المغالاة في الشعور بالأنا وعظمة الذات، تعمي البصيرة وتعطل المنطق، فيسيطر الغرور الأنانية، وتتضخم المصالح الشخصية وتضمحل المصالح العامة؛ مصالح الوطن على وجه الخصوص. نعتقد خطأً أن الوطن، هو كالأم الحنون، يعطي بلا مقابل، فنغالي في طلب الحقوق ونغض الطرف عن حقيقة إنه يترتب علينا، في المقابل، واجبات كثيرة قد تفوق الحقوق التي يعلو صوتنا حين المطالبة بها، عندما يتعلق الأمر بالوطن. فلأمهاتنا واجباتٌ علينا أيضاً.
 يتهافت الجميع على التنظير وإطلاق الشعارات عندما يتعلق الأمر بالحقوق المنقوصة، وتنهال المطالب الكثيرة على بساط البحث الاجتماعي والاقتصادي السياسي، بينما قد يشير البعض إلى الواجب المقابل عرضاً، دون تحديد ماهيّته وحدوده وحتمية تربعه على عرش الأولويات حتى على قبل البحث عن التمتع بالحق.الحقيقة، كل الحقيقة، تكمن في إنه في مقابل كل حق نطالب به لا بد أن يقابله واجب نؤديه، بل عدة واجبات.
وأما بالنسبة للحقوق التي ننالها، فعلينا أن نستخدمها بحكمةٍ وعدلٍ بحيث لا تتعارض أو تنتقص من حقوق الآخرين. وفي خطوةٍ أمضى لتقديرنا لنعمة الحياة التي أغدقت علينا، ولتمتعنا بمرتبة الإنسان ولامتلاك الحس الاجتماعي والجماعي اللازمين، علينا أن ندرك إنه من واجبنا استثمار تلك المقومات على الوجه الأكمل حتى لا نكون عبئاً على المجتمع، بل نغدو مصدر نفعٍ له. فحياتنا جزءٌ من حياة المجتمع، له فيها نصيب، ومن واجبنا أن نمنحه هذا النصيب بسخاءٍ. من العار أن نعيش لأنفسنا فقط، حين يكون بإمكاننا أن نعيش للغير، أيضاً، ونتقاسم معه السعادة القائمة على تبادل احترام ثنائية الحق والواجب؛ ثنائية لا ينفصم عراها إلا وكان نتيجتها خراب وفوضى.
الإنسان لا يدرك معنى وجوده والغاية منه ما لم يقم بواجبٍ أو بعملٍ ينتج أثراً، مهما كان حجمه، يضاف إلى الإرث الإنساني الجامع. فحقنا في الوجود هو في الأصل نعمة الخلق، أسبغها الله علينا وأناط بنا أن نستخدمها بحكمة وننقيها من شوائب الشر والفساد. حق الإنسان في الوجود معناه أن يكون له وجود فعال في الخير والصلاح، ويراد بذلك الواجب المقابل بعينه. والخلود الذي نروم يتعلق بالأثر الذي يتركه كل منّا لذكره بعد الممات، فيبقى الواحد منّا موجوداً فيما ترك من أثر باقٍ. الخلود لا يتحقق في الذرية واسم العائلة، بل في ذلك الأثر الصالح المستمر، فيمتد الذكر لأجيال عديدة على قدره.
من حق الإنسان أن يتمتع بالحرية؛ وقد خلقنا اللَّه أحرارًا. ولكن من واجبنا أننا لا نحول هذه الحرية إلى لون من ألوان التسيب، فلا نعتدي على حقوق الآخرين وحرياتهم، ونتوقف عن مخالفة نصوص القانون والنظام العام بحجة التمتع بحق الحرية.
من حق الإنسان أيضاً أن يتمتع بالراحة والرفاهية، ولكن دون أن تتحول تلك الراحة إلى كسل وقعود عن أداء العمل والتقاعس عن الإخلاص لواجبات الفرد منا.
ولكل إنسان حق في العمل. فليس هناك أخطر من البطالة على الفرد وعلى المجتمع. ولكن العمل الذي تنشد ليس منحةً ماليةً يقدمها لك المجتمع، بل طاقةً كامنةً فيك؛ تنطلق لتضاف إلى جموع الطاقات من حولك، تبني الوطن وتعود بالخير والرخاء على جميع أبنائه. فتأخذ أجراً لتعطي، في المقابل، اتقاناً ونجاحاً في عملك. المقياس في حسن الأداء هو الضمير الحي الذي يحفّزك على تقديم إنتاج أوفر وعملاً أكثر اتقاناً. فبقدر ما يقارب عملك الكمال، تكون هدفاً لأصحاب الأعمال يبحثون عنك دون أن تفعل أنت.
 وإن عرجنا على الحقوق الاجتماعية، نرى إنه في حين للإنسان الناضج الحق في بناء أسرة متى أراد ذلك، يترتب عليه واجب حسن المعاشرة وحسن التعامل مع أفراد أسرته. وفي حين يتمتع الأبناء بحقهم في أن ينالوا الرعاية المثلى من الآباء والأمهات، فإنه من واجبهم إكرام الوالدين وطاعتهما. ولا أحد ينكر، بالطبع، حق الوالدين في أن يكون لهما ما يشاءان من الأبناء، ولكن من واجبهما مراعاة تنظيم الأسرة، فلا ينجبان بأسلوب يؤدى إلى التضخم السكاني وما يتبعه من مشاكل اقتصادية واجتماعية تؤثر سلباً على تمتع كل منا بحقوقه في إدراك مستوى لائق من العيش والتطلع لمستقبل أفضل، ويؤثر،على شكلٍ أكثر سلبيةً، على حقوق الوافدين الجدد من الأبناء.
ومن حق الإنسان أن يتمتع بالحب. ومن واجبه، أيضاً، أن يكون قادراً على منح حبه للغير وأن يبتعد عن الأنانية، بل يبذل الغالي والنفيس من أجل أحبائه بلا تمييز، فينعكس عليه بمزيد من الحب ويزيد من قدر سعادته.
من حق الإنسان أن يكون له سكن يأوي إليه ويركن بين جنابته ويتمتع بحس الأمن والأمان تحت سقفه. ومن واجبه أن يحرص على حسن الجوار، فلا يتعدى على حرمات وحريات جيرانه. كما يتوجب عليه الحرص على جمال ونظافة البيئة التي يعيش فيها.
من حق الإنسان التمتع بحق الملكية المصان بالدساتير المتعاقبة، وأن يجني ربحاً من أعماله. ومن واجبه أن لا يتعدى ذلك حدود المعقول، وأن يكون ربحه حلالاً بعيدًا عن الطمع وعن الاحتكار. وله أن يملك المال ولكن دون أن يصبح عبداً له يجمعه ويكدسه، بنهمٍ وشراهةٍ، بينما يقعد عن استخدامه في الخير وتقديم المساعدة للمحتاجين والمعوزين من إخوته في الإنسانية.
 وحين نتطرق للحقوق السياسية، نلقاها سيلاً لا ينضب من الحقوق والواجبات المتقابلة. فلكل فرد منا، يعيش على أرض هذا الوطن، الحق في التمتع بالمواطنة الكاملة، يقابله واجب في الولاء للوطن واحترام الدولة ومؤسساتها وقوانينها. ومن حقه، أيضاً، أن يمارس حقه في انتخاب حرّ ونزيه، ولكن في حدود النظام العام على أن لا يخالف ضميره في ذلك. من حقه، أيضًا، الدفاع عن نفسه. ومن واجبه أن يكون صادقاً وعادلاً في دفاعه. فلا يظلم غيره ويلقى عليه التبعة والمسؤولية دون وجه حق. ومن حقه، أيضاً، التمتع بحق حرية التعبير عن الرأي ونشره، وباستخدام حرية الصحافة. ولكن هذا كله يقابله واجب الحفاظ على مصداقية المعلومات التي ينشرها، فيما لا يكون الغرض من نشرها التعرض لسمعة الوطن وهيبته، أو التخريب أو الترهيب، وما إلى ذلك من أهدافٍ مشينةٍ تطيح بالأمان والسلم الأهليّين، أو أن يكون هدفها النيل من سمعة الآخرين وخرق خصوصيتهم أو التشهير بهم.
أولئك الذين يقيمون توازناً عادلاً ومنصفاً بين كفتي الحق والواجب، يكبر الحق بهم، ويبقى الخير ويستمر من خلالهم.