كثيراً ما يرغب الإنسان في افتتاح صفحة جديدة من حياته، يثور فيها على نفسه، يحاول أن يتخلص من عادات استعبدته، أو من علاقات أمدته بطاقات سلبية، وعادت به إلى الوراء، أو ليحرك مياه حياته الراكدة، أو ليرتب أوراق نفسه الحائرة.
وعندما يطل علينا رمضان ببركاته وأيامه ولياليه، ضيفاً عزيزاً، يرى الكثيرون أنه فرصة رائعة للبدايات الجديدة، فيكون  للمسلمين بمثابة دورة تدريبية، لتطبيق خطوات التغيير، بمفهومه الحقيقي، وليس بثقافة "النيولوك" السائدة حاليا، تلك التي تختزل عملية التغيير في المظهر الخارجي.
ففي ليلة  رؤية هلال رمضان  يشدو المطرب عبد المطلب رحمة الله عليه  بأغنية "رمضان جانا وفرحنا به"، تلك الأغنية  التي يتجدد شبابها كل عام، ولم يستطع الزمان ولا "ثورة الأغنية الشبابية" أن يصيبها بالشيخوخة.
وتعود إلى بيوتنا أصواتٌ ارتبطت في ذاكرة أجيال سابقة برمضان، يستعيدون معها أجمل الذكريات، عندما كانت أصوات محمد رفعت وعبد الباسط عبد الصمد والحصري والطبلاوي، ترتل القرآن بخشوع يخيم على أركان البيوت والنفوس، وابتهالات الشيخ النقشبندي، وصوت إمام الدعاة الحاضر الغائب محمد متولي الشعراوي رحمه الله، الذي تبث معظم الإذاعات والقنوات خواطره حول القرآن الكريم،  وسيتذكر  الكثيرون سيد مكاوي رحمة الله عليه، أشهَر مِسَحَّراتي كان صوته يوقظنا من نومنا، وهو يردد: "إصْحَ يا نايمْ، وحِّد الدايمْ، رمضان كريم".
وفي ظل الأحداث التي تشهدها بعض بلدان وطننا العربي والإسلامي، يأتي رمضان  هذا العام ، ونحن نأمل أن يشعل  "ثورةً" في نفوسنا، يقودها كل مسلم داخل "ميدان" وجنبات ذاته، لينال  حريته من شهوات وأهواء كبّلته في زمن انتقلنا فيه من عبودية البشر للبشر، التي جاء ديننا الحنيف منذ أكثر من ألف وأربعمائة عاما ليقضي عليها، إلى عبودية النفس لأهواء النفس، فنحن الذين استعبدتنا أنفسُنا بإرادتنا.
رمضان هو ثورة يمكنها أن  تعيد شحن الطاقات الإيمانية، التي تخبو وتفتر في ظل دوامة الحياة ومطالبها وطموحاتها وإحباطاتها، ثورة نحتج بها على ذنوب ومعاصي وغفلة وقسوة رانت على القلوب، رمضان ثورة تشمل العالم الإسلامي، وتنطلق في نفس اللحظة مع مراعاة فروق التوقيت بين البلدان، ووحده المسلم هو المسؤول عن نجاحها أو فشلها.
وإذا كانت الثورات تعني في مدلولها وأهدافها التغيير، فرمضان أكبر وأعظم فرصة للتغيير، الذي نراه جميعاً عملية شاقة وصعبة، ويراه البعض مستحيلاً إلا أن التغيير ممكن ويستحق الجهد، ولكنه لا يمكن أن يحدث بين عيشة وضحاها، ولا بدون رغبة وحافز داخلي ينبع من نفسٍ تمتلك إرادة قوية، (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، رمضان دورة عملية نتدرب فيها على ممارسة الصبر، وكظم الغيظ، والهدوء، وتقوية الإرادة، وجهاد النفس.
والرائع في رمضان أن الظروف جميعَها تمنح الإنسان فرصة التغيير؛ فمن الناحية البيولوجية يساهم الصيام - بمعنى الامتناع عن الطعام والشراب - في تخليص الأجسام من السموم المادية، كما يساهم الصيام - عن السلوكيات والعادات السلبية - في تخليص الأنفس من سموم معنوية متراكمة، ليكون  رمضان بمثابة عملية التقشير التي تعيد الشباب لخلايا النفس والذهن والقلب.
وإذا كانت الثورات تطالب بـ"المساواة"، فسوف يتوحد المسلمون في الامتناع عن الطعام والشراب في رمضان، وسوف يتنافسون في تجنب المعاصي وجهاد الأنفس، والثورة على عادات استبدت بالبعض وسلبتهم طاقاتهم وهدوء بالهم، وسوف يطالب البعض أنفسهم بـ"إسقاط المعاصي والذنوب" ويتعهد البعض أمام أنفسهم بـ"عهود ووعود ومواثيق"، ويمكن أن "يحتجوا" على أنفسهم في لحظات الانتكاسة والنكوص، وفي أيام وليالي هذه الثورة الرمضانية، سوف يتلذذ الكثيرون بالتصدق بالمال، وبالكلمات الطيبة، والابتسامات، حتى في أحلك الظروف، وتسعد الأنفس بممارسة التسامح والعفو عن من أخطأ في حقوقهم، وسوف تنضبط الساعات البيولوجية محافِظةً على الصلاة والإفطار والسحور وقيام الليل والتهجد وتلاوة القرآن والأذكار، وتدمع الأعين من الخشوع والذكر والدعاء، ستحل البركات بصِلات الرحم التي انقطعت، وببر الوالدين، وزيارة المرضى والأيتام والمسنّين، وسوف يتبادل الجيران – من مسلمين وغيرهم - التهاني والحلوى، ويتوهج التكافل الاجتماعي في أيام وليالي شهرٍ أولُه رحمةٌ وأوسطُه مغفرةُ وآخره عتق من النار. سوف يجتمع أفراد الأسر على المائدة بعد أن نسيت معظم بيوتنا - في طاحونة الحياة اليومية - "لمة العائلة".
إننا بحاجة في هذا الشهر الكريم أن "نحشد المليونيات" في "ميادين" ذواتنا، نحتج بها على أنفسنا، ونحتكم فيها لله ولضمائرنا، لنصلح مسار أنفسنا وسلوكياتنا، فنحن بحاجة إلى "إصلاح دستوري نفسي"، نحرر به أنفسنا من كل أشكال العبودية، إلا عبوديتها لرب ليس لنا سواه، واحد أحد، لا إله إلا هو، لنؤدي فرضاً هو بين العبد وربه، طاعةً له وحياءً منه نمتنع عن الطعام والشراب ونتجنب المعاصي صغائرها وكبائرها.
في رمضان قُيدت حريات الشياطين، ومُنح بنو آدم حرية العبودية لله وحده. فأية منحة ربانية تلك التي يمنحنها إيانا كلَّ عامٍ الكريمُ الرحمنُ الرحيم! الذي ندعوه أن يمن علينا بالسكينة، وعلى أوطاننا بالأمن والأمان، وعلى مصرنا الحبيبة بأن تظل كنانة الله في أرضه.
اللهم استجب!
عبير الكلمات
بينَ جنَباتِ النفسِ وفي أعماقِها، أُناسٌ لا يستطيعُ مرورُ الزمانِ ولا بُعدُ المكانِ أن يمحُوَ آثارَهُمْ من ذاكرةِ القلوب.