كلما رجع أيلول تذكرنا برجوعه الورق الأصفر، والأحبة الذين تركوا مقاعدهم للغبار وللريح وللذكريات والدموع، وتذكرنا الأوطان البعيدة، حين اختصرت الصحراء العربية كل الفصول في صيف طويل، وشتاء يأتي على استحياء.
أيلول بوابة الخريف، وصنو الربيع، رفيق دربه، ومنافسه، وغريمه؛ فهو ملهم الشعراء والفنانين لأجمل القصائد واللوحات، وأكثر الفصول شبهاً بنفوسنا: صحوها وأنوائها، من الناس من يصيّره أيلول مكتئبا حزيناً، ومنهم من يمده بالإلهام فيصيره حالماً، وبأسباب الفرح؛ لينطلق إلى أفق الحياة الأرحب... لا تشابه في الفصول؛ هي سمفونية الأيام، ورأي الزمان في التقلب، ودرس الليالي في أن الثبات من المحال.
على أنني كلما تأملت الغيم في أيلول رأيت خريفاً بألوان الطبيعة البديعة، وصباحات من شتاء خير، ومقدمة ربيع أخضر، وصيفاً مترعاً بالغلال، وفصلاً خامساً جمع كل الجمال وكل أغنيات الفصول .. تأملت الغيم فوجدته غلالة من فرح تغطي أديم السماء؛ وإذ يمطر الغيم قلت هذا وطني يحيي الشهداء.
في أيلول أتذكر الجامعة الأردنية التي شهدت تاريخاً من شبابي وشبابكم، والتي تحتفل غدا باليوبيل الذهبي لتأسيسها..وفي أيلول أتذكر العام الدراسي الجديد الذي يبدأ بعد ساعات، إذ يأتي الصغار إلى المدرسة بعد إجازة قضوها في أوطانهم التي امتدت على أصقاع الأرض: اشرح يا رب صدور هؤلاء البراعم الذين يشهدون الربيع العربيّ، حين صحت الأوطان على حقوقها الضائعات، لا تذقهم يا الله ما ذقنا من الظلم والظلام، ولا تسقهم يا الله ما شربنا من الجبروت والطغيان، وأطعمهم يا رب من جوع، وآمنهم من خوف، واجعل الأوطان يا رب صدراً حنوناً يأوون إليه كلما طوّحت بهم الدروب، واجعلها يا رب أماً رؤوماً ترضعهم الحبّ كلما أوصدت في وجوههم الأبواب، واجعل يا رب كتبهم وكراريسهم حصناً حصيناً يحفظهم من كل شر، واحفظهم لأبائهم، واحفظ آباءهم لهم، واجعل يا رب نهاراتهم ربيعا، ولياليهم أعراساً، واجعل الفرح يا الله جنات من ياسمين تعرّش على قلوبهم الصغيرة الكبيرة؛ حتى لا يغدو للحزن مكان.
 يا نار كوني بردا وسلاما على أيلول الذي كم رجوناه أن يأتي بالفرح ولو لمرة! على أيلول
الذي سيجيء بالفرح رغم الجراح.... سلال من زهر أيلول ودفئه تملأ دروبكم أصدقائي.