صلاح بن عياد هو من أولئك الشعراء الميّالين على ما يبدو للخفوت، إذ لا ظهور له إلا من خلال كتابين الأول "المشرب الجامعي" تونس 2004 "وبراق أيها العنف الكامن في السواد" بيروت 2009، لكننا سنراه دائم الحضور من خلال صحيفة القدس العربي أومجلة الغاوون اللبنانية وحيث نشر مجموعته الثانية، وتواجده على هذه الصحف هولأجل مقالات متعلقة بشؤون الشعر خصوصا الأدب عموما العمل الثقافي في أعمه. هذا وقد تحصل على عدة جوائز محلية مثل جوائز أولي في ملتقى "أكودة" لقصيدة النثر،جوائز أولى على غرار الملتقى السنوي للشعر الطلابي بالمركز الثقافي الجامعي حسين  بوزيّان وجائزة ثانية بملتقى ربيع الفنون بالقيروان إلى جانب جائزة ناجي نعمان اللبنانية وقد ظهر له كتاب جماعي على إثرها سنة 2007. على كل ذلك يغيب هذا الشاعر أو يكاد من المشهد التونسي لأسباب ستأتي في معرض حديثنا.عند الحصول على مجموعته "براق أيها العنف الكامن في السواد" وبعد تفحّصه أردنا إثارة ملاحظة تتعلق بالعنونة في فاتحة حديثنا التي جعلتنا ننتقل من واقع إلى آخر وكلها مجتمعة في نقطة ذلك العنف الضيق الذي خرج من عمق الذات ليبني ثورة في كيان القصيدة,لتتبلور في النهاية في تجارب الانسان من ألم وفرح وعنف يشتته ويجمعه لتحقيق الهدف بل هي ثورة ما على الأرض أيضا وليس في القصيدة فحسب، أنا من أولئك المواطنين التونسيين الحاملين لذاك العنف المتولّد ممّا تعيشه يوميا وهنا في دورة الحياةالاجتماعية والأسرية ـ حتّى ـ فالسياسيّة بالضرورة. كنّا ولا أستنثني سوى المتمعشين من النظام السابق نحمل ثورة صغيرة أو فورة دائرة بالصدر الذي ضاق بسرّ نفسه أيام جانفي الأولى وبلغ ذروته وفاض على الصمت الذي حكم الجميع لسنين.
 لكن هذا العنف كان دائم البريق في سيطرة الظلم والظلمة وما إن بزغت شمس الحوض المنجمي 2008 حتى بدأت شمسه تطلع فسطعت كبد السماء على إثر نار البوعزيزي التي تصاعدت فجأة.
برّاق إذن هو في السّواد ذاك العنف. أما على مستوى القصيدة، فإن المشهد العربيّ عموما والتونسي خصوصا هو مشهد هرّب إلى قضايا مفتعلة في أحيان كثيرة منها وأذكر مثال العراك الجاري اليوم بين شعراء قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة مع تدخل من حين لآخر لأهل القصيدة العموديّة، هل كان لا بد من هذا؟ لقد جلبنا كل هذه القضايا من أوروبا واكتفينا بجلب المشكل ولم نقو على جلب الحلّ من نفس المكان الذي يعود إلى أوائل القرن العشرين. مع أنني أكتب قصيدة التفعيلة أوالعمودية إن شئت إلا أني وبالإطلاع على تجارب مثل محمد الماغوط ورواد مجلة شعر كأدونيس و أنسي  الحاج وغيرهما وما صدر من بيانات شعريّة في هذا الخضمّ كان لابدّ من أن يكون لي خيار فاخترت أن أرتمي بين ذراعي الحداثة بلا شكّ لأنه يصعب عليّ أن أعيشعلى كان وأخواتها. أضف إلى ذلك أن دراستي للغة والآداب الفرنسية قد أطلعتني على تلك التجارب الثائرة البراقة من ذلك بودلير ورامبو وخاصة الشاعر الذي قلب كياني برمّته "فرنسيس بونج" (1899 - 1988) الذي يقول صراحة أن "فنّان النثر من يصنع القصيدة شكلا ومضمونا" وقد هذه الكلمة شعاري المرفوع في الثورات الشعرية إن كان هناك من ثورات.
" وكالة أخبار المرأة " أجرت مع الشاعر التونسي صلاح بن عياد الحوار التالي :
* بدأت ديوانك الشعري بأسطورة بجماليون ووجدناك شاعرا ينحت النعوت بإيفروديت آلهة الحب فلماذا اخترت هذه الإنطلاقة الأسطورية ,هل هو  هروب من الواقع أم نحتله بطريقة أخرى؟
 - قد أعتبر أن الأسطورة نزوة شعريّة أحتاجها وتأسرني، بيجماليون هو ذاك النحات المحظوظ الذي تحققت نزواته دفعة واحدة بعد طول عذاب إن صحت العبارة. هذاإضافة إلى أن طاقة حبّه هائلة بما أنها تمكنت من بث الحياة في منحوتة من المرمر. لا أكف عن تخيل هذا المشهد. ما هو إحساسه وهو ينحتها؟ وكيف صار عندما تحركت؟  كتاب" براق أيها العنف الكامن في السواد" يحمل عنوانا فرعيّا وقد أحببت أن يكون رئيسيّا وهو "ارتعاشات النحات" لكن مدير دار النشر ألح على أن يكون العنوان الحالي عنوانها، فوافقت فقط لأني أردت أن أترك المجال للآخر الخارج عن ذاتيّتي أن يتدخل ولو في تفصيلة صغيرة. مع أن الكتاب قام على الارتعاش: سيرتعش النحات خاصة ما إن ينهي منحوتته. سيرتعش وهو يشكل تفاصيلها أيضا، سيرتعش أمام وجهها وهو نصف مكتمل ثم مكتمل. سيرتعش في كلّ شيء. كتبت أيضا على الطين الذي هو "زائد عن اللزوم" الذي يحفر ويرمى من أجل الوقوع على ما يرضي النزوة النحتية.
* أية نافذة انطلقت منها رؤاك لتشكيل منحوتتك وأية فكرة قبضتها لتنحتها في ديوانك؟
- سيتنزل الكتاب المذكور فيما قد نسميه "بويتيك" poîétique والمصطلح لروني باسرون الذي حضرت محاضراته في جامعات تونس حول تاريخ الفن وهي الكلمة التي تعني فيما تعنيه مسايرة الأثر الفني وهو بصدد التشكّل. لقد قمت بتلك المنحوتة حقا، في  إطار ما قد نسمّيه التجريب. فهو إذن قصة المنحوتة، أنحتها في اللغة كما في الحقيقة وأنقل نقلا مباشرا لإحساسي الملوّن بالحكايات والأساطير والثقافات
والعنف. مارست عنفي على الطين. الطين المادة الطيعة التي تستجيب لنواياك. حملتها ـ كما بيجماليون ـ نزواتي وحملتها كما لم يفعل بيجماليون الرّؤوف عنفي وعقدي ربّما. الأسئلة العصريّة القاسية. طبعا أنا أنتمي إلى حقل دلالي وأسطوري عربي إسلامي ولنا  تيمة خلقنا لذلك يمتد الكتاب على سبعة أيام وهي عناوين القصائد المدرجة، تنتهي عكس ـ بيجماليون ـ بالخيبة إذ لم تحيى منحوتتي بل ظلت صمّاء ساكنة بلا حركة تذكر وهو اعتباط ما فعلت. ربما سيكون الكتاب الذي نشر ما ربحته في كل الحكاية المعقدة هذه.
* لقد تجسدت لديك الفكرة المنحوتة في ضمير "الأنت "فمن هي "الوطن ,الام, الحبيبية ,الحرية "؟ ولماذ شكلتها من فعل الدوار الذي قلت عنه "الدوار على يدي تغزل أيها التمثال, أغيب وتتكونين"فهل اللاوعي يشكل الكائن الذي نريده أنيكون؟
- هي كل هذا وأشياء أخرى. هي الأم، الوطن، الحرية، الحبيبة وكل ما أشتهي. هي
 أيضا ما لا أشتهي. قد أكون تمنيت أن تكون تلك المنحوتة حقيقية بمعنى ما أي أنها لم تحدث في الشعر وإنما في الحياة. أما بالنسبة للدّوار، فأنا دائما ما أعتبره المؤسس الحقيقي للأساطير ولكل تلك النصوص والأناشيد التي تصلنا من الحقب القديمة. يلجأ "الشامان" الاسترالي يلتجئون إلى ذاك الدخان المخدر حتى ينتجوا  نصوصهم الهذيانيّة إن صحت العبارة. تدور وتدور الطرق الصوفية حول ذاتها لينتج واحد مثل جلال الدين الرومي تلك النصوص الحكمية التي غزت العالم ، تدور الأرض نهاية لتنتج  نصها الأعظم الذي هو "الحياة". أنا لا أستهين باللاوعي يا صديقتي ليس لأنه أصلالأشياء فقط بل لأن مكمن الطاقة الحقيقية. وهو المكون المظلوم جدا في ثقافتنا الشرقية. نحن نجرّم ظهوره وتعبيراته على عظمتها. الشعراء بدورهم ظلموه إلى حد مذهل. أ وليس هو ما يسمّونه "الوحي" أو شيطان الشعر لا بل أكاد أن أجزم أن الشعر أبن اللاوعي الذي يخضع إلى الوعي في نهاية المطاف عبر إعادة القراءة وعبر الخضوع إلى كلّ ما هو تقني وشكلي وحضور ما يسمى النقد الذاتي إلى غيره.
* من خلال ديوانك الذي قسمته إلى 7 أيام وجدنا المرأة في بعض الأحيان ترمز إلى كل شيء وفي بعض آخر لا ترمز إلى أي شيء فما هي الجدلية التي تنطلق منها لتجعلها في النهاية هي الكل والجزء الذي لا ينفصل عن أي شيء من عبثية وإدراك للوجود؟
- دعيني أنطلق منها كأنثى تختزل كل شيء. هي الجانب الحنون في المكان والزمان. هي آلهة لازالت تدير شؤوننا النفسية الحميمة. أما المرأة فهي الكائن الذي لا نكف عن اللجوء إليه والثورة عليه أيضا. هي ـ المسكينة ـ ملاذنا ومنطلقنا وقد يحدث كثيرا أن ننساه بين ذاك وذاك في منطق ذكوريّ ميال إلى الهيمنة. من المرأة يأتي نصّي. وهذا الكتاب منطلق منها وهي فكرة ليعود إليها
 وهي حقيقة لم أستطع الحصول عليها رغم محاولاتي. المرأة هي أيضا ما أتانا في الأخبار والأشعار والتّاريخ، الكائن ـ القبس الذي كم أضاء نبوة الشاعر. فربّة  الوحي أنثى، لا وجود لربّ وحي.  والقريحة أنثى لا وجود لـ"قريح" هناك "القرح" عافاك الله إن كان مذكّرا. الحياة، الأرض، الحرية إلخ..كلها أناث تعمر وعينا ولا وعينا وتعمّر الباصرة أيضا.
* تحدثت عن الأمم الصغيرة فوجدناها تمارس أنواعا متعددة من العبادات لتجاوز  الآلام فهل أردت إنقاذ انقراضها في منحوتتك وأين الأمم الكبيرة؟
- لا تحتاجني الأمم الكبيرة فهي تنال كل ما ترغب فيه من اهتمام وشعر. تغلب على ثقافتنا العربية ثقافة الاعتناء بالكبير، الواضح، الصارخ، المشهور بينما يبيت الصغير والهامشي في العراء وفي الهامش. أحب الهامش لأنني أعثر فيه على ضالتي. لا أحبذ عبارات مثل "الشاعر الكبير"، "أمير الشعراء" "الشاعر الأول" "الشاعر القدير" فكأن كلمة "شاعر" هينة وبلا قيمة في هذه الحالة. لا نجد ترجمة واحدة
 لما يطلق على الشعراء العرب من نعوت. ما دخل "أمير" الكلمة السياسية في "الشاعر" الكلمة الشفافة والأكثر عمقا؟. هل يحتاج الثقافي إلى السياسيّ حتى يكون؟. سأعتبر أن ذلك الأمر ما سهل الطريق لانتصاب الديكتاتوريات العاتية في تونس وفي كل الأقطار العربيّة. هل نعثر في الفرنسية على مثل "أمير الشعراء"؟ ستبدو الكلمة مثيرة للضحكالأمم الصغيرة هي تلك الأشياء الصغيرة المنسية التي نمر بها غير عابئين. هي القضايا الصغيرة أيضا التي ننساها في زحمة الأشياء الكبيرة. هي العرقيات الممحوة من تقاسيم العالم. القصيدة هذه "الأمم الصغيرة بين يديّ" كتبتها عن الهنود الحمر الذين أعشق منهم رؤيتهم للحياة والتصاقهم بالأرض أصل كل الأشياء.
لقد ابتعدت الأمم الكبيرة عن الأرض. بل أصبحت "ضدّ ـ أرض" وهو أمر لا يحتاج إلى تفسير، تكفي قراءة مجلة بيئية تتحدث عمّا صنعت تلك الأمم الكبيرة بالأرض في الخمسين سنة المنقضية وما فعلته أيضا بتلك الأمم الصغيرة. هناك وجود لمثل تلك المكونات العرقي الصغيرة مثل البرابرة الذي لا أحد يلتفت إليهم، ولا مثقف واحد يعرف تمام المعرفة لغتهم أو عاداتهم. واحد مثل لوكليزيو المتحصل على جائزة نوبل للآداب عثر على كل رواياته بين تلك الأمم. كلود لفيس تراوس أيضا تاه في تلك الأم ليؤسّس كلّ رؤاه الانتروبولجية. أما في تونس لا أحد له الهلم الكافي على وجود تلك المكونات الصغيرة: الأقليات البربرية، الأقليات الشيعيّة. لقد أرادت الأنظمة المتعاقبة أن تطمس تنوعنا. أرادت أن تبسّطنا بغية السيطرة. أرادت إفراغنا من رموزنا. فحولتنا إلى نسخ مطابقة للأصل في بلديّاتهم المتبلّدة.
* اكتمال عملك الفني استغرق منك 7 ايام ,والكون كما نعلم اكتمل في 7أيام فما الدلالة الرمزية في اختيارك لهذا الرقم؟
- هذا غير خفي كما فسرت سابقا، لقد كان عليّ أن أتحرّك في شخصي، في حضارتي، في أسطورتي. وهو رد اعتبار للرقم سبعة الذي تاه طوال ثلاثة وعشرين سنة وأصبح غولا يفترس كل الرموز وكل الأعماق. هل تسمحين باعطائك مثالا ضارخا؟. ماذا تعني كلمة مكتبة في تونس في ترجمتها الفرنسية في الذهنية العامة أي "بيبليوتاك"
 bibliothèque أ لا تعني للصبيّة التي تستعد للزواج تلك الخزانة التي توضع  فيها الكوؤس والصحون والتلفاز وبعض المجلدات التي لن تفتح في أحسن الأحوال؟. ألم تكن مكتبة بن علي التي تغطي الكنز الشهير ما يسمى "المكتبة المزبفة "fausse bibliothèque؟ من جنى على هذه الكلمة؟. سأترك الإجابة لغيري.
* إن ازدواجية الحلم والواقع وجدناها متنقلة من قصيدة إلى أخرى ومن سطر شعري إلى آخر فأي حلم رسمته مخيلتك وأي واقع تريد نقله لوطنك؟
نعم أنا بين الحلم والواقع. أحتمي بذاك من ذاك. وألتجئ إلى ذاك في تعنت ذاك.  الوطن حقيقة وواقع عليها أن يضمن حريّة الخيال والإبداع وحرية الذهاب بعيدا. أن "تتعلق همة المرء بما وراء العرش" لا أحد يمكنه أن يمنع هذه الهمة. الوطن أيضا  مكون شعريّ هام. وعليه أن يكون أهلا لذلك أي أن يخلو من الوحوش التي تفترس الشعريّة سأعتبر أن الشعر بدوره مطالب بإسقاط النظام الشعري القائم الذي هوإفراز للروح الدكتاتورية. الرّوح التي لا تزال هنا في عائلتي إن شئت. الشعر أراد دائما أن يسقط النظام بما هو لغة ومعنى وشكل وفهم وأراد أن يسقط الأنظمة السياسية أيضا، فما  هجاء المتنبي وغيره للملوك والأمراء إلا دليلا على هذه الثورة. الشاعر حمال دائم للثورة إلا طبعا ما قد يسمّى "الشاعر البوق" الذي لا يزال هنا في انطولوجيّات الشعراء التونسيين. شكا الشعر التونسي دائما من السقف. فأبوالقاسمألشابي مثلا كان دائما سقفا للشعراء التونسيين فمهما كنت لا يمكن تجاوزه. ذلك لأن السلطة سرقت منا ـ نحن الشعب التونسي ـ شاعرنا القريب وحولته إلى مؤسسة لإزهاق روح أي محاولة شعرية جادة. هذا المنطق منتشر في تونس وغيرها من الوطن العربي، فكأن على الشاعر أن يكون واحدا أحد كالرئيس الواحد وكالحزب الواحد.نعم الشعر يريد إسقاط النظام وأي نظام؟! وهي قصيدة نشرت لي مؤخرا في القدس العربي ضمن سلسلة من القصائد التي نشرت لي في نفس المنبر تحت عنوان "سيرة شاعر صارخ في المظاهرة".