في الحرب الماضية (2008) لم أحاول أن أمعن في صور الحرب بل أشحت بنظري عنها- رغما عني كي أواصل بقائي، ولكن في هذه الحرب لم أفلح في أن أشيح بنظري فكلما نظرت رأيتهم ينطقون/يصرخون/ لازالوا معلقين بالحياة.. هذه الحرب كريهة.. كريهة جدا لأنا جربناها قبل ذلك ونعرف ما معنى الحرب؟! وما معنى القصف والتدمير والألم!!!
في هذه الحرب نحاول أن نعيش، وأقول حرب ثم حرب ثم حرب، فهي ليست عدوان لأن العدوان يرشقنا كل يوم ولم يقف هذا العدوان منذ زمن بعيد، لكنها حرب بشعة تحصد أرواحنا كما المنجل في حقل الفلاح والشبه بعيد.. هي حرب وجريمة وإجرام ومجزرة ترتكب ولاتزال مستمرة حتى اللحظة.
الحرب ليست متكافئة على الاطلاق ولن تكون أبدا فنحن شعب يعيش تحت الاحتلال وجاء هذا الاحتلال على صهوة الحرب والقتل وسيظل منتهجا هذه السياسة لأنها أداته التي تغذيه بالدم.. دم الأطفال والنساء والشيوخ في غزة.
إن هذه الجريمة التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي تخالف كل الاتفاقات الدولية والمعايير الإنسانية الدنيا، وهي ( دولة الاحتلال ) صم عم لا تبالي بمجتمع دولي ولا عربي، ولا تكترث بالاتفاقات أو العهود..
عن من سأكتب عن عائلة الدلو التي جعلتنا نستذكر عائلة السموني في الحرب الماضية!! أم عن رزان أم عمر أم حنين أم..؟؟!! روحهم تخاطبني وتنشلني من حياة البشر فأجدهم أمامي يركضون يلعبون بعضهم يحتفظ بسريره الجديد وبعضهم استشهد محترقا مقطعا!! عن أي شيء نتحدث عن حرقة قلوب الآباء والأمهات؟ أم عن لوعة الإخوة وحزن الأقرباء..!! أم عن بيوت دكت بالأرض وصارت ردما وقبرا على رؤوس أصحابها؟! ماذا سنقول لهم حين نلقي التحية؟ وكيف سيلتقيهم أصحاب الضمائر؟؟!! في زمن شحت فيه الضمائر..
في تلك الحرب كنا نهرع ونصرخ ونستجدي أحيانا أيا كان لإنقاذنا، لكنا في هذه الحرب شعرنا بالكرامة بالحرية رغم الموت، شعرنا أن موتنا هو طريقنا للحرية للحلم الأم إلى فلسطين وليست غزة إلا طريقنا للقدس.. في هذه الحرب عشنا تحت النور رغم أنا لم نتجاوز جدران بيوتنا.. هذه البيوت التي قد تقتلنا في لحظة كما حدث مع العديد من العائلات في قطاع غزة لكنا لم نلجأ إلا الله والسواعد التي تحمي حلمنا بالبقاء..
في هذه الحرب وفي تلك الحرب استهدف الإنسان الفلسطيني والطفل الفلسطيني.. استهدفت حقائبهم المدرسية وأيديهم وأعينهم كي تغيب الحقيقية وهم لا يدركون أنهم يربون أبناءنا على ما نسيناه في سنوات التسوية والمفاوضات العقيمة التي نالت من روحنا وطهرنا وعفافنا.. هذه الحرب وتلك الحرب وحدتنا وضمت قلوبنا معا لأن الحرب موت والموت فناء ولكن أهل غزة جعلوا من موتهم حياة وطريقا للشرف والعزة والكرامة. .
قالت حين أنقذونا من تحت الركام وبعد محاولات مضنية لإخراجها: أين أولادي.!؟ كانت الكلمة الأولى التي نطقت بها حين عادت للحياة، كبر وهلل كل من حاول مد يد المساعدة وبكت أعين الطواقم الطبية وارتعش الصحافيون وانحنت الإعلاميات خجلا من حياتها/موتها.. هي الأم الفلسطينية التي تنحني لها كل الاستراتيجيات الإعلامية والتي لم يشفع لها إلا أن تحولها لأسطورة ولكنها أيضا إنسانة تحب وتكره وتعيش وتموت وتربي وتعمل وتفرح وتحزن ..إنها دوما تعطي بلا حدود فتسأل عن حياة أولادها وهي بين ركام الموت وشاء الله أن تحيا من جديد.. إنها تتألم وتتعذب وقد تموت فضلا عمن يساومون بحقها في وطنها!! إنها تستحق كل أوسمة الشرف لإمرأة عاشت الموت وانتزعت نفسها من براثينه لتبقى حارسة نارنا ونورنا...
في هذه الحرب وفي تلك ارتعشنا وتألمنا ولكنا أيضا كبرنا وزرعنا الورد بين الجدران المتطايرة، ودعانا الأصدقاء على أفراحهم وشاركناهم أتراحهم إنها الحياة بين أزقة الموت جعلت من كل فلسطيني قادرا على صوغ حياته كما يشاء مادام الموت سيخطفه متى يشاء!!.. لم يناشد عربا ولم يتطلع لقمم ولاجتماعات وليتهم يرحمونا منها لأن الميدان حياة أخرى ولأنهم يعيشون في برزخ لا يرتقى لمعنى الحياة/الموت.. إنها الحرب ببشاعتها تقصم ظهرنا وتلقينا على وجهنا دون إنذار ولكنها تعلمنا ونعلم أطفالنا أننا ننهض من تحت الركام..
كان أبي كثيرا ما يقص علينا  حكايا الهجرة في الـ48 وذلك القيزان الذي تلقيه الطائرات محملة بالمتفجرات.. الآن أصبحت أحكي لأبي ما تلقيه الطائرات وهو شاهدا في مكانه على كل هذا الموت، وولدي أيضا يحدثوني عن حربين في عمرهم الذي لم يتجاوز السبعة أعوام فيقول أحدهم:
-    إحنا عارفين.. احنا فاهمين اليهود بدهم يموتوا كل الأولاد الصغار؟؟!! كلهم ..إحنا عارفين يا ماما.!
نحن يا سادة لم تعد تستهوينا الحياة، ولم نعد نعرف طعما للنوم، لم نعد نفهم لغة الموت النازف في وجوه أطفالنا، لم نعد نعد الطعام أو نصنع الخبر، أو نجلس أمام بيتنا بحثا عن الشمس..!! نحن يا سادة لازلنا نعيش بين حربين وفيهما كبرنا وهرمنا وفاقت سنوات أعمارنا المئة عام، نحاول أن نكلمكم وعيوننا في المقابر تودع الأحبة، نهاتفكم ونقول لكم:
نحن بخير نحن بخير كيف أنتم؟ نخاطب بعضنا مهنئين بالسلامة ولمن رحلوا لم يرحمونا وتركوا ثقبا في القلب.. هذه السموات ذاتها كانت في الحربين تمطرنا ويلا وألما وخوفا، صافية كانت زرقاء أو سوداء لا نرى منها إلا غربان ناعقة تشيع في بيوتنا الموت وتغادر، تأتي وترجع كر وفر ليل مع نهار.. كأن زلزالا قد أصاب رؤوسنا من شدة القصف والانفجارات حتى ليظن كل قاطني غزة أنهم موتى بعد حين.. يتحسسون وجوه بعضهم كي يوقنوا أنهم أحياء.. يطلون من أي نافذة حتى لو كانت مطرزة بالرصاصات أو التهتك، فقد غدت البيوت كأجساد أهل غزة تتهتك وتطل حزينة مسربلة بدماء أصحابها..
 لو أن حوارا بين السماء والأرض كان في غزة اليوم لاحتضنت السماء الأرض وبكت لأجل من يعيش بينهما!! شهدت حوارا بينهما حين غطت الطائرات وجه السماء وغطى أهل غزة الأرض بأجسادهم ليحموها.. فهي جزء من فلسطين وطنهم.. لو أن حوارا بين الشهداء بعد رحيلهم وبين الشهداء الأحياء دار الآن.. لذابت أفئدتكم وجعا ولكنهم رحماء بكم جميعا.. واختاروا الرحيل فجأة ودون كلمة وداع.. ولم يجدوا وقتا ليلملموا قطع أجسادهم المبعثرة والممتزجة بالقهر على الاحتلال..
ما بين حربين خربت قلوبنا وهرمت أجسادنا ونبتت زهرة الحياة مرة أخرى في تاريخ أطفالنا المحفور بالدم.. وأدركنا أن حريتنا في حياتنا/موتنا لذا فلتحيا فلسطين ولتحيا القدس ولتحيا غزة وأطفال غزة ولتحيا المقاومة الفلسطينية موحدة وأصيلة، فما بين حربين وأكثر نلمس حريتنا ووحدتنا.