يمكن اعتبار العمل السياسي محاولة لبلورة حاجات بلد ما ومتطلباته لأثبات وجوده ،واستغلال كل طاقاته لتأطير صورته بين البلدان باطار التقدم والتطور والخصوصية والفاعلية، وهذا لن يكون مالم ينظر الى الرجل والمرأة بعين واحدة وتؤخذ قضاياهما الحياتية بعين الاعتبار دون أي تهميش او اقصاء لطرف دون الآخر !
تدجين تاريخي
منذ وجدت المرأة نفسها زوجة لرجل لاتعرفه ولم يسمع رأيها بخصوص اختياره ، ووأد اهلها رغبتها باتمام دراستها او بدخول المدرسة اصلا ، ومنذ ان قتلت بلا رحمة غسلا لعار لايحمل سمة العار احيانا فالمرأة العراقية تعاني من التهميش والاقصاء الذي تمتد جذوره لعقود طويلة ولسوء حظ المرأة العراقية فاغلب مفرداته مازالت موجودة ومستمرة رغم خروج النساء للعمل وطرق مختلف ابوابه ومنها باب العمل السياسي الذي تعترف بعض العاملات في اجوائه بوجود نوع من التهميش للنساء فيه ..ايضا!
فمن جهتها ، ترى نائبة البرلمان المتحدثة باسم القائمة العراقية ميسون الدملوجي ان وضع المراة في السلطة التنفيذية والعملية السياسية تراجع بشكل ينذر بالخطر من خلال محاولات جديدة لتهميش المراة ، وتضرب مثالا على ذلك انخفاض عدد النساء في اعلى السلم الوظيفي والدرجات الخاصة بشكل ملحوظ في الاعوام المنصرمة وفي مختلف وزارات الدولة لدرجة ان قائمة قدمتها الحكومة الى مجلس النواب لأقرار اكثر من ثمانين درجة خاصة في الدولة لم تحتو على اكثر من نساء معدودات لايتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة ..ولايختلف الحال لدى الدملوجي في مايخص مجلس النواب الذي تنتمي اليه والكتل المشاركة في العلمية السياسية وملابسات عملية انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب اكبر دليل على ذلك إذ خلت الترشيحات التي تقدمت بها الكتل المختلفة من النساء بالرغم من الحرص والكفاءة والنزاهة والتميز في الاداء الذي ابدته عضوات مجلس النواب في كل مراحل تطور ونمو العملية السياسية .
في الوقت الذي تعدد فيه الناشطة النسوية ايمان عبد الخضر من منظمة المراة الحرة جملة معوقات يضعها المجتمع امام عمل المرأة في السياسة واهمها واجبات الاسرة العراقية ومتطلباتها من المراة والتي لاتمنحها الا النزر اليسير من الحرية اضافة الى قصور وعي الرجل العراقي احيانا في مايتعلق بحقوق المرأة وحتى واجباتها.
عدا ان المرأة بحاجة الى استنفار مواهبها وقدراتها عبر تطوير ثقافتها ووعيها كما ترى عبد الخضر لأن هذا هو ماسيمكنها من المشاركة في العملية السياسية حتى لو كان ذلك من خلال تنشئة جيل سليم ومتوازن ، وتلقي عبد الخضر بمسؤولية ذلك على كاهل الجمعيات النسائية والمؤسسات الاعلامية والسلطة الحاكمة التي مازالت تكبل المرأة بقيود عديدة كالقرارات الارتجالية المجحفة ومنها التغيير الذي طرأ على قانون الاحوال الشخصية والمادة ( 41 ) ومايترتب عليهما من اعادة المراة الى الصفوف الخلفية والى خيام الحريم.
العاطفة ...اولا
ترجح كفة العاطفة غالبا لدى المرأة ويغالبها الاندفاع باخلاص حين تتبوأ مركزا مهما فلا تتلون كالرجل وتشعر بالمسؤولية اكثر منه بحسب القيادية في المجلسي الاعلى للثورة الاسلامية ونائبة البرلمان وعضوة اللجنة القانونية السابقة فيه ايمان الاسدي فالمراة العراقية في رأيها فاعلة ومؤثرة وتشبه ( الداينمو ) في الوسط الذي تعمل فيه وهي امرأة جربتها العصور واثبتت جدارتها فيها .
ومن خلال تجربتها في العمل البرلماني تؤكد الاسدي على قدرة المرأة العراقية على تحقيق اهداف ومقررات كثيرة لابكونها رئيسا او مقررا بل من خلال نشاطها الذي يصعد المشروع من بداية اعداده وحتى اقراره ،ومن خلال تأثيرها في كتلتها اذا لم تكن مستقلة لأن المرأة مؤثرة بطبيعتها –كما ترى الأسدي -..
ويقودنا رأي الاسدي الى حقيقة كون العضوة المستقلة عاجزة عن التأثير في الآخرين وهو ماتتصدى له النائبة صفية السهيل بقوة بقولها ان ايمان المرأة بنفسها يمدها بقوة التأثير في الآخرين إذ تحدد المراة دورها بنفسها وتثبت للآخرين من خلاله ان كانت مهمشة او فاعلة ، وتعزو السهيل روح المبادرة لدى المرأة العراقية الى رغبتها الدائمة بالتحدي وشعورها بالمسؤولية كونها عانت كثيرا من التهميش في السابق ولديها الآن فرصتها الحقيقية لتثبت العكس.
من جانبها ،تؤكد الناشطة النسوية سلوى محمد عباس من معهد المراة القيادية على اهمية وصول المراة الى موقع المسؤولية لأن المراة قادرة على فهم امرأة مثلها ونقل معاناتها وتحقيق احلامها لذا فأن وجود المرأة في موقع المسؤولية يمثل دعما للمرأة العراقية بشكل عام ..مشيرة الى وجود تهميش واضح لدور المرأة السياسية رغم وجود عشرات النساء البارعات في هذا المجال بسبب موقف الرجل الذي يرفض التعامل مع المرأة كند له ، ويؤكد هذا الرأي بعض المدافعين عن النساء بقولهم ان صانعات القرار من النائبات في البرلمان وحتى المسؤولات في الحكومة يتمتعن بالقليل من السلطة الحقيقية وان ادوارهن لاتفهم بجدية على ارضية البرلمان .
حملات للضغط
شهد العراق بعد سقوط النظام السابق ظهور عدد كبير من المنظمات التي تعنى بحقوق المرأة والتي قدمت الكثير من الانشطة من اجل الاسهام في النهوض بالمرأة ، حيث عقدت عدة مؤتمرات داخل وخارج العراق منذ تموز 2003 ولغاية الان شاركت فيها العشرات من الناشطات في حقوق المراة ، وقد كانت اهم مطالب هذه المؤتمرات والنشاطات ضرورة تفعيل مشاركة المراة على قدم المساواة مع الرجل في صياغة قوانين الانتخاب والدستور الدائم والقوانين ذات العلاقة بالاسرة والمرأة مثل قانون الاحوال الشخصية وقانون الجنسية ، فضلا عن ضمان تمثيل يتناسب مع حجم النساء في البرلمان والحكومة والهيئات والمجالس المحلية والبلدية ..ورغم اتساع نطاق هذه المنظمات الا ان دورها في النهوض بالمرأة لحداثة التجربة مازال فتيا وبحاجة الى المناصرة والدعم وتكثيف الجهود لرفع الوعي الثقافي والسياسي للمرأة من خلال تنظيم الدورات والمحاضرات واستخدام وسائل الاعلام في طرح قضاياها ..هذا ماذهبت اليه عضوة رابطة المرأة العراقية سلوى محمد عباس مطالبة بتشكيل حملات ضغط من قبل منظمات المجتمع المدني لطرح قضايا المراة والاهتمام بالمرشحات والناخبات باعتبار ان هذه المنظمات هي الوسيط بين الجماهير والسلطة ويمكنها ان تكون معبرا حقيقيا عن تطلعات النساء ورغباتهن ، ويمكن للنساء ان تنظم نشاطاتها عبر هذه المنظمات وتصوغ مطاليبها وتوصلها الى المرشحات لمجلس النواب ومجالس المحافظات واللواتي يجب ان يدافعن عن قضايا المرأة ويمثلنها بجدارة ..ولاتجد عباس جدوى في ماقالته بسبب غياب العديد من تلك المنظمات لعدم وجود مردود مالي واكتفاء الباقية منها باقامة الندوات والاعتصامات لتحريك الماء الراكد فقط .
وتختصر النائبة البرلمانية ندى ابراهيم الجبوري مدى التهميش الذي يلحق بالمراة السياسية بحديثها عن وزارة الدولة لشؤون المرأة والتي استحدثت لانقاذ المراة العراقية وتلبية مطاليبها لكنها لم تخرج عن اطار كونها مجرد وزارة بلا ميزانية او جهاز وظيفي واصفة اياها بانها خدعة وهو مادفع وزيرتها السابقة نوال السامرائي الى الأنسحاب منها لاعترافها بانها لم ولن تقدم شيئا للمراة العراقية مادامت وزارتها (زائفة ) !
رغم ذلك ، طالبت اصوات كثيرة بعدم القاء اللوم على التفرقة والتمييز الجنسي الذي يمارس ضد المرأة في مواقع كثيرة داخل الحكومة والبرلمان مؤكدة على ضرورة الصبر والتعاون مع الوزارات الاخرى من اجل خلق برامج تصب في مصلحة المرأة العراقية ...فهل تواصل المراة العراقية صبرها التاريخي لتحقق وجودها سياسيا ام تنتظر الهبات من الحكومة سواء كانت دعما ماليا او وعيا واستيعابا لمعنى كيانها كامرأة فاعلة في المجتمع ؟.