منذ تلك اللحظة الغارقة في المطر والتراب، رمت البذرة الأولى، فنبت نبضها ربيعاً دائماً، وحباً مشتعلاً برفاهية الوفاء والإرادة، بكرامة التحدي والكبرياء والعنفوان والحنان، والمواقف التي تهزم العواصف والبراكين والتقلبات.. تلك هي المرأة بشكل عام، والمرأة السورية بشكل خاص، وآثارها تدل عليها، لأنها آثار مشرقة بالمجد والمعرفة والروح المحلقة نحو اللا نهاية، الجاذبة لانولاجات الشمس والقمر، وكأنها مغناطيس كوني للأرواح، وبرزخ لا تهزه الرياح، وويل وتهاويل ليل، لكل من يرميها حتى بوردة، فما بالك حين يرمي الأعداء أسرتها الكبيرة: وطنها السوري، والعربي، بكل هذه المجازر والمؤامرات و..إلخ؟

بكل تأكيد هي لا تعرف إلا المقاومة والتضحية بروحها ومالها، بزوجها وأبنائها، بأخوتها وأخواتها، مقابل ألا تتلطخ ذرة من تراب وطنها، أو نسمة من هبوب فصوله ـ  الهاء عائدة للوطن، أو غيمة تعبر سماءه، أو ورقة شجر تمارس البزوغ، أو تتمايل مع البرودة، أو تتهاطل مع ذرات المطر الخريفية، أو تعيد إلى النسوغ ذاكرة اخضرارها الأول.

إذن، ليس غريباً أن تقف المرأة السورية كما الفلسطينية، واللبنانية، والعراقية، والعربية، وتزغرد لشهيدها، فخورة، رغم آلامها، بدمائه الأرجوانية، ثم تقول باعتزاز: لدي ستة أولاد، جميعهم فداء للوطن.

وهذا الموقف من أسمى الأفعال، وأجمل القيم، وأعظم درجات الحب.. وهو لا يكون موجوداً بالفطرة، أو جارياً مجرى الدم، لو لم يكن بالوراثة الطبيعية، التي أسست مع الصنو الآخر، الرجل، اللحظة الرئيسة للوجود الإنساني، بدءاً من الرمز الأول على جذوع الأشجار، والرسم الأول على جدران الكهوف والمغارات، عبوراً بالأبجدية الأولى: أوغاريت، ومكتبة إيبلا، واكتشاف النار، والتغيرات التي طرأت لاحقاً، متزامنة مع تطور الوعي، وارتقائه إلى لحظتنا المعاصرة.

ولذلك، لا بد من تفاعل متكامل بين الإنسان والإنسان، المؤنث والمذكر، على حد سواء، بغية التحاور الحضاري، المثقف، المبني على دواخل متيقظة، وحواس متجددة، وحدوس مبصرة أكثر من "زرقاء اليمامة"، وأشد شفافية من قصيدة تظل قيد التشكـّـل.

ولا بد من تاريخ البشرية، العادل منه، أن يذكر، كيف تراكمت آثار الفعل الإنساني، في الأرض، لتنجب الشعر، وتلمع الشاعرات، ومنهن: الخنساء، سافو، ليلى الأخيلية، ولادة، ولن ينسى الزمان فيلسوفاته النادرات، مثل "اسبازيا"، التي يقال عنها بأنها علمت "أرسطو" الفصاحة، وعرافة "دلفي"، "عشتروت"، "عناة"، "الثور المجنح أو ثور السماء"، "أريانا"، "حوريات هوميروس"، و"إنانا"، وخولة بنت الأزور، كذلك، تحضر، آسيا امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، ومريم وأمها، وعائشة التي كانت تدير المجالس، وأم أبيها، فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم.

بلا شك، ليس غريباً أن تقود المرأة العالم نحو الطمأنينة والسلام فيما إذا كانت مدركة لأهم غايات وجود الإنسان على الأرض: خليفة الله، ليزيدها عماراً وبناء، لا أن يتحول إلى حالة وحشية، تقتل وتمثل بالجثث، تغتصب الأوطان، وتنتهج التمييز العنصري، الجنسي، اللوني، الديني، العرقي، اللغوي، الاجتماعي، المادي، وتقرر الفوضى والدمار والخراب، وهي تفتقد لأدنى ذرة من الديمقراطية والحرية والعدالة والتوازن النفسي الذاتي والمجتمعي، والدليل الأكبر الصهيو أمريكية ـ الأمريكو صهيونية واغتصابها لدولتنا العربية فلسطين.

المرأة العربية عامة، والسورية خاصة، نموذج للعقل المنفتح، المتحاور، الذي يرمز لمفاهيم الحضارة، فيحتمل المسؤولية بكل أبعادها، ويعكس دلالات متنوعة من الرقي في المجتمع، على مختلف صعد الحياة وبنياتها الثقافية، العلمية، الإدارية، الاقتصادية، السياسية، الإعلامية، والمعرفية الأخرى.

ويسعدنا أن نكون معاً في وكالة أخبار المرأة لنتحاور بطريقة مختلفة، حداثية، وما بعد حداثية، تنتهج بوصلة المحو، محو الظلمات والظلام والظلم، لتكتب إنسانيتها العالية باختلاف لا يقبل إلا إشعاعات الأزل والأبد، ومن هنا جاءت تسمية عمودي "محواذيات"، وهو جمع "محواذه"، عنوان إحدى مجموعاتي الشعرية، التي تمحو الإعتام لتجرب الكتابة بالنور، نابذة الأعراف والتقاليد الظالمة التي تطور الجهل والتخلف، مصرة على دوام الإشراق من الضمير الصافي، والأخلاق العالية.