رغم ترسانة الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان ونصوص تشريعات العمل التي تحظر التمييز الاقتصادي ضد المرأة، إلا أنه لا زالت هناك فجوة واسعة ما بين النصوص القانونية من جانب  والترجمة العملية لهذه النصوص من جانب آخر، فغالبية الدراسات والأبحاث والتقارير تشير إلى استمرار استغلال المرأة  في سوق العمل.
فقد كشفت دراسة حديثة لمركز شؤون المرأة- برنامج الأبحاث والمعلومات عن حجم الانتهاكات التي يتعرضن لها، إذ تتعرض 10.3% منهن للعنف في محيط عملهن وتراوح ما بين العنف الاقتصادي والجسدي، كما يتم استغلال العاملات برواتب زهيدة تكاد لا تتجاوز الحد الأدنى لهن فقد تراوح متوسط الأجر النقدي لهن ما بين 200 إلى 1500 شيكل بمتوسط حسابي بلغ 493 شيكل، هذا ولا تملك 60% منهن أي عقود عمل مكتوبة ويعتمدن على التعاقد الشفهي فقط مع أصحاب العمل.
كما وتعددت أسباب العمل التي دفعتهن للعمل ما بين توفير احتياجاتهن الخاصة بنسبة 28%، و25% يعملن للمساهمة في دخل أسرهن، و22% لجأن لهذا العمل لعدم وجود فرص بديلة، الأمر الذي يجعلنا نتفهم ما ورد في نتائج الدراسة بزيادة عدد الجامعيات اللواتي يعملن في رياض الأطفال حيث بلغت نسبتهن 69%، بينما 23.5% لديهن مؤهل ثانوي.         
إن إهمال حقوق العاملات في دور الحضانة ورياض الأطفال وانتهاك حقوقهن إنما يعني إهمال الطفولة في مرحلة الطفولة المبكرة وانتهاك حقهن هو في ذات الوقت انتهاك لحقوق الأجيال الجديدة، ويشكل دائرة لا تنتهي من التجاوزات والتهميش.
ويقول المحامي والباحث القانوني كارم نشوان الذي أعد هذه الدراسة لمركز شؤون المرأة:" هنالك مجموعة من الأسباب تجعل استغلال المرأة الفلسطينية في سوق العمل أشد وأعنف من المجتمعات الأخرى، ولعل أبرز هذه العوامل: ارتفاع معدلات البطالة والفقر، حداثة تجربة السلطة، غياب سيادة القانون، انتشار ثقافة التمييز ضد المرأة في المجتمع الفلسطيني بوجه عام وفي سوق العمل بوجه خاص."
مضيفا: "وإذا كان الاستغلال الاقتصادي سمة تلاحق المرأة  في المجتمع الفلسطيني بصرف النظر عن نوعية القطاع الاقتصادي الذي تعمل به، إلا أن المرأة العاملة في رياض الأطفال ودور الحضانة هي الأكثر عرضة للاستغلال الفاحش."
ومن المعلوم أن العاملات في دور الحضانة ورياض الأطفال يقدمن أسمى رسالة تربوية وتعليمية واجتماعية للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة " مرحلة التعليم ما قبل المدرسة" . فالأطفال بوجه عام وفي هذه المرحلة العمرية بوجه خاص، بحاجة للرعاية والتنشئة والتربية التي تحقق مصلحتهم الفضلى وفقاً لنصوص اتفاقية حقوق الطفل وقانون الطفل الفلسطيني، لاسيما وأن مستقبل الأطفال مرهون بهذه المرحلة العمرية.
نتائج الدرا سة:
ومن أهم النتائج التي خرجت بها هذه الدراسة النوعية التالي:
-    عدم توافر معلومات كمية ونوعية دقيقة وشاملة ووافية سواء لدى المؤسسة الرسمية أو المجتمع المدني حول دور الحضانة ورياض الأطفال والعاملات بها ، هذا عدا عن التعارض الواضح حول المعلومات المتوفرة لدى الوزارات المُختصة.
-    كما توصلت الدراسة لوجود العديد من دور الحضانة ورياض الأطفال غير المُرخصة، دون اتخاذ إجراءات صارمة بحقها من الوزارات المُختصة.
-     وأظهرت الدراسة الدور الهامشي للسلطة الوطنية في تقديم خدمة التعليم ما قبل المدرسة، حيث يتولى القطاعان الخاص والأهلي مهمة تقديم هذه الخدمة. وفيما يتعلق بحق العاملات، أبرزت الدراسة كافة أنواع الانتهاكات التي يتعرضن لها، خاصة في ظل ضعف دور نقابة العاملات في دور الحضانة ورياض الأطفال في النضال المطلبي، وضعف دورمفتشي العمل الرقابي.
-    تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية الاختصاص في منح التراخيص لدور الحضانة والرقابة والإشراف عليها، فيما وزارة التربية والتعليم تختص في منح التراخيص لرياض الأطفال والرقابة والإشراف عليها.
-    تقدم دور الحضانة خدماتها للأطفال في الفئة العمرية ما دون 4 سنوات، أما رياض الأطفال تستهدف الأطفال في الفئة العمرية من 4- 6 سنوات.
-    يبلغ عدد دور الحضانة المرخصة بقطاع غزه (85) حضانة ، منها (31) تزاول أعمالها، و(54) متوقفة عن العمل لأسباب خاصة بأصحابها، وتتوزع دور الحضانة المرخصة العاملة على محافظات قطاع غزة على النحو التالي: الشمال (2) حضانة، غزه (24) حضانة ، الوسطى (3) حضانة ، خانيونس (2) حضانة.
-     لايوجد رقم مُحدد ودقيق جول عدد دور الحضانة غير المُرخصة، وتمكنت وزارة الشؤون الاجتماعية من حصر قرابة (50) حضانة غير مُرخصة. وحسب المعلومات المقدمة من وزارة الشؤون الاجتماعية  يصبح العدد الإجمالي لدور الحضانة العاملة في قطاع غزه (81) حضانة ، منها (31) مرخصة و ما يزيد على (50)  حضانة غير مرخصة. وعليه تبلغ  نسبة دور الحضانة المرخصة (38,3)% فقط من اجمالى عدد دور الحضانة العاملة، فيما دور الحضانة غير المُرخصة تبلغ نسبتها (61,7)% من إجمالي دور الحضانة العاملة في قطاع غزة.
-    يبلغ عدد العاملات في دور الحضانة المُرخصة فقط (193) مُربية ، ولا يوجد أية معلومات عن عدد العاملات في دور الحضانة غير المُرخصة.
-    عدد رياض الأطفال المُرخصة بلغ (353) روضة وفقاً للتقرير الرسمي لوزارة التربية والتعليم، ويستفيد منها قرابة (34000) طفل، ولا يوجد معلومات دقيقة لدى الوزارة عن عدد الرياض غير المُرخصة، أما عدد الرياض وفقاً لبيانات وزارة العمل فيبلغ (299) روضة، ما يدلل على تعارض المعلومات لدى الوزارات المختصة.
-    لا يوجد لدى الوزارات المُختصة معلومات دقيقة وموثقة وموحدة ومنشورة عن عدد العاملات في دور الحضانة و رياض فوفقاً لوزارة التربية والتعليم يوجد بقطاع غزه (353) روضة يعمل بها(1615) مُعلمة منهن (353) مُديرة، وحسب معلومات وزارة العمل فان عدد الرياض (299) روضة، وعدد العاملات في دور الحضانة ورياض الأطفال أكثر(2334).
-     95,7% من خدمات دور الحضانة يقدمها القطاع الأهلي والقطاع الخاص ، فيما السلطة لها (4) دور حضانة حكومية  فقط من أصل ال (81) حضانة العاملة ، وبذا تصبح نسبة مساهمة الحكومة في تقديم خدمة دور الحضانة (4,93)% فقط.
-    قرابة 100% من خدمات رياض الأطفال يقدمها القطاع الخاص والقطاع الأهلي، فلا يوجد سوى روضتان حكوميتان من أصل353 روضة.
-    55,9% حصلن على تدريب قبل العمل، فيما44,1% منهن لم يحصلن على تدريب، علماً بأن الحصول على تدريب سابق للعمل من الشروط القانونية للحصول على الوظيفة.
-    50% حصلن على تدريب أثناء العمل، و48,5% منهن لم يحصلن على تدريب. ومعظم التدريبات خلت من مواضيع هامة كحقوق الطفل وحقوق العاملات. كما أن التدريبات قدمت لهن من الوزارات المختصة ومؤسسات المجتمع المدني.
-    60,3% من العاملات ذهبن للعمل في هذا المجال بسبب قراراتهن الذاتية، و 12.8% ذهبن بسبب قرار من الزوج، فيما  10,3%  بسبب قرار الام و الاب معا.
-    94.1% اسرهن راضين عن العمل و 4.4% اسرهن غير راضين و تعددت اسباب عدم الرضا ما بين تدني اجر العمل وعدم الرضا عن طبيعة العمل وسوء المعاملة.
-    7,4% لا يعملن بمهام واضحة و محددة ومن أكثر المهام الاضافية تكرارا كانت العمل ساعات اضافية والمشاركة في المخيمات الصيفية والدورات والتدريس في الروضة بالنسبة للعاملات في الحضانة والاهتمام بالأطفال في الحضانة بالنسبة للمعلمات في الروضة.
-    16,2 يعملن بساعات إضافية و 38,2% من العاملات بساعات عمل إضافية لا يحصلن على أجر بدل العمل اضافي، والتي حددها القانون بأجرة ساعة ونصف من أجرة ساعات العمل الإلزامية،  وتتراوح الساعات الاضافية للعمل ما بين 1,5 الى 3 ساعات.
-    58,8% لا يحصلن على بدل للمواصلات، 55.8% لا يحصلن على علاوات و89.72% لا يحصلن على بدلات و54.4% لا يحصلن على حوافز تشجيعية.
-    42,6% لا يحصلن على إجازات سنوية مدفوعة الأجر، و 35,3% لا يحصلن على إجازات سنوية ، و(63,2)من اللواتي يحصلن على إجازات سنوية تكون بدون أجر، و(7,4)% لا يحصلن على إجازة الاعياد مدفوعة الأجر، و(51)% لا يحصلن على إجازة أمومة مدفوعة الأجر.
-    76,5% أكدن على عدم قيام صاحب العمل بالتأمين عليهن ضد إصابات العمل، و(8,8)% لا علم لهن إذا كان صاحب العمل قد أمن عليهن ضد أصابات العمل.
-    7,5%تعرضن لإصابات عمل، ترتب على هذه الاصابات 5,9% حالات عجز مؤقت عن العمل و 20,6 لم يتكفل  صاحب العمل بعلاجهن أو تعويضهن، و 27,9% لم يتم تعويضهن عن إصاباتهن من صاحب العمل او من شركات التأمين.
-    58,8% لم يُعرض عليهن العضوية في نقابة العاملات في دور الحضانة ورياض الأطفال، و38,9 لا يتم إشراكهن في نشاطات النقابة.
-    47,1% أفدن بعدم قيام مفتش العمل بأية زيارات لأماكن العمل أو لا يعرفن بزيارته. و الرقابة التي يقوم بها مفتش العمل، ورغم أهمية القضايا محل الاستفسار، الا أنها لاتتطرق لحقوق العاملات الهامة من نوع (عقد العمل -الأجر- الاجازات) .
-    95,6% من العاملات لم يتوجهن بالشكاوى لمفتش العمل على ما يواجهنه من انتهاكات في أماكن العمل.
-    نسبة العضوات في النقابة بلغت (26,5)% فقط من اجمالي العاملات، و ما يقارب (40)% من العاملات لا يتم إشراكهن في أنشطة النقابة، فيما بلغت نسبة الأنشطة والفعاليات المطلبية للنقابة (7,1)% فقط. وترى 60,3% من العاملات أن النقابة لم تحقق لهن أية إنجازات.
توصيات الدراسة:
      وتوصلت الدراسة لمجموعة من التوصيات الهادفة إلى تحسين شروط وظروف العاملات في خدمة دور
      الحضانة ورياض الأطفال، ومن أهمها:
-    إدماج مرحلة التعليم ما قبل الدرسة "رياض الأطفال" في إطار التعليم الإلزامي، وإلتزم السلطة بتوفيره بشكل مجاني اسوة بالتعليم الأساسي.
-    فتح حوار مع وكالة الغوث الدولية لتوفير خدمة رياض الأطفال في مخيمات اللاجئين بقطاع غزه.
-    كما أوصت بإجراء دراسة مسحية شاملة لدور الحضانة ورياض الأطفال والعاملات بها.
-    مطالبة وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم بإصدار كُتب احصائية سنوية من وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم حول دور الحضانة ورياض الأطفال والعاملات بها، والإسراع في وضع حد لظاهرة دور الحضانة ورياض الأطفال غير المرخصة.
-     تنظيم حملة ضغط  لحمل وزير العمل على القيام بالتزامه القانوني بتحديد الحد الأدنى للأجور، هذاعدا عن تفعيل دور مفتشي العمل في الرقابة الدورية والمُنظمة على دور الحضانة ورياض الأطفال، وتطبيق الإجراءت العقابية ضد منتهكي أحكام قانون العمل، وخاصة الفصل الخاص بتشغيل النساء.
حدود الدراسة:
1-الحدود الجغرافية: قطاع غزة.
2-الحدود الزمنية: طبقت هذه الدراسة في شهر حزيران/ يونيو 2012
3-الحدود البشرية: عينة ممثلة للعاملات في رياض الأطفال ودور الحضانة بكافة محافظات قطاع غزة.
منهج الدراسة:
تحقيقاً لنتائج الدراسة، استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي من خلال وصف واقع العاملات في رياض الأطفال ودور الحضانة وتناوله بالتحليل، وكذلك  الاستعانة بالمنهج المقارن، عبر مقارنة التنظيم القانوني لرياض الأطفال ودور الحضانة بقطاع غزه مع التنظيم القانوني المقارن في الدول العربية.
أدوات الدراسة:
تم توزيع استبانه تطبق على عينة عشوائية طبقية ممثلة لرياض الأطفال ودور الحضانة، وأخذت العينة على (15)% من عدد رياض الأطفال و(25)% من عدد دور الحضانة. كما تم إجراء عدد من المقابلات مع مجلس ادارة العاملات في رياض الأطفال ودور الحضانة، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة العمل، ووزارة الشؤون الاجتماعية.
ولاتزال الحقيقية الأبرز والتي تؤكدها الدراسة استمرار الاستغلال الفاحش ضد العاملات في دور الحضانة ورياض بقطاع غزه، وغياب حملات ضغط منظمة ومتواصلة تهدف الى إجراء تحسينات جذرية على ظروف وشروط عملهن، وفي سياق استعراض الباحث القانوني والمحاومي كارم نشوان الذي أعد الدراسة لصالح مركز شؤون المرأة فقد لفت أن ظاهرة الاستغلال الاقتصادي للمرأة في أماكن العمل من الظواهر العالمية الدالة على التمييز الجنسي ضدها من ناحية، والنظرة والممارسة الدونية من ناحية أخرى، ومن أبرز الدلالات على ذلك، عدم المساواة بينها وبين الرجل في الأجر، والتمييز السلبي ضدها في المعاملة وشروط وظروف العمل.
ويأمل مركز شؤون المرأة عبر برنامج الأبحاث أن تساهم هذه الدراسة في تنظيم العمل وحملات الضغط وتكاثف كل جهود كل المؤسسات لتحسين هذا الواقع لأنه سينعكس على المجتمع الفلسطيني بأكمله.