تزودنا وسائل الاتصال الجماهيري والإنتاج الثقافي  بسيل مستمر من التصورات  والمعلومات، ولم يعد تأثيرها على الفرد أو المجتمعات موضع جدل أو نقاش منذ  عقود مضت. إذ أصبح الجدل والنقاش يدور حول كمية هذا التأثير ونوعه وهل هو  نحو الأحسن أو نحو الأسوأ وعما تقوم به من صياغة لأعراف المجتمع وعاداته  وتحديد المقبول أو المرفوض من أنماط السلوك الاجتماعي.
علاقة المرأة بالإعلام من القضايا التي تقدم بوصفها أساسية في المجتمعات التي تشهد تحولات نحو الحداثة، خاصة إذا ما أقررنا أن الإعلام شريك في عملية التنمية  وليس وسيطا  بين المجتمع و الأنظمة القائمة بمعناها السياسي الثقافي وهو ما يجعل مهامه  مستمرة متجددة وليست مؤقتة .
 وتنضوي تحت هذه العلاقة  فئتان رئيستان  هما:
 أولا - مضامين الإعلام والإنتاج الثقافي بشكل عام التي تتفرع عنها قضيتان:
1-مدى حضور قضايا المرأة على وفق حاجات المجتمع وضرورات التنمية الإنسانية وليس على وفق الخطاب السياسي والثقافي السائد.
2- صورة المرأة في وسائل الإنتاج الثقافي عموما والإعلامي خصوصا .
ثانيا -   العاملون والعاملات في الإعلام تتفرع عنها فئتان فرعيتان هما:
1-  الإدارات الإعلامية والإعلاميون والإعلاميات ومدى الوعي بقضايا المرأة وتبنيها.
2- المرأة   الإعلامية : المعوقات والتحديات والأدوار فضلا عن إدماج المرأة في الإعلام .
إن تحديد هاتين الفئتين الرئيستين ينبغي ألا يؤخذ بمعزل عن الاتجاهات السياسية والتشريعية والبناء الثقافي الاجتماعي السائد  في ما يتعلق بحقوق الإنسان وقضايا المرأة، إذ أن السياسات الإعلامية جزء من تلك الاتجاهات وذلك البناء أو الخطاب الاجتماعي السياسي الثقافي  .
أين نحن ؟
المضامين
تكشف القراءة  الأولية لمضامين وسائل الاتصال المتعلقة بالمرأة عن وجود إشكالية على الصعيدين  الاجتماعي والإنساني وعن ذكورية  وسائل الإنتاج الثقافي في تمثيلاتها الاجتماعية التي إن لم تكن مزيفة فإنها تقتات على أكثر القوى المحافظة في المجتمع ،ممارسة بذلك دورا "تعزيزيا" بدلا من قيامها بدور "تحويلي" في الثقافة. متجاهلة بذلك الاتجاهات الجديدة في المجتمع على صعيد ظهور أدوار جديدة للمرأة العراقية خارج أدوارها التقليدية منذ عدة عقود مضت .
وإذا كانت وسائل الإعلام العراقية  قد حاولت في فترات ما ولأغراض سياسية محددة تقديم صور جديدة غير نمطية للمرأة  " صور وأفكار وتصورات إيجابية عن دور المرأة في المجال العام خارج قوالب الفضاء الخاص المقترن بالنوع الاجتماعي  " فإن ذلك كان بمثابة الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
وبالرغم من  تنوع وسائل الإعلام العراقية من حيث الملكية ومصادر التمويل بعد 2003  غير أن أغلبها اشترك في عدم النظر إلى قضايا  المرأة العراقية  بوصفها قضايا  اجتماعية ثقافية سياسية يجب التصدي لمعالجتها وخلق وعي اجتماعي حول خطورة إهمالها ، وإذا ما تعاطت مع تلك القضايا فإن ذلك يتم بطريقة خبرية تقريرية و إنشائية .
يقترن طرح قضايا المرأة في وسائل الإعلام بما يطرحه أهل السياسة من رجال ونساء ،لذا فإن غياب القضايا الأساسية التي تخص المرأة العراقية لم يعد أمرا استثنائيا.  فمن النادر تناول الوسائل الأمية المتفشية بين الإناث وتسرب الفتيات من التعليم وهيمنة منظورات تروج لتعليم أساسي للإناث وتزويجهن بسن مبكر وانتشار ظاهرة زواج الأنثى الطفلة ليس في الريف فقط بل في المدن أيضا خارج مؤسسات الضبط القانوني( المحاكم) وما يترتب على ذلك من مشاكل وأعباء صحية على صحة الأم الطفلة نتيجة الحمل المبكر وفقدان المرأة ضمانات قانونية تحفظ لها حقوقها الزوجية وحقوق أطفالها في حال الانفصال عن الرجل. فضلا عن العادات العشائرية المهينة للمرأة  "كالنهوة والفصلية  ", ناهيك عن معاناة المرأة العاملة والتحديات التي تواجهها داخل المنزل وفي بيئة العمل ،ومعاناة المرأة المعيلة والأرامل اللائي صارت نسبتهن لا يمكن إغفالها أو تجاهلها. يوازي هذا الغياب حضور لمضامين أخرى خاصة في المرئي والمسموع  تختصر المرأة في صورة لا تخرج عن الجسد ألا وهي : الأنثى   المشتهاة المعدة  للإثارة والجنس  والأنثى المعدة للحمل والولادة  . فهي   وعاء للمتعة لاهمّ لها  غير الإيقاع بالرجل والتآمر والكيد والخيانة أو وعاء للحمل والولادة مستسلمة  وضعيفة غير قادرة على اتخاذ القرار  .
إن تجاهل قضايا المرأة الأساسية وقولبتها في صور نمطية سمة للرسائل الاتصالية الثقافية  " الكتب ، و مناهج تعليم والأمثال الشعبية والمسرحيات والدراما التلفزيونية والأفلام السينمائية و اللوحات الفنية  .. الخ والتي تقوم وسائل الإعلام بإعادة إنتاجها عبر ثقافة العاملين في الوسائل أو عبر البناء المؤسساتي للوسائل .
أما القائم بالاتصال من إدارات وعاملين وعاملات فإن نسبة ليست بقليلة منهم لا تولي قضايا المرأة اهتماما  فضلا عن انخفاض الوعي بقضايا المرأة. كما إن المهتمين بالقضايا يواجهون بتجاهل وعدم اكتراث مثلما يحدث مع الإعلامية التي لا ينظر إليها في بيئة العمل بغير المنظار الذكوري التقليدي إذ  تتعرض الإعلامية في الوسائل التي تعمل فيها إلى أشكال مختلفة من التمييز والتهميش كاحتكار الرجال للمناصب القيادية والسفر خارج البلاد وعدم تكليفهن بالواجبات المهمة . ، واستغلال المرأة لأغراض أخرى منها الابتزاز الجنسي  وخاصة للأجيال الشابة من اللائي دخلن ميدان الإعلام بإمكانات مهنية متواضعة مما يجعل منهن ضحية سهلة للمساومة والتهديد بفقدان العمل  خاصة مع   وجود بيئة عمل تفتقد  الضمانات المهنية والصحية والاجتماعية والمالية .فضلا عن أنماط التمييز التي يتعرضن إليها  لأسباب لها علاقة بالنوع الاجتماعي وتعرضهن للإحباط والضغوط النفسية وبالتالي ضعف الحافز والرغبة في ممارسة المهنة ، والتوتر العائلي بسبب أوقات العمل الطويلة نسبيا خارج سياقات الأعمال الإدارية الأخرى ، وقلة التدريب والتأهيل وعدم إشراكهن في دورات محلية أو خارجية وحكر المشاركات على  الذكور.ماذا  نريد  ؟ 
قبل طرح أي  مقترح لتحسين علاقة المرأة  بالإعلام  كمنتجة للرسائل الاتصالية "ذات فاعلة"  أو قضاياها "موضوع " فان علينا التسليم بأنه لا يمكن أن يتغير الإعلام في مواقفه أو اتجاهاته إزاء المرأة بقرار رسمي بالرغم من أن موجة  التحسن" الشكلي" لقضايا المرأة  وحقوقها الإنسانية له علاقة بالموجة العالمية التي تنضوي تحت حملة تقييم الديمقراطية وتطبيق حقوق الإنسان  في المنطقة العربية .ذلك أن أوجه السيطرة الأبوية و العقلية الأبوية تتطلب إدراكا دقيقا كي تخترق عبر مستويات وعي تبدأ من الخاص إلى العام وإزالة  الحدود الوهمية بين المجال الخاص والمجال العام مما يحتم وضع خطط للتنفيذ يراد منها إنتاج ما  يأتي :
-  نسبة تمثيل للمرأة وقضاياها  في المواد الاتصالية تتناسب وحجم حضورها الديموغرافي والتنوع العرقي  / الإثني  والجغرافي والطبقي الذي تنتمي إليه  .
- مضامين اتصالية تقدم المرأة  بشكل متوازن وعقلاني  يكسر القوالب النمطية المتوارثة عن المرأة  وتعيد وسائل الإنتاج الثقافي إنتاجها .
- مؤسسات تتعامل مع المرأة وقضاياها بوصفها قضايا مصيرية وليست ترفا أو مفردة في أجندة سياسية في لحظة صراع سياسي عابرة.
- قائمون  بالاتصال من إعلاميين وإعلاميات  متوافر لديهم وعي بقضايا المرأة  والقوانين والتشريعات المحلية والدولية ذات العلاقة .
- مواثيق وتشريعات تكفل حق الإعلامية في العمل والترقية والحصول على فرص التدريب والمنح خارج العراق وداخله من غير تمييز على  أساس النوع الاجتماعي   . وكيف نحقق ما نريد ؟ 
1-تأسيس مرصد  يتولى رصد حجم تمثيل المرأة  وقضاياها  والصور المبثوثة عنها في   المواد الاتصالية المختلفة "صحافة مكتوبة ومرئية ومسموعة ، مناهج تعليم ، مسرح ، سينما ، دراما ، أغانٍ : مواقع ألكترونية " في تقارير دورية من أجل  وضع سياسات ما أو تعديلها أو الشروع بإجراءات ما تحقق  التوازن وتصحح السلبي وتشجع الإيجابي .
2- تأسيس تجمع أو اتحاد  يتولى رصد وتوثيق الشكاوى التي تتقدم بها النساء العاملات  ويتولى رفع قضايا المتضررات منهن  من التمييز أمام القانون ." وهو ما  يمكن أن يكون مفيدا  للإعلامية أو غير الإعلامية .
3- وضع ميثاق شرف يقوم على صياغته والالتزام به القائمون على إدارة المؤسسات الإعلامية الحكومية والخاصة يتعهد بترجيح  الجانب الإنساني والتنموي  على التجاري والسائد في ما يتعلق بظهور المرأة  وقضاياها في وسائل الإعلام والإنتاج الثقافي.
4-تأسيس مركز دراسات وبحوث على المستوى الوطني بشخصية معنوية مستقلة تقع على عاتقه مهمة القيام بإجراء دراسات وبحوث ميدانية حول واقع المرأة العراقية الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي يسهم في رفد  صانع القرار بمعطيات ومؤشرات تسهل   خططه للتنمية وترفد وزارة المرأة و المنظمات النسوية العراقية بالبحوث والدراسات التي تساعدها في حملات التوعية والضغط والمناصرة. وينضوي تحت هذا المركز وحدة  مهمتها توثيق التجارب الإبداعية  للمرأة العراقية  على مدار التأريخ  في المجال العام .
5-تبني وزارة الدولة لشؤون المرأة  خطة عمل يمكن بمقتضاها حفز صانعي القرار على إعادة النظر في مناهج التعليم بما يتوافق وحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية التي تمنع التمييز ضد المرأة وطرح قيم بديلة تؤكد   مبدأ الشراكة بين الجنسين في بناء الحياة.
6-دورات تدريبية للعاملين في وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والمسموعة تؤهلهم لنشر ثقافة النوع الاجتماعي وإقامة ندوات على مستوى العراق يدعى إليها العاملون في مجال السينما والتلفزيون من منتجين ومؤلفين ومخرجين وممثلين لمناقشة الصور النمطية السائدة عن المرأة في الإنتاج التلفزيوني والسينمائي وحثهم على تقديم قيم بديلة تنتج عنها صور جديدة للمرأة تتناسب ودورها في المجتمع.