في اللحظة التاريخية التي أقر فيها القانون تبني "الكوتا" لضمان مشاركة المرأة في عضوية المجالس البلدية والقروية، كانت المشاركة النسوية تنتقل من زاويتها الحادة إلى زاوية منفرجة الأضلاع. ولكن، نخطئ إن اعتبرنا أنها مبتدأ الحل، لأنها لم تكن خبراً تلقائياً أو معطىً مسلماً به بشكل كامل، وهذا ما تؤكده "على الأقل" التحضيرات الجارية على قدم وساق للإعداد للانتخابات المحلية، وتحديداً على صعيد فرز العضوات إلى القوائم، والتي تشير أولياً إلى أن التقدم على صعيد تغيير صورة المرأة محدود وغير شامل لجميع المناطق.
تمثل الانتخابات الحالية فرصة سانحة لفحص واختبار سريع للأثر الذي أحدثه استخدام "الكوتا" في الانتخابات المحلية السابقة، حيث تمكّنت أكثر من خمسمائة امرأة من الحصول على عضوية المجالس البلدية والقروية. الفحص الحالي الذي أملكه الآن جُمع من خلال الروايات الشفوية للمرشحات عن الطريقة التي عوملن فيها أو فيما يخص عضويتهن في المجالس، وهي القصص التي يمكن اعتبارها مؤشراً مهماً لاختبار ليس تأثير "الكوتا" فحسب، وإنما كذلك لمدى التأثير المحدث لجملة الأنشطة والبرامج التوعوية التي قامت بها المؤسسات والمراكز النسوية والحقوقية، حول حقوق المرأة ومساواتها ومشاركتها في العمل العام.
الروايات تضعنا أمام شكلين ونموذجين متقابلين تربطهما علاقة، أحدهما يتطور ويتغير والآخر جامد كالصخر. وفي داخل كل نموذج مستويات مختلفة في درجتها ونوعيتها في مجتمع مركّب متعدد القيم والرؤى ولا يملك رؤية موحدة إزاء المرأة. ففي كل المطابخ الانتخابية تحضر الأبعاد العشائرية وغالباً ما تطغى على الموقف الاجتماعي للحزب السياسي.
من هنا، "الكوتا" ليست مصباح علاء الدين الذي يأتي بالحل محققاً الأمنيات والأحلام لإصلاح الظلم التاريخي الواقع على المرأة. فالكوتا وسيلة تمكينية لا تعمل بمفردها بمعزل عن العناصر والعوامل التغييرية الأخرى التي تزيح أيقونات الثقافة التقليدية، لتحل مكانها ثقافة المساواة وحقوق المواطنة.
في الميدان، حيث تطبق الانتخابات وتفحص الأفكار يمكن الحديث بلا حرج عن أشكال التعامل مع عضوية المرأة في المجالس. لقد رفض المجتمع الذكوري في بعض التجمعات المعروفة تضمين أي امرأة في القوائم التي ستنجح بالتزكية، مطالباً الجهات المعنية باستثناء مناطقهم من الالتزام بالقانون وإعفائهم من إدراج المرأة في القوائم، معتقدين أن التوسط سيحقق مطلبهم، دون إقامة وزن للقانون الذي يرفض القائمة ويؤجل الانتخابات لعدم استيفاء القائمة لعدم الإيفاء بأحد الشروط..!
كذلك، وفي المفاوضات الجارية لتشكيل قائمة توافقية في إحدى قرى رام الله، اعتبر المتفاوضون على تشكيل القائمة، أن حصول إحدى القوى على "حسنة" منصب الرئيس، ينبغي أن يقابله "سيئة" حمله العضوتين المفترض إدراجهن بالقائمة..!
في الوجه المقابل، المرأة التي تشكو من تحييدها في الإعداد، وكردة فعل على التعامل سنجد أنفسنا أمام قوائم نسوية مشكلة من بعض الأطر والمؤسسات كما يجري في "فرخة" و"كفر نعمة"، تعبيرا عن الاحتجاج والاعتراض على أساليب تشكيل القوائم وترتيبها.. سنجد أن المرأة حاولت القيام بفعل إيجابي قبل أن تلجأ للإصلاح من خارج الإطار، سنعرف أن النساء في "عصيرة القبلية" قد هددن علناً أن لا يلتزمن بقواعد لعبة الإقصاء، وأنهن حددن موقفهن بـ إما الذهاب إلى تشكيل قائمتهن الخاصة أو الاستنكاف.
وبشكل سريع كذلك، ثبت أن المرأة الناشطة في العمل الاجتماعي غير مرئية، وأنها بحاجة إلى قنديل "ديوجين" ليتمكن الباحثون من رؤيتها. كذلك فإن بعض القائدات في الحزب السياسي يشتكين من استبعادهن عن العملية الجارية، ومن احتكار الرجال للمفاصل الرئيسة لعملية التحضير في جميع مراحلها بما فيها فرز العضوات اللواتي من المفترض فرزهن من قبل أطرهن النسائية.
في الانتخابات تقدم الأحزاب نموذجين متقابلين في التعامل مع حقوق المرأة ومشاركتها السياسية، أحدهما متقدم يتعامل مع حقوق المرأة ومشاركتها الكاملة ليس فقط كأمر محسوم بالقانون، بل كتوجه مبدئي لا يحتاج إلى مبررات. وفي الصورة المقابلة تطأطئ رأسها أمام الواقع العنيد الذي لم ينفع معه البعد القانوني، أو توقيع قيادة القوى السياسية على ميثاق الشرف الخاص بتخصيص مقاعد للمرأة بواقع 30%، وهو الأمر الذي يكشف عن مدى الفجوة المفاهيمية الواسعة بين القيادة والقاعدة في الأحزاب.
أحاديث الانتخابات وقصصها بخصوص المرأة كثيرة، وتصلح كمؤشر على حدود التغيير الذي وقع في السنوات الماضية، الذي يدل على أن الشمس لا تشرق على الجغرافيا بتوازن. فالرأي العام إجمالا يحب أن يرى في المرأة مخزنا للأصوات، ويقاوم تكريس مشاركتها كمرشحة أو صانعة للقرار. إن دور "الكوتا" المهم هو بمثابة طنجرة البخار "البريستو" التي تؤثر في تسريع إنضاج طبخة ما من الخارج، لكنها تظل بحاجة إلى سياسات أكثر عمقاً وثباتاً تسهم في التسليم بدور المرأة وحقوقها لتصبح أحد القيم الموحدة في المجتمع، ولحديث الانتخابات دائماً بقية.