي/ة نفسه/ها . وللجماعة عذرها فمواقع صنع القرار تغري بممارسة التسلّط .
وبالإضافة إلى ما سبق تومئ مسوّدة الدستور إلى مأزق التوفيق بين مطالب الحداثيين سواء أكانوا داخل حزب النهضة أو خارجه ، والدعوات اللجوجة التي ما انفكّت تصدر عن التيارات السلفيّة التي تطالب بدولة إسلامية تطبّق الشريعة، وتعلن بكلّ صراحة عن رفضها للديمقراطيّة ممارسة وثقافة ومبادئ منظّمة للفعل السياسيّ وللحياة الاجتماعيّة وتكتفي باعتماد 'ديمقراطية الصناديق'، وترى فيها وسيلة لنيل الحكم.
لقد مثّلت هذه التيارات السلفيّة على اختلاف مشاربها، قوّة ضاغطة ومرئيّة، خاصّة بعد خروجها إلى الفضاء العامّ وممارستها كافة أشكال العنف. وقد أخذت الكتلة المهيمنة هذا العامل بعين الاعتبار فأضفت النفس الإسلامويّ على صياغة الدستور الذي بدا ذلك جليّا في "تجريم الاعتداء على المقدّسات"(النسخة الأولى من الدستور)، و'الثوابت' ،و"التكامل"، وتكفّل الدولة 'بتيسير الزواج، ودين 'رئيس الدولة' ...
ولكنّ حرص حزب النهضة على التموقع ضمن الحركات الإسلاميّة 'المعتدلة' كحزب العدالة والتنمية التركيّ، ورغبته في أن يعطي الدليل على أنّ تجربة الإسلاميين في الحكم لا تتعارض مع الديمقراطيّة ومنظومة حقوق الإنسان، جعلت ممثّليه داخل المجلس التأسيسيّ يقبلون بتضمين مواد في الدستور تعبّر عن هذا التوجّه الحداثي،متوخّين خطابا براجماتيّا يقول الشّيء وضدّه، وفق تغيّر موازين القوى. ونجم عن ذلك تأرجح مسودّة الدستور بين المرجعيّة الإسلاميّة والمرجعيّة الحداثيّة ، وافتقاره إلى الانسجام الداخليّ فكان بذلك معبّرا عن الحرج الذي يجده أنصار حزب النهضة في الانخراط في منظومة حقوقيّة كونيّة لا تقبل بالتجزئة أو الانتقاء.
ولا يمكن التغاضي عن النزعة الأبويّة الحاضرة بقوّة في صياغة الدستور إذ حلّت الدولة محلّ الأب / الزعيم/ الشيخ/ القائد لتغدو هي المُيسّرة للزواج، والراعية للحقوق والكافلة لحريّة المعتقد ، ...وهو أمر يدفعنا إلى التساؤل: ألا يعكس هذا التوجّه ،عن وعي أو عن غير وعي، تصوّرا لسياسة المجتمع التونسيّ سياسة تتماهى مع إدارة الأب للأسرة، خاصّة إذا انتبهنا إلى أنّ الدعوة إلى السابقة إلى تجريم الاعتداء على المقدسّات الدينيّة دستوريّا تتطابق، في الواقع مع تولّي الأب مهمّة تأديب الأبناء الضالين؟ وفي الوقت الذي كان يتعيّن فيه على الساسة أن ينهضوا بدور تعديلي في المجتمع، تحوّل هؤلاء إلى دعاة يجيشون الجماهير فارضين عليهم الوصاية بحجة مسؤولية الأب في التوجيه . وهو أمر يتعارض مع ما أثبتته الثورات العربية إذ قدّمت البرهان على مدى نضج المواطن/ة واستغنائه عن الوصاية، والخطاب الأخلاقوي غير القانوني، الذي يهدف إلى التحكم في الفرد.
الخاتمة
ينّم الجدل حول مواطنيّة النساء ، داخل المجلس التأسيسيّ وخارجه عن البنى الذهنيّة السائدة فالذين عارضوا خفوت الاختلافات بين الجنسين في العصر الحديث عملوا على فرض العلامات السيميائية والمحددات الجندرية المرئية كاللحى والحجب، والدعوة إلى تطبيق الشّريعة، في محاولة لإحياء مبدإ القوامة، خاصّة بعد إرباكه من خلال تمدرس النساء وخروجهن إلى العمل وتحملّهن أعباء القوامة الماديّة.
ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ إذ تلتقي الجماعات الإسلاميّة في السعي إلى تغيير أدوار النساء و'هندسة الفضاء' وفق تصوّر تقليديّ دينيّ يعلي من شأن الأمومة، ويوكل للذّكور مهمّة الإنتاج وتحصيل الأرزاق.
وهذه التصوّرات تتعارض مع مطالب برزت مع الحراك الثّوريّ. فقد أراد 'الثوّار' أنّ يرسوا ثقافة تسمح بولادة مواطن/ة جديد ومختلف ولكنّ المسار الانتقالي انزلق فبدل الاختلاف حلّت مطالب تروم التّطابق مع أنموذج قديم متهرئ، والتماهي مع تمثلات مفترضة حول السلف والأمّة. وهكذا اصطدمت المطالب الثورية بإكراهات الواقع وحسابات المصالح الحزبيّة.
ويبدو التركيز على إعادة تشكيل النساء عبر الإعلاء من شأن الأمومة مفهوما باعتبار أنّ الأمّ هي المكلّفة 'بصناعة الرجال' وهي بمثابة محضن ورحم الأمّة تضمن استمرارها وتجعلها عابرة للعصور، وتسمح بإعادة إنتاج تشابه الآباء بالأبناء فيركنون إلى الراحة.
إنّه الصراع بين الأزمان :الماضي والحاضر والمستقبل، وبين النماذج : الإسلامويّة والحداثيّة، وبين الثقافات، وبين الهويّات، وبين الأنا والآخر، وبين أساليب الهيمنة على الجماهير...يحسمه البعض باسترجاع آليتي التلفيق والتوفيق، ويديره البعض الآخر بمنطق القهر والانتهازيّة القائم على تبنّى الموقفين معا كي لا يتحقّق أيّ شيء منهما، واتّباع أسلوب المناورة وتقدير حسابات الداخل والخارج. وبين هؤلاء وهؤلاء تبرز فئة تولي من شأن الحراك الدينامكيّ الذي يقوم على الفعل والمقاومة والضغط وابتداع استراتيجيات جديدة.
لقد عرّت الثورات العربيّة وفضحت وكشفت النقاب عن أزماتنا وعللنا، ولعلّ أهمّها أزمة الفكر العربيّ وأزمة الوضع الثقافيّ، وعجز النخب عن مواجهة التحديّات. فبأي آليات نواجه جهلا يتمأسس يوما بعد آخر عبر خطابات دينيّة قروسطية عابرة للحدود بفعل العولمة، ترسّخ عبوديّة جديدة وتبعيّة كليّة لأشباه دعاة يعيدون إنتاج ركائز التسلّط والاستلاب والاستبداد باسم الدين، يوفّرون للذوات المعطوبة والمسحوقة ما يخوّل لها الخروج من الإحساس بالدونيّة والنقص والذلّ والخصاء، وهي مشاعر لا تزال تسيطر على ضحايا الأنظمة القمعيّة.