بعد مرور أكثر من سنة ونصف على ثورة 14 جانفي 2011، ظهرت تغيرات جذرية على المجتمع التونسي قد تمرّدت ربّما على السائد وتغوّلت عليه : النزوع نحو "التدين" أو ربّما التطرّف في التديّن جعل من الفكر "السلفي" ظاهرة طفت على سطح الأحداث الوطنية وأثّرت فيها، ومسّت جميع أطياف المجتمع سواء عن وعي أو دون وعي، وتجلّى ذلك ظاهريا في لباس الرجل والمرأة التي اختارت من الحجاب أو النقاب لباسا "شرعيا" لها كما يدّعي البعض وكأن الشرعية لا تتجسّد إلا إذا لفّت المرأة نفسها بالسواد.
"حرية التعبير" مكفولة في تونس مهما كانت، ولكن المؤسف اليوم أن ترى طفلة لم تتجاوز الأربع سنوات ترتدي الحجاب في رياض الأطفال أو في المدارس أو في الشارع او في غيرها من الأماكن، وهي إن لم ترتقي لمفهوم الظاهرة فهي قد تهدّد كيان الطفولة، وحتى لو كان الحجاب مفروضا على المرأة فهو لم يفرض على الطفلة، ولكن بعد الثورة خرج الحجاب – الذي منعه النظام السابق- من كونه زيّا شعبيّا في بعض المجتمعات فرضته ظروف بيئية معينة ليصبح لباسا دينيا "قسريا" يحاولون إلباسه حتى للأطفال.
الحجاب لم يكن موجودا في المجتمعات البدائية ولكن بتطوّرها وبهيمنة المجتمع الذكوري حاول فرض الوصاية والهيمنة على حياة المرأة وجعلها تابعا له وليس ندّا، الشيء الذي جعل المرأة تحت رحمة قوانين ذكورية بالية : المرأة ناقصة عقلا ودينا ؟؟ المرأة عورة؟؟ المرأة فتنة؟؟ متناسين أن المرأة مناضلة وأن المرأة مربية وأن المرأة أمّ وأن المرأة أخت، ولكن النظرة المتخلفة للمرأة أساءت إليها كثيرا جعلتها مجرّد جسد ينظر إليه الرجل بذكره، يلفّه بالسواد ويتمتع به كلما اشتهى ذلك.
لكن هل الطفلة أيضا مجرّد "جسد" يشتهيه الرجل حتى نلبسه الحجاب خوفا من أنياب الذئاب؟؟ هل يشتهي الرجل حتى براءة الأطفال؟؟ أكيد أن تركيبة الرجل السيكولوجية جعلته ينظر إلى المرأة وفي داخله عوامل ازدرائها أعمق من عوامل احترامها، لأنه لو احترمها لما أجبر طفلة على ارتداء الحجاب لجعلها "متدينة" وهي لا تعرف حتى ما الحجاب؟؟ لماذا أرتديه أنا بالذات؟؟ ماذا عن الآخرين؟؟ هل أنا مختلفة أم هم المختلفون؟؟
أقول إن الطفلة جنسها الطفولة لا الأنوثة ولا الذكورة وهويتها البراءة، ومن حقّها أن تلعب وتجري وتقع وتكتشف المحيط وتكتشف نفسها وشخصيتها ثمّ تقرّر، ولكن ارتداء الحجاب في سن مبكرة قد يجعلها تختصر نفسها في جسد فان قد تنتفي معه ذاتها. ثمّ إن تنشئة "الحلال والحرام" التي تلازمنا منذ أول صرخة يطلقها الرضيع عند الولادة تجعلنا نكبر وفي أذهاننا أكثر من من سؤال واستفهام تختفي ورائها ضمائر مستترة تجنّدت لغسل دماغ الفتاة لا لشيء إلا لأنها فتاة.
ولكن إذا تطورت هذه السلوكات داخل المجتمع فالخوف كل الخوف على طفولة الطفلة والخوف كل الخوف على براءة الابتسامة التي يمكن ان تقبر وراء السواد، لتعود إلى الأذهان صورة الموءودة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة "التكوير" : "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت"، فالقرآن هنا قد ارتقى بالمرأة وما هذه الآية إلا خير دليل على ذلك
 وبما أن القرآن صالح لكل زمان ومكان فهذه الآية العظيمة تخرج عن إطارها التاريخي الضيق من الجاهلية إلى الإنسانية جمعاء لتكون عبرة لشيوخ جهلة يتلاعبون ببراءة الأطفال في بيئة عقيمة لتصبح عملية الوأد رمزية أكثر منها مادية كما كانت في الجاهلية، وكلاهما للأسف قتل للمرأة وقتل للأنوثة وقتل للجمال.
وأكيد جدا أن البعض سيفسّر ما كتبته على أنه انحلال أخلاقي وفسق وفجور وعلمانية موغلة في التطرّف... وغيرها من المصطلحات التي أصبحت خبزا يوميا يلوكه بعض الجهلة باسم الدين لتكفير البعض وتحليل أشياء وتحريم أشياء أخرى في إطار نظرة ضيقة للمرأة "الجسد" التي قولبها الفكر السلفي المتطرف المفرغ من العقل، وأنا قلت الفكر السلفي المتطرف لأن الفهم الصحيح لفكر السلف والاقتداء به قد انعدم تاركا مكانه لفتاوى جوفاء، وعليه يجب على الفكر السلفي أن لا يكون عاصفة تلتهم أطفالنا وبناتنا.