ارتفعت الطائرة وأعلن الربان أنه قد حان وقت الإقلاع لمغادرة قاهرة العز  باتجاه الإمارات الحبيبة. تدريجياً ترتفع الطائرة مع ازدياد دقات قلبي لتغادر أرض وسماء وطني، وتأخذني أيضاً إلى جزء لا يتجزأ من وطني، فستظل كل "بلاد العرب أوطاني".
وتدفقت التساؤلات إلى ذهني تباعاً مع تحليق الطائرة فوق السحاب؛ فلحظة فراق ووداع الوطن والأهل والاصدقاء، لحظةٌ تجعلك تتأمل متعجباً ومتسائلاً: ما هو الوطن؟ وهل نحن الذي نسكن الوطن أم هو الذي يسكننا؟".
وكانت "لماذا" هي علامة الاستفهام التي تربعت على عرش تساؤلات انتابتني فوق السحاب.. لماذا أغمض عينيَّ فأشتم عبيراً وأسترجع أصواتاً وأستعيد صوراً لأشخاص وأشياء من زمن جميل مضى وولى؟ لماذا أشعر بالحنين إلى مدرستي التي كلما مررت بها تترقرق الدموع في عينَيَّ، وأستنشق عبير ذاك الزمان، وصدى أجراس الحصص، والزميلات والصديقات والمعلمات؟ ولماذا أحن إلى القاعة الجامعية؛ إلى المحاضرات والأساتذة والأبحاث والاختبارات؟ لماذا كل هذه السعادة بعد أن التقيت صديقة عمري؟ لماذا كل هذا الشوق إلى حجرتي بعد أن غادرتها عروساً أُزفُّ إلى مملكتي الصغيرة؟ لماذا الحنين الدائم إلى حضن أمي وأبي وقد تجاوزت منتصف العمر وأصبحت أماً مسؤولة عن أبنائي؟ لماذا تنهمر دموعي والطائرة ترتفع لتغادر أرض وسماء وطني؟ لماذا هذا الشجن الجميل كلما استمعت إلى أوبريت وطني حبيبي الوطن الأكبر؟ لماذا لحظات شوق وحنين دائم إلى زيارة البيت الحرام؟ وهذه الألفة التي أستشعرها في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا تزداد دقات القلب وأنا أقترب بعد غربة وبعاد طال أم قصر من مدخل شارعنا، وكأن الذكريات تعيد قوة الدماء لتجري في العروق؟ لماذا كل هذا الحزن ينتابنا عرباً ومسلمين لما يعانيه الشعب الفلسطيني والعراقي والسوري وغيرهم من الشعوب العربية ؟ لماذا سيمفونية الحب العربي لقلب الوطن العربي وكنانة الله في أرضه مصرنا الحبيبة؟.
هل الاجابة على كل هذه التساؤلات تكمن في الشعور بالحب أم بالانتماء لكل هذه المفردات التي تتحكم فيها أبعادٌ مكانية وزمانية؟ اختزل قلبي الإجابة في أنه الحب للوطن والدين والأسرة والأصدقاء والوطن الصغير والكبير، أما عقلي فأجاب بأنه "الانتماء"، تلك القيمة الأكثر التصاقاً بالنفس، ذاك الشعور باجتياح ذرات كيانك تجاه شيء ما، فنحن نولد ولدينا غريزة الانتماء، إنها حاجة فطرية تتميز بها سائر مخلوقات الله، فما بالنا بالإنسان الذي كرمه الله وميّزه بنعمة العقل! فالانتماء يشعر به الجنين و يمارسه لأول مرة من دون وعي في وطنه الأول "رحم الأم"، ويصرخ رافضاً الحياة خارجه، وحين يتشبث رضيعاً بثدي أمه رافضاً بعناد أن يفطم منه، وحين يعاند متمسكاً بيدي أبيه وأمه لحظة التحاقه بالمدرسة، وعندما يشتد عوده يشعر بالغربة عند استقلاله عن أسرته، فيحن لبيت العز، حتى لو كان هذا البيت معدما، ويهب للدفاع عن صديقه، ويشجع ناديه، ويدافع عن عرضه، ويثور إذا تطاول أحد على دينه أو تعرض وطنه للخطر، ذلك الوطن الذي سوف ندرك كعرب - تدريجياً – أنه وطن واحد، تفصله الحدود، وتجمعه وتوحده اللغة والدين والحضارة، إنها الدوائر الانتمائية التي تتداخل وتتشابك في حياة الإنسان ما بين قوميَّة ومحلية واجتماعية وسياسية ومهنية وعاطفية، وكل منها يمثل في حياة الانسان جزءاً من الوطن، ارتبط به في فترة من حياته، فامتدت جذوره في أعماق نفسه.
ولكي أفض الاشتباك الذي نشأ بين قلبي وعقلي، وبين الحب والانتماء، فإنني تساءلت مرة أخرى: هل نحب ما ننتمي إليه؟ أم ننتمي إلى ما نحبه؟ إن الأمر متداخل؛ فأحيانا نحب شيئاً ثم من منطلق هذا الحب نشعر بالانتماء إليه، وأحياناً نحب ما إليه ننتمي، ولولا ذلك ما أعرب رسولنا الكريم صلوات الله عليه ورضوانه عن حنينه لمكة المكرمة حينما أُكره على الخروج منها هو والصحابة رضوان الله عليهم، فبكى لفراقها، ومرض الصحابة لفراقهم لها، وقال صلى الله عليه وسلم بعد أن التفت إليها: (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، ولولا أن أهلك قد أخرجوني منك ما خرجت)، ودعا صلى الله عليه وسلم ربه فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وانقل حُمّاها إلى الجحفة، اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقذف الله في قلوب المؤمنين المهاجرين حب المدينة، فولد الحب والإخاء مع الأنصار الشعور بالانتماء للمدينة المنورة، وجعلوا منها مركزاً ومنارة للحضارة الإسلامية.
 إن الحب - شأنه شأن الانتماء - لا بد أن تكون له أسباب محركة ودافعة إليه، وهما في ذلك متفقان، إلا أن الانتماء قد يكون أعم وأشمل من الحب، فبمرورنا بمتغيرات الحياة العديدة، قد نفقد في زحام الحياة من نحب، بل قد نتنازل كرهاً أو طواعية - بمبررات أو بدون مبررات - عمن نحب، وقد يتحول الحب لدى من ليس لديهم القدرة على التسامح والعفو إلى كراهية، كما أن الحب في أحيان كثيرة قد لا يولد لدى البعض من البشر  نوعاً من الالتزام تجاه ما نحب.
أما الانتماء فأكثر تعقيداً، فأكثر ما يولده هو الشعور بالمسؤولية تجاه الدائرة التي ننتمي إليها فنهب للدفاع عنها، والحفاظ عليها حتى وإن خذلته في بعض الأحيان، فالانتماء يوطد الجذور ويرتقي بالنفوس.
وكأن الحب ينمي الشعور بالانتماء مثلما يفعل الماء في النبات، وكأن الانتماء يولد الشعور بالحب، وكلاهما ثنائية متلازمة وسيمفونية يعزفها القلب والعقل معاً، خاصة تجاه الوطن الذي له العديد من المفاهيم بالمعايير المادية والمعنوية، فرحم الأم وطن وحضنها وطنٌ، وأمان راحتي الأب ودفء الاسرة والصديق والحبيب، كلُّها جزء لا يتجزأ من الوطن، بل هي أوطان داخل الوطن، بترابه وهوائه ومياهه وسمائه وبناسه وجماده، بعاداته وتقاليده وذكرياتنا فيه. فالوطن ليس فقط مكاناً يحتل موقعاً جغرافيّاً على خارطة العالم، إنه مكانٌ وزمانٌ يحتل ما شاء من مساحات على خارطة القلوب، فالشاعر قد يهاجر طويلاً عن بيئته التي ترعرع فيها، ويظل يعكس في طيات شعره وكتاباته مفرداتها، فكأنها هي التي سكنته بعد أن كان يسكنها.
إننا عندما نحب وننتمي أو ننتمي ونحب، تضاف  تلقائيا ياء الملكية.. أمي وأبي وأسرتي ومدرستي وجامعتي وصديقتي ومؤسستي وأساتذتي وديني ووطني، ثم تقفز واو الجماعة بوعي ونضج  إلى كل ما سبق عندما نتحول مع الانتماء من "أنا" إلى "نحن". 
ليبقى التساؤل الأخير مع هبوط الطائرة وملامستها أرض المطار: تُرى مَنْ يحيا داخل مَنْ؟ الوطن هو من يحيا فينا أم نحن من نحيا داخل ذلك الوطن؟ أم أننا نبعد عن أرض الوطن جسداً، ونبقى فيه روحاً وفكراً، حبّاً وانتماءً وولاءً؟!!
عبير الكلمات
 ندرةٌ من البشرِ هم الذين يستطيعونَ بعطائِهِم ووُدِّهم اللامحدودِ، أن يتخطَّوا الزَّمانَ والمكانَ، لينقُشوا مَحبَّتَهم على جدرانِ القُلوبِ ويَحتَلُّوا ما شاءوا مِن مَساحاتٍ في أعماقِ النُّفُوس.