نريد، نتمنى، نحلم، وفي النهاية نحتكم اليه . نفرح، نحزن، نطلق ضحكات ونذرف دموعا… ولا تغير ضحكاتنا أو دموعنا في الحكم شيئا.
هو الفصل هو الحكم،هو القول الأخير الذي يحدد المصير، ويوجه الطريق، فنخضع له رضينا أم كرهنا . هو الحد الفاصل بين كل حلم جميل عانقناه ، فلم يكتب له النهاية السعيدة التي رسمناها؛ لسبب كان أقوى منا صدرعن رب السماء .
النصيب .. كلمة رائعة بعين قلبين عاشقين، صادقين، مخلصين، طيبين، وفيين … جمعتهما الظروف وأطرت علاقتهما ضمن المشروع.
كلمة مؤلمة لاحساس اثنين بنفس الصفات لم يحصلا على نفس النهاية؛ حيث فرقتهما الظروف، وعاشا معا على ذكرى طاهرة، أرادت مشيئة الخالق أن تقف عند هذا الحد، ولا تعرف طريقا غيره .
فالعمر نصيب، والمرض نصيب، والزواج نصيب، والحزن نصيب، ووجود أشخاص بحياتنا نصيب أيضا . وما أمتع الحياة بقرب أشخاص يبادلوننا الصدق في الكلمة، والتعبير، والعاطفة، وحسن المعاملة .
الزمن والعمر نصيب
عاش طوال حياته يتوق لزيارة الى الديار المقدسة، يؤدي من خلالها مناسك الحج، كلما تقدم به العمر اشتدت لهفته أكثر، وتخيل نفسه يطوف بالكعبة المشرفة، ويصلي بالمسجد الحرام، ويقف بعرفات، ويقوم بجميع المناسك..
بين الحلم والواقع قضى عمره، يبادر في كل فرصة لتسجيل اسمه بقرعة الحج، يتعثر حظه مرات متتالية، الى أن ابتسم له النصيب .
حضر نفسه من كل النواحي، جهز الحقائب، وعقد العزم على السفر باتجاه المملكة العربية السعودية، ليحل ضيفا على الرحمن في بيت الله الحرام .
أقلعت الطائرة من المطار في اتجاه مهبط الوحي، وما أن حطت بأرضه حتى أسلم الحاج العاقد النية الروح لبارئها .
طال العمر في اللهفة و الشوق، وقصر عند اقتراب بلوغ المنى ، ولا عجب في ذلك، لأن العمر نصيب ، قد نتمكن فيه من تحقيق جزء من أحلامنا وقد لا نتمكن .
المرض نصيب
يتحدثون عن الوراثة في العديد من الأمراض، ويتعجب الأطباء أنفسهم من حالات مرضية يقفون عاجزين كليا عن فهمها، أوايجاد تفسير لها… يحدث هذا – سيما – حينما يكون المرض في شموليته محدد المعالم، ومعروف الأعراض، ومقدرا بسن أوجنس معين .
هذا هو المرض، ان كان لك نصيب مقدر فيه فلن تفلت من قبضته، ولست في حاجة لسبب بعينه لتأكيده، فلا تعير أحدا بمرضه، ولا تشمت فيه، أوتجرح احساسه بكلمة أوسلوك، واسأل ربك أن يعافيك مما ابتلى به غيرك واصمت .
الزواج نصيب
كثيرون هم الأزواج الذين رغم استقرار حياتهم الأسرية، لازال الحنين يسافر بهم لفترة عشق مضت، أغرموا فيها بفتاة معينة لم يكتب أن تكون من قسمتهم .
كثيرات هن المتزوجات، اللواتي يعتقدن أنهن بدخول قفص الزوجية، قد انتصرن على اللواتي تأخر زواجهن من العازبات . كلما اجتمعن بهن أفرطن في الدلال، وأبدين من السعادة مالم يعرف طريقه الى قلوبهن وبيوتهن .
ينظرن للأخريات نظرة احتقار ومهانة، يتبجحن بعدد الأولاد اللائي أنجبن، ويمنحن لأنفسهن قيمة أبعد بكثير مما يستحقنها، ويرفعنها عمن دونهن عبثا .
هذا الصنف من المتزوجات، تناسين أن الزواج رزق يعجل الله به لمن يشاء، ويؤخره لمن يشاء، ويحرم منه من يشاء لحكمة ربانية هو أعلم بها،  لادخل للاعتبارات المضحكة التي يتداولنها بينهن وبين غيرهن فيه.
في المجتمع، تستوقفنا زيجات يسخرمن حضورها، وأخرى يستغرب لوجودها، وثالثة يستنكر لشيوعها . أما التي يسخر منها ، فنسوق مثالا لها في الطويل الذي يتزوج من قصيرة أو العكس، في الجميل الذي يقترن بذميمة والعكس صحيح، وان كان الجمال في كل الأحوال يظل نسبيا، وفي صغيرة سن تتزوج كهلا، أو كبيرة تزوجت أصغرمنها وان كان بسنوات قليلة .
أما الزيجات التي يستغرب لنجاحها، فتعود غالبا للأسباب التي كانت وراءها، كالانترنيت مثلا أوالهاتف، أولقاء عابر أو ما شابهه .
بينما الزيجات التي يستنكرلها غالبا ماتكون مخالفة للشرع أوللنظام العام، وهنا يثار جدل قوي حول أحقية هذا الزواج في تسميته كذلك من عدمه .
فالحالة الأولى والثانية، توضحان بجلاء دور النصيب في الجمع بين كائنين بشريين متضادين شكلا أوعمرا… ومختلفين عن الآخرين في الوسيلة التي قربتهما من بعضهما أكثر ، واستطاعت بالتالي أن توفق بينهما كشريكين يكملان حياتهما بجانب بعضهما .
ومما يؤسف له في محيطنا الاجتماعي، سماح بعض الأهالي والأسر لبناتهم بمصاحبة الرجال، على اعتبار أن هذه المصاحبة هي السبيل الجالب للنصيب، وان كان الأمر حقق نجاحا لدى بعضهن، فانه تسبب في مآسي كبيرة لم تعالجها السنين لفئة عظيمة منهن .
حان الوقت لأن نوقن بشيء اسمه النصيب في الزواج، ولأن ندع من ليس لهم نصيب فيه بسلام، فنحترم كينونتهم، ونقدر مشاعرهم، ونبتعد عن المعتقدات التقليدية السائدة التي تنم في معظم الأوقات، عن تخبط مجتمعاتنا في الجهل الذي يقود في نهاية المطاف لعواقب غير مرضية .
احساس الحزن نصيب
في الوقت الذي يركض أقرانه أمام عينيه، ويستمتعون بحيويتهم ونشاطهم، وجد نفسه عاجزا جسمانيا عن مشاركتهم أنشطتهم، فعاش أسير حلم يراوده انكسر مع اعاقته الجسدية، التي لم تؤهله لأن يقوم بما يقوم به رفقاؤه.
كان الحزن نصيبه، وان كان يدرك عظمة باقي النعم التي متعه الله بها ماكان ليحزن ، ولطورها واشتغل على ابرازها للوجود، ليرحل عنه الحزن ويقتنص لنفسه نصيبا من الفرح.
وجود أشخاص بحياتنا نصيب
الناس طيبون وخبثاء، وحظ كل فرد منا بحياته من هؤلاء يختلف من واحد لآخر . لاجرم في أن نسمع عن أناس جمعهم النصيب بأشخاص تركوا أثرا سيئا بحياتهم، مثلما لاغرابة في وجود آخرين، نصيبهم كان أوفر في توطيد علاقات انسانية أخوية بمعنى الكلمة مع من وجدوا فيهم الخلق الكريم، والروح الزكية، والمعاملة الحسنة المطلوبة .
فالتعايش في الحالة الأولى يبقى سيد الموقف اذا كانت طاقة المرء تسمح، و التمسك بالأشخاص المتميزين الخيرين في الحالة الثانية رهان جدير كسبه والمحافظة عليه .
النصيب قدر مكتوب، وحصة موزعة مقسومة بين العباد، قد تتلاقى مع حصة الغير وتتشابه معها في بعض التفاصيل، لكنها حتما ستختلف عنها في تفاصيل أخرى، لذلك فالرضا بالنصيب أمر واجب، لأنه القوة التي تدعمنا في مواجهة الابتلاءات، وتساعدنا في تخطي الشدائد وتجاوز العقبات .
قال الله تعالى : {ما أصابَ من مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفُسِكُمْ إلاَّ في كتابٍ من قَبْلِ أن نبرَأَهَا إنَّ ذلك على الله يسيرٌ(22) لِكَيْلا تَأْسَوْا على ما فاتكم ولا تفرَحُوا بما آتاكُمْ والله لا يحبُّ كلَّ مُختالٍ فخور(23)} .
صدق الله العظيم.