المرأة والسياسة عنوان كبير لمفارقة غريبة، كيف لهذا الكائن اللطيف أن يجد لنفسه مكانا وسط لعبة قذرة اسمها السياسة، لعبة لا تحتكم لا لقواعد ولا لقوانين، لعبة البقاء فيها للأقوى. السياسة هي قانون الغاب في مجتمع متمدّن والمرأة هي الحاضر الغائب.
أنظمة عربية كثيرة ظلّت لعقود تنادي بحرية المرأة، بتحرير المرأة، بمساواة المرأة مع الرجل... ولكن ثبت في النهاية أنها شعارات سياسية فضفاضة همّها الوحيد خدمة نظام سلطوي تحوّلت فيه الأنوثة إلى حجاب حاجز لا بل أصبحت المرأة غشاء بكارة لأنظمة عقيمة يضفي من خلاله المستبدون نوعا من الحصانة على الاستبداد.
كيف لعاشق الوسائد أن يسمح لامرأة أن تشاركه ساق كرسي نخره السوس : المرأة يمكن أن تكون أمّا أو أن تكون أختا أو أن تكون زوجة ولكن ان تدخل عالم السياسة وتتقلّد أعلى المناصب فهي وقتها تكون "ناقصة عقل"، ولكن ناقصة العقل هذه أثبتت على مرّ العصور أنها امرأة بحظّ الذكرين فهي المنتج الوحيد لقوى الانتاج الرئيسية، ولكن مع بروز الرأسمالية وتطور الملكية الخاصة لوسائل الانتاج استغلت المرأة وبقيت تعاني من التمييز على جميع الأصعدة ولم يتح لها التصويت والانتخاب إلا خلال القرن العشرين وبدرجات أيضا. وإذا ما اتيح لبعض النسوة تقلد المناصب القيادية فلم يتم ذلك لهن إلا بعد تحويلهن إلى آلات ناطقة لخدمة مصالح امبريالية والأمثلة على ذلك كثيرة لنساء خدمن سياسات صهيو- أمريكية.
اما في البلدان العربية فقد عملت قوات الاحتلال للإبقاء على التقاليد الاجتماعية لعلاقات الانتاج الاقطاعية وخاصة مسألة التعامل مع المرأة، وبالرغم من تبني هذه البلدان لعلاقات الانتاج الرأسمالية بقيت المرأة العربية تحاكم وفق شرائع سنّت قبل ألاف السنين، و قوانين رجعية للأحوال الشخصية. ورغم كل شعارات حقوق الانسان وحرية المرأة التي تتشدق بها الأنظمة العربية لإصلاح مجتمعاتها متّخذة من الدين ستارا تمارسه وراءه قتل النساء أو الحجر عليهن وراء الجدران : من الحجاب الى جدران المنازل وفرض زواج القاصرات وإباحة المتعة "الحرام" وتشجيع كل أنواع الاصوليات بما فيها الاصولية النسوية التي تعمل على تحويل الصراع ضد الاستغلال والظلم الاجتماعي الى صراع بين المرأة والرجل وفق أجندات موغلة في التطّرف الديني.
 ورغم ذلك لعبت الحركات السياسية المدافعة عن حقوق الانسان عامة وحقوق المرأة خاصة دورا كبيرا في تطوير الوعي السياسي والاجتماعي للمرأة في جميع انحاء العالم بما في ذلك المرأة العربية ونشأت منظمات نسائية ساهمت في المؤتمرات العالمية واكتسبت خبرة ولعبت دورا بارزا في توعية النساء وفي مكافحة الأمية وساهمت في النضالات الوطنية، ومع تطور الحركة الوطنية ونشوء الاحزاب السياسية دخلت المرأة العربية الأحزاب السياسية وبرزت بطلات فلسطينيات وعراقيات لعبن دورا كبيرا في مقاومة الاستعمار والاستبداد وتعرية كل الأوهام التي تبنى على امكانية بناء الديمقراطية وإعادة الأمن في ظل الاحتلال.
وأوضح دليل على جاهلية هذا العصر وضع المرأة في دولنا العربية والإسلامية التي أصبحت بين مطرقة العادات والتقاليد القبلية التي تحد من نشاطها الاجتماعي والسياسي وتكبل حركتها وتمنعها من أداء دورها وواجبها تجاه المجتمع باسم الدين، وبين سندان تطرّف "العلمانيين" الذين وجهوا المرأة الجهة الخاطئة وظلموها واستغلوها أبشع استغلال، وشغلوها عن نفسها وبيتها بعدما حرموها من الأمن الفكري : فباسم الحقوق السياسية يراد حرمان المرأة من حقوقها الشرعية وضرورات حياتها الإنسانية، بل وحرمان المجتمع ككل من إمكاناتها وقدراتها وطاقاتها وجهودها وتأثيرها الفعلي ودورها في صناعة الحياة، ثم إن أقصى ما يقدمه رجال السياسة للمرأة هي دعوى باطلة خادعة يتم بها استمرار تحييدها عن ممارسة دورها الحقيقي باسم "الديمقراطية" والمشاركة السياسية المزعومة، رغبة في تقليد الدول الغربية المتقدمة تقنياً ومادياً.
وبالعودة إلى تونس وتحديدا الوقوف عند الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة ذلك الرئيس المتفرنس الذي كان من دعاة تحرير المرأة، وأية تحرير؟؟ تحرير خلّده التاريخ بصورة لفها السواد قبل البياض وهو ينزع "السفساري" (لحاف كانت تتستّر به أغلبية النساء) عن امرأة كاشفا وجهها ليدخلها عالم الحداثة من اوسع الأبواب، حداثة ركّزت على الشكل قبل المضمون ليقول ها نحن هنا "حرّرنا المرأة" ولكن للأسف بقيت سجينة الحرية وسجينة المدرسة البورقيبية التي لم تعترف إلا بالفرنسية ماتيلدا لوران أولا ثم بالتونسية وسيلة بن عمار ثانيا وقد طلّق الأولى لعيون الثانية ثم طلق الثانية لعيون السياسة. ولمن لا يعرف وسيلة فقد ساهمت بالإطاحة بحكومة رئيس الوزراء احمد بن صالح ووقفت حاجزا دون تنفيذ مشروع الوحدة بين تونس وليبيا اوائل ‬1974 ووقفت بقوة ضد اسناد رئاسة الحكومة الى محمد الصياح سنة ‬1980، ثم وراء اسنادها الى محمد مزالي قبل ان تنقلب عليه بعد اشهر.
كما كانت صاحبة فكرة نقل منظمة التحرير الى تونس بعد اخراجها من بيروت سنة ‬1982. ولكن مع دخول تونس معركة الخلافة وإحساس بورقيبة بأن زوجته تجاوزت الكثير من صلاحياتها، طلقها سنة 1986. وقد يقول البعض إن هذا تعدّ صارخ على البورقيبية فأقول لهم إن البورقيبية هنا تعني نظام الحكم وليس شخص الحبيب بورقيبة، فعلاقة المرأة بهذا النظام حكمتها تجاذبات سياسية كانت فيها وسيلة بورقيبة وسيلة لتنفيذ سياسات والتأثير في سياسات أخرى داخل قصر قرطاج وسط نظام حكم بالحديد والنار زينته طلاقة لسان وقدرة على الخطابة.
ولكن تونس ليست فقط قصر قرطاج والمرأة التونسية ليست وسيلة فقط : المرأة مناضلة سكنت الجبال وحملت السلاح ولازمت "الفلاقة" لتحرير الوطن من المستعمر لأنه في تحريره تحريرها. وحتى مع خروج المستعمر فقد ترك عقلية استعمارية متعفنة تتعامل مع المرأة على أنها وسيلة وقد استطاع زين العابدبن بن علي فيما بعد -الذي انقلب على الحبيب بورقيبة وحكم تونس طيلة 23 سنة من الزيف ثم انقلب عليه الشعب بأكمله- أن يكرّس هذه العقلية في التعامل مع المرأة عبر خطابات ومؤسسات، ساعدته على ذلك ليلاه "سيدة تونس الأولى".
ولا يكاد يخلو خطاب نوفمبري من تعظيم لدور المرأة ومكانة المرأة وحضور المرأة، ومع كل انتخابات رئاسية أو تشريعية أو بلدية إلا وتعاظم شأن المرأة وخلنا لوهلة أنها الفاعل الرئيس في كل ما هو سياسي، ولكن للأسف بقيت مجرّد ديكور لسياسيات بنفسجية ساهم حزب التجمع الدستوري الديقراطي (الحزب المنحلّ) ومن بعده لجان التنسيق والشعب الدستورية ومنظمات أقل ما يقال عنها انها تابعة للسلطة في تكريس هذا الواقع لتلميع صورة النظام والتأكيد على عبادة الشخصية وكانت المرأة حاضرة في الاجتماعات والخطابات غائبة في السياسات، والمرأة الوحيدة كانت ليلى زوجة الرئيس حكمت هي الأخرى بالحديد والنار من وراء الكواليس وبسطت هيمنتها على القصر وخارجه وهذه هي الحقيقة ولا وجود لحقيقة غيرها يا ليلى.
وقبل الثورة وإبان الثورة وبعد الثورة وإلى اليوم أثبتت المرأة أنها حاضرة وفاعلة وملتزمة لذلك كافئها رجال السياسة بالمناصفة : مناصفة شغلت الرجل قبل المرأة وملأت المجالس والندوات والمؤتمرات وفرحت النسوة لهذا المبدأ وفي النهاية كانت مناصفة يتيمة عرجاء لا حول لها ولا قوة لأننا في مجتمع ذكوري يتحدث عن الفحولة قبل الرجولة وبالضرورة سيكون الاقصاء هو سيد الموقف، لذلك لن ننجب إلا مجتمعا مشوّه الملامح تبقى المرأة فيه غائبة وإن حضرت، تائهة وإن وجدت، مقصية وإن فعلت، رهينة وإن تحرّرت...  تبحث عن محلّها شأنها في ذلك شأن نون النسوة.