مع تزايد دعوات العديد من منظمات المجتمع المدني العالمية كما العربية المحلية إلى ضرورة إعداد موازنات تقوم على تضمين منظور النوع الاجتماعي, وضرورة المساءلة عن حقوق واحتياجات الفئات الاجتماعية التي تشكل المجتمع بغض النظر عن الجنس أو الطبقة الاقتصادية والاجتماعية أو الفئة العمرية, فقد تغيرت التوجهات نحو الطرق التي يتم بها من خلالها إعداد الموازنة العامة للدولة. هذة التوجهات التي تمت بلورتها كنقطة انطلاق لتجسيد العلاقة ما بين الموازنات العامة والتنمية بعد انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة الدولي الرابع حول قضايا المرأة في بكين عام1995 .
فلم يعد إعداد الموازنة شأن امتيازي تنفرد به وزارات بعينها في الحكومة, بل أصبحت عملية تتطلب استدعاء كافة الخطط التنموية الوطنية التي يتم صياغتها على المستوى القطاعي, بالتوازي مع الالتزامات التي تقع على كاهل الدولة تجاه مواطنيها ومواطناتها، إلى جانب سياسات الموازنة، ولكن هذه المرة بطريقة تتسم بالشفافية والاتساق والانسجام مع واقع الحال.
وهذا يعني أن إعداد الموازنة لم تعد فقط عملية تأخذ باعتبارها خلق التوازن ما بين نفقات الدولة وإيراداتها, لكنها بالإضافة إلى ذلك تمر في سلسلة من الإجراءات العملية التي تعمل في جوهرها على استثمار الموارد المتاحة بكفاءة وفعالية وعدالة لتلبية الاحتياجات الأساسية لكافة المواطنين/ ات بلوغا لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تجسد شعار أن الإنسان هو هدف التنمية وغايتها.
وهكذا أصبحت الطريقة أو الآلية التي يتم من خلالها رسم ملامح الموازنة العامة للدولة, هي التي تهتم أو لا تهتم  بكيفية استفادة الفئات الاجتماعية على اختلافها من الخدمات والموارد التي تقدمها ذات الدولة. كما أصبح بالإمكان الحكم من خلال سياسة الموازنة العامة على توجهات الدولة والتزماتها بالمساواة على أساس النوع الاجتماعي، إذ تنص غالبية الدساتير على المساواة بين المواطنين أمام القانون، وتحظر التمييز ضد المرأة أو ضد الفئات المهمشة في المجتمع على اختلافها، والتزمت غالبية الدول بمواثيق حقوق الإنسان، إلا أن هذا الالتزام النظري لا يترجم في الكثير من الحالات إلى ممارسة فعلية، وإلى خطط قابلة للتنفيذ. لذلك تعتبر الموازنات على أساس النوع الاجتماعي وسيلة هامة وأساسية لفحص مدى الالتزام الوطني والمطالبة به. ولهذا السبب فان جملة العوامل التي يتم اعتمادها في إعداد الموازنة العامة تبقى مقياسا لتبنى رزمة الحقوق الإنسانية في عمق السياسية المالية للدولة من خلال تبني مفهوم الموازنة المستجيبة للنوع الاجتماعي.
من هنا فإن الموازنة المستجيبة للنوع الاجتماعي مصطلح يشير في جوهره إلى الموازنات الحكومية التي يتم إعدادها استناداً إلى تقدير الاختلاف في أدوار واحتياجات كل من النساء والرجال في المجتمع. وتهدف هذه الموازنات إلى تجسيد احتياجات المرأة كما الرجال من مختلف الفئات المجتمعية في جميع مراحل عملية وضع السياسات، بما في ذلك التخطيط لإعداد الموازنة والتنفيذ والمتابعة والتقييم.
وعليه، فإن إعداد الموازنة المستجيبة للنوع الاجتماعي، يمكن اعتباره بمثابة أسلوب صمم بطريقة تضمن إدماج أبعاد النوع الاجتماعي في كل مرحلة من مراحلى دورة الموازنة، وذلك بهدف تحليل الآثار المختلفة لسياسة الدولة المالية على مستوى المصروفات كما الإيرادات مركزيا ومحليا، على مختلف الفئات المجتمعية من النساء والرجال وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها من الفئات المهمشة والمحرومة. وبالتالي، فإن هذا الأسلوب يتضمن مقترحات لإعادة دراسة الأولويات الخاصة بالإيرادات والمصروفات، آخذاً في الاعتبار الاحتياجات المختلفة للنساء والرجال.
وتتصف الموازنة المستجيبة للنوع الاجتماعي، بأنها تشجع الاستخدام الأمثل والأكثر فعالية للموارد من أجل المضي قدما نحو تحقيق المساواة بين النساء والرجال وبلوغ التنمية البشرية، من خلال التعرف على الفجوات في توزيع الموارد العامة، وبالتالي فإنها تعمل على استخدام الموارد المتوفرة لتحسين نوعية حياة الرجال والنساء بشكل متساو، ناهيك عن كونها تسمح لأي دولة بأن تقوم باستثمار كافة موارده البشرية من النساء والرجال والأطفال واستنطاق الكامن من طاقاتهم والمحافظة على قدراتهم التنافسية لتوسيع خياراتهم وتحسين نوعية حياتهم، من خلال إعادة تخصيص الموارد بحيث تستجيب لاحتياجات مختلف فئات السكان ووفق أولويات كل فئة منهم تحقيقا للإنصاف والعدالة النوعية وتكافؤ الفرص، وبالتالي لا يمكن القول بأنها موازنة منفصلة للمرأة، بل موازنة تأخذ بعين الاعتبار كما سبق وأشرنا احتياجات مختلف الفئات المجتمعية على اختلافها.
تجارب مختلفة... أصوات مختلفة
وقبل الحديث عن الكيفية التي تتم من خلالها استجابة الموازنة لاحتياجات النوع الاجتماعي، سأتتطرق هنا إلى قصة رمزية بعنوان "الفيل والعميان الثلاثة"، إذ يحكى أن ثلاثة من العميان دخلوا إلى غرفة يوجد فيها فيل، وطلب من كل واحد منهم أن يكتشف ما هو الفيل، بدءوا في تحسس الفيل وخرج كل منهم ليبدأ في الوصف، فقال الأعمى الأول بأن الفيل يشبه العمود، أما الثاني فقال أن الفيل يشبه الثعبان تماما، في حين قال الثالث أن الفيل يشبه المكنسة. بالتأكيد يمكن ملاحظة أن الأول أمسك بأرجل الفيل والثاني بخرطومه والثالث بذيله، إذ كان كل منهم يعتمد على برمجته وتجاربه السابقة، ولكن هل التفت أي منهم إلى تجارب الآخرين. الفكرة التي أود إيصالها، أن كلا من الرجال والنساء يعيشون تجارب مختلفة استنادا إلى أدوارهم المرسومة لهم ثقافيا، وبالتالي لا بد أن تكون لهم حاجات وتوقعات وآمال مختلفة أيضًا. وعليه، فإنه من الضروري تحليل أدوار وحاجات وفجوات النوع الاجتماعي، وذلك حتى يتم تحديد المصادر المالية والبشرية اللازمة لكل منهما، من خلال جمع المعلومات والبيانات الاجتماعية والاقتصادية المصنفة حسب الجنس والعمر والطبقة الاقتصادية، ومن خلال إشراك ممثلين عن الفئات المستهدفة وسماع صوتها. وهذا يجسد في جوهره عمقا حقيقيا لبناء الأسس المهنية لإعداد موازنة مستجيبة للنوع الاجتماعي، بالاستناد إلى الواقع وتجارب الآخرين وخبراتهم. وذلك على باعتبارها أداة واستراتيجية وفضاء للتأمل، وموقع للحوار وربما للصراع. وبالتالي يشكل عملية تحويلية تهدف إلى إزالة الفوراق بين مختلف الفئات الاجتماعية الاقتصادية، والتي لا بد ستعكس ظلالها على إطلاق الطاقات الفكرية وصقل المهارات والمواهب واستنطاق الكامن من قدرات الموارد البشرية في المجتمع.