لم تكن طوابير سيدات مصر في الاستفتاء، بل وجرأتهن على إعلان «لا» قوية في وجه «دستور الفتنة والتمييز» سوى رسالة بأنهن قادمات بقوة بعد سنوات من التهميش السياسي، وبأن هذا الدستور لم يجدن فيه أي طمأنينة، أو أي ضمانات لحقوقهن المختلفة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الشخصية أو أي اعتراف بحقوقهن في المساواة التامة كما نصّت عليه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.
طوابير النساء أمام مراكز التصــويت دفــعت بثوريين إلى التأكيد أن «مشكلة الثورة ليست في نســائها.. وإنمــا في رجالها».
في مواجهة النساء الرافضات للدستور، مورست كل الحيل الممكنة حتى يتقلص معسكر «لا»، وتثبت نظرية الغالبية المزيفة: الإغلاق المبكر للجان الفرعية، تباطؤ عمليات التصويت بشكل ملحوظ، عدم إدخال المقترعات إلى حرم اللجنة العامة (المدارس)... كل ذلك لم يكن شيئاً أمام إصرارهن على المشاركة في الاستفتاء والوقوف ساعات طويلة، حتى يُدلين بأصواتهن، بالرغم من الانتهاكات التي واجهتهن، ومحاولات منع بعضهن من التصويت بطرق مختلفة، حتى أنهن هتفن كثيراً في الجولة الأولى والثانية: «عاوزين ندخل... عاوزين ندخل».
وكأنما الهتاف، الذي ردّدنه أمام لجنة مدرسة أم المؤمنين الثانوية للبنات في الهرم، كان إشارة البدء لاقتحام اللجنة بعدما وقفن في طابور طويل لمدة تصل لساعتين بصحبة أطفالهن.
لمدة ساعتين انتظرن بإصرار شديد أمام المدرسة التي أغلقتها قوات الشرطة بحجة وجود تكدس شديد في الداخل. وعندما نفد الصبر قررن اقتحام اللجنة.
فعلتها النساء أيضاً هذه المرة. عشرات الآلاف من النساء خرجن أمس الأول ليؤكدن أنهن أصبحن طرفاً مؤثراً في المعادلة السياسية في مصر.
«ثمة عوامل عديدة جعلت وجود النساء في طوابير طويلة ملحوظاً، فعندما يحدث تباطؤ مقصود في اللجان التي يُخشى فيها من التصويت بـلا، تصمد النساء، ونتيجة لالتزاماتهن المتعددة لا يكون أمامهن سوى المثابرة للإدلاء بأصواتهن، فليست لديهن رفاهية المغادرة والعودة مرة أخرى حين يقل الزحام». هكذا علقت منسقة وحدة الحملات بمؤسسة المرأة الجديدة منى عزت على ظاهرة التواجد المكثف للنساء أمام اللجان.
وأكدت عزت أن هناك تزايداً ملحوظاً في مشاركة النساء في العملية الانتخابية منذ استفتاء آذار العام 2011: «الصورة بدأت تتغير منذ الثورة لأن معدلات العنف قلت، وهو ما سمح بمشاركة أوسع للنساء، ما يدحض كل الأفكار المغلوطة عن عدم اهتمام النساء بالسياسة أو الشأن العام».
«أنا جاية برغم إني سمعت عن التزوير في المرحلة اللي فاتت، بس لازم أعمل اللي عليّا. ح أقول لأ علشان كفاية اللي شفناه من الإخوان لحد دلوقتي». حنان، سيــدة خمسينــية، في لجنة مدرسة العجوزة الثانوية بنات، أصرت علــى المشاركة في الاستفتاء كي لا تشعر بتأنيب الضمير إذا جــاءت النتيجة بـ«نعم».
وبالرغم من أن المشاهدات تشير إلى أن المشاركة النسائية الكبيرة أميل للتصويت بـ«لا»، إلا أن عزت ترفض تأكيد هذه الملاحظة إلا بعد إجراء تحليل للنتائج، إذ «لا نستطيع التعميم رغم الشواهد الأولية، ولا بد من وجود إحصائيات على أساس النوع حتى نستطيع التأكيد على صحة هذه الملاحظات».
ربما لا تكون المشاهدات وحدها كافية للقول بأن النساء يرفضن الدستور، لكن المؤكد أنهن يرفضن التهميش، ويؤكدن أنهن فاعل سياسي يُعتد به.
ومن جانب آخر أكدت السفيرة ميرفت التلاوي، رئيسة المجلس القومي للمرأة، أن مشاركة النساء في الاستفتاء بهذه الصورة تأتي من بين احد أهم مكاسب الثورة المصرية، فقد ظهرت المرأة بشكل ملحوظ في المجال العام وخاصة في مجال المشاركة السياسية، لإبداء رأيها والمشاركة في التحول الديموقراطي الذي يحقق لها العدالة والمساواة.
وأشارت التلاوي، في كلمة ألقتــها خلال مؤتمر عقده المجلس القومي للمرأة يوم أمس لعرض أهم الشــكاوى التي تلقاها المجلس على مدار عملية الاستفتاء على الدستور، إلى أن كثيراً من النساء لا يجدن ما يطمئنهن من ضمانات في مسودة الدستور المستفتى عليها.