خطت المحاميات في دولة قطر، خطوات متميزة على المسار الصحيح، وتقدمن إلى الأمام بخطى واثقة ثابتة متزنة، وكانت محاميات بوزن فوزية العبيدلي، أنموذجا لعطاء المرأة القطرية في مهنة المحاماة، إضافة إلى قيادات ما يمكن أن نسميه الرعيل الأول للمحاميات في قطر، وتتقدمهن الأستاذة منى عياد، التي جلست الوطن إليها في مكتبها المكتسي بابتسامة، والمتزين بالأبهة، وكريم الطباع، لتناقش ما يعتمل في الصدور حول أداء المحامية القطرية، بأسئلة أغضبها بعضها، وإجابات شاملة وافية، حيال حضور المحامية بقطر في المحاكم، وتقبل المجتمع لها، إضافة إلى قراءة المستقبل المهني للمحامية القطرية، في ظل مجتمعات عربية أبوية ذكورية، بدأت المرأة تخترق الحجب بداخل البلاد وتقتحم كافة المجالات بقوة صارخة، وخطوات واثقة، راسخة، قادرة على إيجاد معادلات توفيقية بين متطلبات المنزل وأعبائه، وضغوطات الحياة الاجتماعية، ومسار العمل.
* امتدح عديد من المحامين القطريين، تجربة المرأة في مهنة المحاماة بدولة قطر، ما مدى تقييمك للمحامية في قطر؟
- المرأة القطرية لم تنجح فقط في مهنة المحاماة وتفوقت في كل المجالات، ستجدها طبيبة، ومهندسة، ومعلمة، ورئيسة في العمل، أما في مهنة المحاماة فهي قد أبدعت، بالرغم من أنها مهنة جديدة على المرأة القطرية، إلا أنها أقبلت عليها إقبالا غير مسبوق، باجتهاد وحضور، وحاولت النجاح، رغم صعوبة التيار، لكن بجهودها وجهود الدولة وجهود صاحبة السمو الشيخة موزا، التي كانت بصراحة تساعد كل امرأة قطرية في كل مهنة وتشجعها، وبدأت المراة تنجح في كل المجالات وبكل المهن، وللمحامية حضور كبير سواء في المحاكم، أو الدوام في المكاتب، رغم صعوبة ظروفها في المنزل، فهي ترعى أبناء وبنات وزوج، ومع ذلك نجحت في مهنتها.
* المجتمع العربي بشكل عام معلوم أنه أبوي ذكوري، فهل تقبل المرأة كمحامية يودع لديها قضاياه ويستأمنها على مصيره أمام القضاء؟
- بالعكس، عندنا رجال كثيرون جدا، المرأة مقارنة بالرجل في المحاماة في العدد أقل، إذا قلنا إنهم 100 نحن 20، بالرغم من هذا لنا حضور أكثر من الرجل في المحكمة، هذا الأمر لمسته كثيرا في عملي، أنا عندي كثير من الموكلين الرجال وأخريات من النساء، والنساء يركزن أكثر في قضايا الأحوال الشخصية، على أساس أن السيدة ترتاح في التحدث مع سيدة مثلها خصوصا في الأشياء الشخصية.
* تحدثت عن تفضيل المرأة لوصيفتها المرأة، هناك حديث طويل عن انحصار قضايا المحامية القطرية على الأسرة والطفل وقضايا الأحوال الشخصية؟
- من قال هذا؟ بالعكس، أكثرية المحاميات متواجدات في قضايا الجنايات والمدني أكثر من الأحوال الشخصية، والأسرة، هناك نحو ثلاث محاميات حضورهن أكبر في قضايا الأسرة، لكن لديهن قضايا في الجنايات وغيرها، من يقول هذا الحديث يسوق لاتهام غير صحيح، الإحصائيات تكذب هذا القول، حتى الآن وبشكل واقعي لا وجود لتخصص، وأن يكون لدى المحامية قضايا في الأسرة والأحوال الشخصية لا يعني أنه لا يوجد لديها قضايا في الجوانب الجنائية والمدنية، ليس هناك انحصار، أنا عندي قضايا لو عرضتها عليك الآن (تتخض).
هناك اتهام آخر للمحامية، بأنها كثيرة التغيب عن المحكمة، تنشغل يوما بابن أو ببنت، أو بتحضير نفسها لمناسبة ما؟ لا، بالعكس، المرأة أكثر حضورًا مقارنة بالرجل، وأكثر تواجدًا في المحكمة، بالعكس من خلال التجربة عندما تذهب للمحكمة يمكن أن تقابل بين كل اثنين من المحامين، محامية، مع أنهم أكثر منا عددا وبدرجة كبيرة.
* لكن يا أستاذة، ألا تتفقين معي أن مهنة المحاماة غير جاذبة بالنسبة للسيدات، بعملها الدوؤب المجهد، والذي لا يتوافق مع ما ترغبه السيدات، ويحتمه عليهن الواقع؟
- لا، بالعكس، هي مهنة جاذبة جدا، أحيانا تكون هناك رهبة بالنسبة لمهنة المحاماة لمن لم يعمل بها، لكن هي مهنة من أشرف وأجمل المهن، أنا أحببتها كثيرا، لا يوجد بها ملل، وتجبرك على الاطلاع على كل العلوم، لأنك ستواجه بقضايا لا يمكنك إلا أن تطلع على كل علومها، حتى تستطيع كتابة مذكرتك وحتى تستطيع أن تدافع عن موكلك، يجب أن يكون لديك خلفية عن الموضوع، مثلا إذا أتى طبيب للمحامية، ولديه مشكلة، ماذا ستفعل؟ ستضطر إلى أن تفتح كتب الطب، حتى تفهم الموضوع ويكون لديها خلفية جيدة عنه، وإذا أتى مدرس ستضطر أن تراجع كل تخصصات مهنته، وهذا ينطبق على رجل الأعمال والمصرفي، وكل المهن، ما سيجعل لديك ذخيرة معرفية متميزة.
* وهذا ما أعنيه بالضبط، أن المهنة مرهقة جدا، ولا تتسق مع متطلبات المنزل بالنسبة للمرأة؟
- بالنسبة لهذا الأمر، نعم هناك معاناة، لكن هذا لا يعني أنها مهنة غير جاذبة، بالعكس، ممكن أن يكون الزوج لديه مطلوبات، والتقدير الأكبر سيكون في حالة أن يكون زوجها محاميًا ويعلم مطلوبات المهنة، لكن في العموم المهنة لها وضعها ومستواها العلمي، ولم أحس بأنها غير جاذبة، بالنسبة لي ولزميلاتي أعتقد أنها مهنة ممتازة وجاذبة، أما فيما يختص بأنها مهنة متعبة ومرهقة للنساء، فهى متعبة ذهنيا، إذا أضفت إليها مشاكل الأولاد ومشاكل البيت والزوج، والمسؤوليات العامة، والحياة الاجتماعية بشكل عام، ستجد بعض الصعوبة، لكننا استطعنا التغلب عليها والحمد لله.
هذا يرجع بنا إلى محور السؤال، بأن المهنة بدواميها الاثنين، تخصم من المرأة في عديد الموضوعات الاجتماعية والأسرية؟
لا، هي مهنة مرهقة، لكن يسهل التغلب على صعابها وليس صعبا إيجاد مواءمة بين العمل ومتطلبات المنزل والأسرة.
* في اتجاه آخر يا أستاذة، كيف تصنفين درجة التعاون بين المحامية في قطر، والمحامي من حيث تبادل الخبرات والمساندة والتعاضد، هل توجد ندية، ومشاكسات بطبيعة المهنة؟
- بالعكس، هناك تعاون كبير، مثلا في حال لم أستطيع الحضور للمحكمة هناك زميل يحضر عني، وفي جمعية المحامين متعاونين إلى حد كبير، ولا وجود لمشاكل كبيرة بيننا في المهنة، بالإمكان الاتصال بزميل ليحضر عني، وأحضر عنه في اليوم التالي، لا وجود للتفرقة على أساس الجنس بيننا، الجميع يتعاون والحمد لله.
* في بعض المنتديات القطرية، لاحظنا سيلا من الاتهامات للمحامية القطرية، بالانحياز للرجل ومناصرته ضد المرأة في كثير من القضايا؟
- قالت والغضب ملأ وجهها، وتجلى في نبرتها: (أنا أنحاز، أو ما أنحاز، هذا يحدده القانون، نحن نتعامل وفق القانون، ومتطلبات القضية، العمل يكون لأجل الموكل ومصلحته، ولا علاقة للأمر بانحياز لجنس دون الآخر، واحد زايد واحد يساوي اثنين، الحق حق، بالعكس، إن كان الاتهام بأننا ننحاز للمرأة لأنها من جنسنا كان يمكن أن يكون معقول، مع أنه أيضا غير صحيح، إن كان للرجل حق سيأخذه والمرأة أن لديها حق ستأخذه، أنا مهمتي أن أوضح للقاضي رؤيتي حول القضية وفق ما يقوله القانون، المادة هنا تقول كذا وهناكم تقول كذا...كيف أنحاز؟ هذا ليس قانونًا وليست محاماة إن كانت هكذا، كيف أنحاز لرجل أو لامرأة؟ هذا مستحيل، أنا مع المرأة إن كان لديها حق ومع الرجل إن كان لديه حق، هذه الأمور تحددها مسارات القضية ومصلحة الموكلين وما حدده القانون، بصورة عامة المرأة دائما تكون، الجانب الأضعف، وهذا ليس انحياز، لكن لأننا نرى بعين الاعتبار هذا الجانب، الشرع والإنسانية والقانون، القانون أساسا موضوع لجلب العدالة بين الناس، وجلب الإنسانية وأن كان لا يتماشى مع الإنسانية فلن يطبق، وقانون الأسرة عندنا في قطر، قانون عادل واضح وصريح، لا وجود للتحيز أساسا، عندما نرى أن القاضي مثلا لديه بعض التحيز، نرده، هناك شيء اسمه رد القاضي، من يحكم في الآخر هو القاضي، المحامي لا يتحيز، ولم ولن يكون متحيزا إلا للقانون.
* تحدثتي قبلا عن أن المحاميات قلة بالمقارنة مع الرجل، إلى ماذا تعزين هذه الندرة في المحاميات، هل لصعوبة المهنة وإرهاقها كما ناقشنا قبلا؟
- لا، ليس للصعوبة، ولكن لأن دخول المرأة القطرية ليس بعيدًا على مستوى الزمن لمهنة المحاماة، لكن الآن هناك خريجات عديدات في التدريب، وطالبات على وشك التخرج، هذه المجموعات ستشكل إضافة حقيقية للمرأة القطرية في مهنة المحاماة، بالنسبة لحداثة الفترة التي بدأنا فيها العمل، أعتقد أن نسبة المحاميات ليست قليلة، بل أحس بأن هناك إقبالًا على المهنة من المرأة القطرية، حتى وإن كانت المهنة متعبة لكن هناك إقبالًا كبيرًا عليها من النساء.
* إذا عدنا مرة أخرى إلى طبيعة المجتمعات العربية، نحن التقينا برجال، رافضين أن يوكلوا امرأة على قضاياهم، خاصة إن كانت القضايا كبيرة، كقضايا القتل مثلا، لأن المرأة لديها عاطفة جياشة، ربما تعوق مسار القضية؟
- لا، أنا مثلا لدي قضايا قتل، كثيرة، وستدهشك، وبالعكس، لدي قضايا قتل استطعنا أن نصل بها لأحكام جيدة، في الحقيقة، كثير من الزميلات معي في محكمة الجنايات يعملن في قضايا مشابهة، ولدي موكلين أتوا بقضاياهم إلى من السجن، على السمعة، يأتون لمحاميات ليترافعن عنهم في قضايا جنائية كبيرة، نجاح المحامية في قطر لم يكن عبثا، بل بجهد كبير بذل لأجل هذا النجاح، في كثير من القضايا نعمل في البدء على التوفيق بين الطرفين حتى دون أتعاب، وأن لم نستطع نذهب بعد ذلك للتقاضي بعد نهاية كل الحلول التوافقية.
* كم من المحكومين في قضايا القتل، أخرجتي حبل المشنقة من عنقه؟
- طبعا، يلزم محاميًا، سواء كان المتهم بريء أو مذنب، يحتاج محاميًا، في قضايا كثيرة، يحاكم الموكل بالإعدام، ونخفف بعملنا العقوبة إلى عشرة سنوات مثلا، وفي قضايا كثيرة، استطعنا تخفيف الحكم عن قاتل، بالتأكيد إن كان قاتلًا لا يمكن أن يأخذ براءة، لكننا نخفف عنه الحكم.
* بالضبط كم عدد من أخرجتيه من عقوبة الإعدام إلى حكم مخفف؟
- ثلاثة أشخاص، وهناك قضايا أخرى ليست قتلًا، وعقوبتها شديدة تم تخفيفها بواسطة محاميات بقطر، كقضايا مخدرات وغيرها، حسب العمل والأدلة والبراهين.
* ما هي أكثر قضية علقت بذاكرتك؟
- في السجن دائما المسجونون يتحادثون مع بعضهم عن قضاياهم وعن المحامين، وهناك قضية كنت أدافع فيها عن شخصين، فأتى الثالث، بعد أن قالوا له في السجن اطلب الأستاذة منى عياد، وهو لا يعرفني، فقال أمام القاضي وبحضوري إنه يريد الأستاذة منى للترافع عنه، رغم أن هناك تعارضًا بين الشخصين اللذين أترافع عنهما وبينه، فأصر أن أكون محاميته، القاضي قال له: «منى قدامك» فأجابه المتهم، لا أنا أطلب الأستاذة منى عياد، فأجابه القاضي «يا سيد المحامية هذه هي نفسها منى عياد»، ولم نستطع إقناعه بأن هناك تعارضًا بين من أمثله وبينه، وكانت لحظات عجت فيها القاعة بالضحك.
* هل استهوتك قضية ما، وطلبت الترافع فيها؟
- بالتأكيد، هناك قضايا كثيرة، أحس بأنني يجب أن أترافع عنها حتى ولو دون أتعاب، وكثير منها نأخذ فيها براءات.
* هل هناك قضية ندمتي على خسارتها؟
- نعم، هناك قضايا خسرناها ولكنها قليلة والحمد لله.
* كيف تقرأ الأستاذة منى مستقبل المحامية القطرية، هل هو مشرق؟
- جدا.. أنا متفائلة جدا لمستقبل المحاميات في قطر، لأنني أرى الآن كيف تقبل المرأة على المهنة، الخريجات خاصة في قسم القانون، يزرن المكاتب ويذهبن للمحاكم، ويتدربن بنشاط، بعضهن درس وانتهى من دراسته والآن يدرس في الخارج، بغية تحضير الماجستير والدكتوراه، حتى يعدن بأفضل المؤهلات العلمية والأكاديمية، وحتى يصبحن محاميات أكثر ثقافة واطلاعًا ودراية بالقانون.