صرخة المراة والشعوب العربية شاعرات عريبات رحاب حسين الصائغ الدخول في عالم النص الشعري، ووضع لمسات النقد على الفكر الانساني لدى المراة، لابد من الوقوف عند ما تقدمه من ابداع، بعيدا عن الانزواء ليتم الخروج من قوقعة التحنيط. تقديم: اخذت اوراقي واتجهت الى صفحة المثقف، سافرت روحي الى صومعة خيال المراة، شهقت حين استقر بي الطواف فوق اقلام مبدعة، لشاعرات في زمن عرك مفاصل التحايل، للفكر الانساني لدى المراة، لغة ابداع الوانها مختلفة، شاركت في الانفتاح على الحياة بثقة عالية تحمل التبادل الجمالي في صياغة مفرداتها الشعرية، في ادراك واسع من اجل العبور الى مرحلة صعبة، تمر بها الشعوب العربية، وضعن بصمة ابداع لاعادة هيكلة أصل الموجودات في الطبيعة والحياة واللغة، التي هي نتاج مجتمع معين، وتطلق كلمة ابداع على العمل الناضج، في صفحة المثقف وجدت للمراة الشاعرة دور فاعل في عملية التحول والتغيير، في هذا الزمن الآني، القرن الواحد والعشرين، نحو عصر مغلق، فكان لصوتهن صرخة تقود للخروج من ماضي لا يتلائم والحاضر، بحثا عن طريق للخروج من روتين الحياة ورتابتها، وتقبل فكر جديد يعمل على تنشيط الذائقة، ولتغييرعموم واقع مؤلم، يعيشه الانسان العربي، من غربة وظلم وتسلط وتهميش وهيمنة وما الى ذلك من عوامل الاجحاف بحقه، وحصيلتي بعض من النصوص الشعرية لشاعرات كنَّ قد شاركنَّ في صفحة المثقف بنتاجهنَّ الادبي.

الشاعرة/ سنية عبد عون وقصيدتها ( موحش هو البكاء) تحمل نظرة عميقة لمجمل الحياة التي تواكب المسيرة اليومية، همومها هموم كل فرد، كتبت تسخر من غيث لا يهطل، كأنَّ الغيم انزوى لا يريد ان يسقي هموم الفرد المتعطش لذرة خير حتى لو كانت من وحي خياله، قائلة: وغابة العشق تكتم سر عاشقيها بين الغيوم يتراءة خيال امراة تمشط شعرها الذهبي صورة جميلة عن معاناة الفرد، كم هو يحاكي مفردات عشقه اليومي، لكن دائما تصادفه الغيوم التي تمثل قسوة الاصطدام بامور عابثة، لا يمكن تحديدها او الوصول لها او الى جذورها، لانها غيوم لابد منها في حياته احيانا كثيرة، واحيانا يجد تجاوزها صعب، ولماذا يتراءة له خيال امراة من تلك الغيوم، لان المراة هي الملاذ له من هموم الدنيا، المراة تمثل الجهة الجميلة في الحياة، وعندما يشرد خياله في امراة تمشط شعرها الذهبين، تعني ان تلك المراة هي الشمس، والشمس تحيل الحياة الى الادامة، كون الشمس تعمل على تحريك الحياة نحو الاستمرار، وكسر مساحات التعفن، في مكان آخر تقول: .... مهلا....تجار النهب سمعت انين أرملة تهذي بتعويذة وهناك رايت آدم تتعثر خطاه يبسمل بدعاء الشوق واللهفة. مفردة ( مهلا) تحمل صرخة لا بد من وجودها، تعلن فيها ان هناك تجار تنهب حقوق الفقير، وياتي ذلك واضحا ايضا من تلك الارملة( امراة) هي لا تهذي بل تريد ان تقول ان ما يجري خارج حدود الفهم الصح للحقوق السارية، حتى وجود آدم تعثرت خطاه وهو يبسمل بدعائه، كونه يفهم ما يلقن من خيبات لهذا الجيل، في صور مهمشة لا تقدم له غير الموت على طبق من الترغيب مفعم بالترهيب على انها حقيقة، لواقع مزري لا بد ان يكون بغير الحال الذي يعاش، وما يحمله.

الشاعرة: وفاء الربيعي وقصيدتها ( الجهات ) نلاحظ في مجمل القصيدة، انها تعاني غربة الوطن، وأي شيء اقسى من الشعور بالغربة التي يعيشها الفرد، مرغما، بسبب ما يحمله الوطن من ويلات، تبحث عن جهة تتوجه اليها كي تكون بين احضان وتراب الوطن، تتوق لبصيص أمل، جاهدة تصرخ، في فرد صورها عن كيفية الوصول لحل، لهذا تقول: أريد ان اعود بقليل من الخوف ايها الشمس انتظريني لا شيء هنا غير الصمت وغفلتي كم يحمل قلب وفاء الربيعي، من حزن وألم تبثه لوطن وارض لها فيها اول خطوات حياتها، وتعيش على مضض كل لحظة تمر عليها، وهمها سؤال لا يكف عن السكوت، يقولها، العودة بقليل من الخوف، ادخلتنا صورة مؤلمة لكنها في الواقع صادقة، بل تحمل اعمق معاني الصدق، وحين تطلب من الشمس ان تنتظرها كي تعود، تاركة كل شيء خلفها من اجل الوطن، صرختها سحابة غيم داكنة، الوطن في كل حواسها واينما ذهبت، تتعذب في بعدها عن احضانه.

الشاعرة: هلا مراد وقصيدتها ( قابيل العصر) تقدم لنا نوع من انواع الظلم الذي اصبح تقليد لدى البشر، بصورة جيناته الوراثية، وكأن العودة الى مقوله ( داروين)، هو ما يحدث، ومع هذا تعود للقول: ألم يتعلم البشر من تطور وفهم لامور الحياة، وان لم يتعلم كل هذه السنين، متى يتعلم او يقنع انه ولد حراً، ولا لأحد عليه فضل، غير ما قدمه لنفسه من خير، وحينما تُقدمْ تساؤلها: ( من نحن؟ ومن هم؟ ) هو تصريح مباشر لما نجده عندهم، كل المفاهيم اخذت طريقها للسمو، ونحن مازلنا كما نحن، ان هلا لم تجد غير هذه الصيغة في نقل صورها للقارئ، وتحاول مرة اخرى، وبصورة اكثر تكنيك، وكانها تعلن نص خطابي وليس شعري، كونها تحمل صرخة اخرى بقولها: تعالوا نتحرر من عنجهيةٍ هي قابيل العصر فرعون الامس نمرود التاريخ هولاكو تحرروا من الوهيتكم ولا تكونوا سوى بشر مجرد بشر. كل مخلوق ناطق هو بشر، لو قالت ( ولا تكونوا سوى انسان/ مجرد انسان) لاعطت لقصيدتها معنى اعمق بما قدمت من مضمون، لان من يحمل صفة انسان، ويكون انسان، سيكون اكثر فهما للحياة، ولن يكون قابيل وسطحية افكاره الملوثة، المفردات لها مدلول، ومدلول مفردة بشر سائدة ولها محدودية في اعطاء المعنى المراد وصوله، عن الفرق بين العبودية والظلم، واي نوع من انواع التجبر والتسلط والجهل، ومفردة انسان تاتي من الاسنسة، اي التآلف والمحبة والفهم لما على الفرد من حق وما له من حقوق، واول ما يدركه الفرد كي يكون انسان هو انه زائل لا محالة، ووجوده محدود مهما طال به الزمن او التغيير من حال الى حال، ومن نطلق عليهم بشر هم من ياكلون ويشربون وينامون ويمارسون غرائزهم فقط، سيبقون مجرد أفراد على سطح هذا الكوكب، أما من يطلق عليه صفة انسان، هو من يفكر ويتالم ويتفاعل مع من حوله وهمومهم، لذا لم يكون حينها هناك سيد او مسود.

الشاعرة: سعيدة تاقي وقصيدتها ( توريات) تقدم لقصيدتها تعريف\" الالم بطبعه، لم يتعلم ان يكون صامتاً\" وتحمل قصيدتها ثلاث مقاطع رقمية. كل مقطع يتمنع بصورة جميلة متشابكة مع بعضها في المعنى والقصد، تريد القول ان الحياة اشكالها والوانها ليس ثابتة، لكنها مختلفة وما تخلفه من تقاطعات حولنا، هو تاثير البيئة والتربية هو جوهر تعاملنا، واختزالها لما تحمله القصيدة من معاني محصورة في العنوان(توريات)، وهي تريد قول ما لاتريد الافصاح عنه بالمباشر، كانها تريد ان تقول الظل اصدق من الحقيقة، على حسب قول احد الفلاسفة، حين اشعل نار ليتدفئ، اعتبر الظل حقيقة والنار وهم، ونستنتج من قولها في المقطع الاول: كلما راوغتك تفتح بيديك لجناحيها النافذة، لا لكي تطير هي بعيداٍعنك، بل لتصفع انت، بظلها الخافت هدير الريح الخافت. دائما توجد دعوة من الاخر( الرجل)، كون المجتمع الشرقي مجتمع متسلط، او ( الجهل) للسقوط، بشتى الصور والوسائل، من اجل شيئاً ما من قبل هذا الاخر، ثم تخضع الفريسة لمسيات شتى اقلها تدعه في حيرة من امره، على الفرد الانتباه لما حوله، كي لايكون عرضة للجهل او التخلف، حتى يكون قادر على العيش بتوازن، يقوده مجريات افضل.

الشاعرة: زينب محمد الخفاجي وقصيدتها ( رسالة الى التغيير) حملت قصيدتها كثير من الترحال، عبر امور شتى، لتوصلنا الى معنى جميل ورائع هو لب القصيدة، ووحده قصيدة عظيمة، اقتنصته بترحالها الطويل، تقول: ما نفع العدل بلا انسان وما نفع الحرية بلا اوطان هذه الصورة الرائعة اخرجتها من ازمة النص، في بحثها عن التغيير، حملت اقوى صرخة في مجال رغبتها القصوى للتغيير المطلوب، قاعدة يُعتمد عليها، وربما كان ترحالها الكثير في النص لرغبة امتلكتها في كتابة هذ القصيدة الى نوع من التجريب.

الشاعرة: بان ضياء حبيب الخيالي وقصيدتها ( غداً ) انها امراة معطاء تفكر في الغد، وكيف ستكون الامور فيه، انها لاتحلم، بل تتوعد الغد، تريده كما يجب ان يكون، لذا هي تقدم له كل ما تملك، احلامها واملاكها وامانيها، كوجبة كاملة شهية، مادامت هي غنية بمفاهيم المعرفة والحياة، لكي تتساوى المفاهيم وتكون غذاء لمن تجدهم اهلا لهذه التضحية، تحركت وحركت معها معالم قصيدتها بكل ما اوتيت من عطاء، حيت تقول: غداً انقب كتب الجغرافيا عن قطرة وطن .... ليحبني بجنون كما يصوغ اسمي قلادة لجيدهِ يركض خلفي في الطرقات يراني في كل الوجوه. قصيدتها الطويلة والتي تكرر فيها مفردة غداً، وهي تعد الغد بكل ما تملك من اماني تعشقها، تعبر بصرختها عن خسارة من الصعب ان تعوض، ممكن الانسان ان يعطي الكثير، كي ياخذ ما يجعله في عيش رغيد، ولكن لا مفر من الحلم والامل.

 الشاعرة: سناء بلحود وقصيدتها ( امراة من حرية) على وجع كبير تضع يدها، ومعاناة لم ولن تنته في حياة كل عربي، ( الحرب) كأن الحرب رغيف ولد معه، مفردة ( حرب) وجبة اساسية تقدم للكبار والصغار على حد سواء في حياة العربي، ويتبعها شوائب خرابها، لم يسلم من الحرب شيء في البلاد، وشجونها وسخام فواجعها، في كتب الاطفال تدرس، في عيون الحسان تتحرك، في اعمار الشباب تدون، في حناجر الامهات تتحجر، من قال انها تقدم اجمل لحظات السعي في ثيابها، وحيث تقول: الحرب تقتحم كل شيء الحرب في الساحات الحرب في الوجوه الحرب في القلوب الحرب في الكلمات فكيف للقادمين ان يرسموا سربا من الحمام؟. لا هوادة في هذه المفردة القاتلة، تعلنها صرخة عالية، بسؤال يطرح نفسه، اين المفرمن حلقات الحرب المغلقة، وهي على مر الاجيال يعلوا دخان سوادها، يولدون بقماط الحرب وحروفها يتهجون.

الشاعرة: نوال زياني وقصيدتها ( الوطن وجه تربك المسارات) لديها صورة الوطن كالعملة له وجهان، وجه الاسياد، ووجه الشعب، والوجهان لا يلتقيان ما دام كلاً منهما له وجهة مختلفة، كلاهما يستمد وجوده في عملة الوطن، الشعب وجهه ثابت بالنسبة للوطن، اما الاسياد وجوههم في تغير دائم، اذن هم الوجه المزيف، تبدو صرختها معبرة عن وجع الشعب وواقع حاله، بقولها: انا هنا فوق الموت؟ اسفل الحياة بقليل. صورة حقيقية لمقومات شعب لا يعيش بدون وطن، اذن هو اسفل الحياة بقليل، ماذا بعد هذا الكلام يقال، ان كان لفئة من الناس تعيش فوق ارض ولدت عليها وتربت تحت سمائها، وتعيش هذه الحالة المزرية، وهي الحقيقة السائدة لاي وطن بدون شعب، ويعيش مسارات خاطئة، ويقاوم ويستبسل ويموت، بسبب اسياد لم يدم لهم الحال غير بضع سنين، حيث تقول: لم اقل وجهة المسار ستحملنا الى الخنوع المزمن ولا الى بدايات الرغد قلت كَثُرَ أرباب السماء فثقلت موازين الوطن صار جثث عارية نغتابها بكل ما اوتينا من قبيلة ودين وهوية سائحة كم رائع وجميل ما قدمته في صرختها، لوطن له عملة لها وجهان، بقدر ما هي صورة جمالية، مؤلمة بحق وصادقة وناضجة جدا.

الشاعرة: سلوى فرح وقصيدتها ( على شفاه صحو) تبدأ نصها النثر بلغة الخطاب، ( .. ايتها الانسانية) ( .. !! رفقاً ) ثم تقود القارئ لاستعاراتها المكللة بالألفة والحب والهدوء، ينضح من انثى لا تعرف غير الحنان والعطف، كانها تخاطب طفلها الرضيع تهدهده، حيث تقول: .. فلم لا نتآلف ؟؟ ننشد سر المحبة .. ونلون الامل بابتسامة المنى لتشرق الشمس على شفاه طفولتنا .. ماذا لو يفرح العمر؟؟ نملأ الكون صفاء. ايوجد اجمل من هذه اللغة المتالقة في سماء الحنان، وأهدأ من نسمة هذه الصورة الرائعة، التي تحققت لكانت الارض هي الجنة، كلنا نامل ان تكون الحياة بمثل هذه الجودة والاحاسيس، يملأ الحنان والصدق والهدوء اشرعة يومنا، ويطغى على مفاهيمنا جمال الاشياء الجيدة، وتحمل ما يوثق الازدهار لنهاراتنا.

الشاعرة: لبنى ياسين وقصيدتها ( وطن) لبنة ياسين لها طريقتها في تشكيل ملامح الوطن، سحرتها نسمات جماله منذ الصغر، ولكن الالم دفعها للتفكير في امره، وما اختلج في اعماقها عنه في دفاترها المدرسية، لكن هيهات ان يدوم شيء على حاله، كبرت وصغرت صورة الوطن في عينيها، كان ضفائرها في الامس وقصص احلامها، اليوم وجعها والم حكاياتها، مما جعل لديها اماني اخرى، جديدة خلقها الوطن في كل نواحي حياتها، فتريد له تشكليل آخر حيث تقول: يمتد الوطن في داخلي صفحة بيضاء ناصعة امزق ملا محها باظافري المدببة واكسر السطور واصنع منها منحنيات واعيد تشكيل تفاصيلها باصابع مشتعلة زوايا حادة جدا اغرسها في رئتي ليس لانني لم اعد اصدق البياض ولا اؤمن بالمستقيمات لكني لكي اثبت لهم انني احب الوطن تماما كما يحبونه هم فهل يحبنا الوطن؟ . بكل شجاعة حملت تمردها، وعاليا صرخت، لماذا؟ لانها لم تجد ذلك الوطن الذي احبته في صغرها، وكما تراه اليوم، لذا تود تجديد تشكليله، كون الوطن دين وجلد لا يتغير او يبدل.

الشاعرة فاطمة الزهراء وقصيدتها ( أما آن لك قابيل ان تتوب؟؟ ) تعود بنا الى زمن قابيل والجريمة النكرة التي اقترفها بحق اخيه الانسان، وتطلب من قابيل هذا العصر ان يتوب، وتذكره انه ولد عاريا من كل قيد، فقيد نفسه بالجرم، ونسبت كل جرائم الدهر لجرمه، واصبح عهد الجريمة التي لم تنته من ذلك العهد الى يومنا هذا، حيث تقول: يعيث القوم بعدك في الارض فساداً يهلكون النسل يدوسون الحرث والزرع يسلبون بالظلم من العيون بريقها من القلوب رحيقها من الصدور شهيقها. اذن هناك جريمة ازلية لم يحاسب عليها القانون، او يمسك فاعلها، ولذا تفرعت وكبرت اغصانها وتشعبت دوافعها، وبعد كل هذا الزمن المديد، لم يتعلم البشر قواعد الديمومة والبقاء، وكما قدمت فاطمة، ان المقتول دائم البحث عن قاتله، الى يومنا هذا، ودورة الحياة لولبها الاسئلة التي تحمل كثيرمن صرخات يعوم على سطحها صمت مميت. الخامتة: لدى شاعرات صفحة المثقف، هم متنوع من اجل قضية الانسان العربي، والشعر ساحة فكر واسعة، قادني الى شاعرات ناضجات، لصرخة اوجاعهن عن ما تجيش به مشاعرهن تجاه عدد من القضايا التي تسود مجتمع وبيئة غلب ظاهر فضائها سمات ازلية، واخذت حيز من عمره، وعبرنًّ اصدق تعبير عن وضع المراة والفرد عموما، ولم تبتعد المراة الشاعرة كثيرا عن ساحة الواقع الذي تريد له ان يخلع ما عليه من ثياب رثة، ويلبس مداد الحاضر، ويكون بما يملك من قوة وعزم زمام اموره، ولا يقبل بالخضوع والرجوع الى زمن ولى وانتهى، وان يقتات من زاد عقله، والشاعرات العربيات، ان قلن فعلن.