عندما تقسو الحياة وتتجهم الأيام في وجوهنا تتوه بوصلتنا، ونصبح مثل قشة تتقاذفها الريح حسبما تشتهي، وهذا ما حدث مع سلمى الأحمري، التي طلقها زوجها قبل تسع سنوات، ليكون مصير أولادهما مقيدًا بعناد أب لا يرحم وأم تواجه عذابات طليقها وأهلها الذين أجحفوا بحق ابنتهم.
أصبحت سلمى تعيش غربة الأبناء والأهل، فهي تقيم في منطقة في الجنوب (تحتفظ «سيدتي» بعنوانها) وأبناؤها يعيشون في إحدى محافظات شمال السعودية في منزل صغير أشبه بالسجن لا يستطيعون الخروج منه.. مؤلمة هي الحياة التي تعيشها سلمى متشردة، حيث لم تجد حلاً سوى السهر ليلاً في الأماكن العامة والنوم في النهار في مكان ترجو فيه الأمان، كالمطار أو بعض المستشفيات الخاصة، فبعد أن كشفت إدارة مطار الملك عبد العزيز أمرها هي وابنها ناصر، حيث ينامان في مسجد المطار، قامت فاعلة خير باستقبالها مع ابنها في منزلها إلى حين انتهاء قضيتها.
وقد حضرت سلمى إلى مكتب «سيدتي» بصحبة ابنها لتروي لنا قضيتها بعد أن ذهبت قبل ذلك إلى مكتب حقوق الإنسان الذي لم تجد فيه حلاً لمشكلتها، وهي المطالبة بتصحيح حال أبنائها المعنفين من قبل والدهم، وإنقاذها من حالة التشرد التي تعيشها.
أهلي باعوني: لجأت سلمى الأحمري (35 سنة) لـ«سيدتي» منتظرة بصيص أمل يقربها من أبنائها وبناتها لتعيش ما تبقى لها من حياة بينهم، وقد بدأت سرد قصتها ومعاناتها بنبرة حزينة قائلة: «كنت صغيرة أبلغ من العمر (12سنة)، لا أفقه في الحياة سوى رعي الغنم عندما التقى بي ذلك الرجل الكبير، الذي كان يبلغ من العمر وقتها (49 سنة) ليسألني عن منزل أهلي، وبكل براءة وحسن نيَّة أخبرته، فما كان منه إلا أن تقدم لخطبتي ليجد القبول من أهلي بعدما دفع لهم مبلغ 300 ألف ريال، وكأنني سلعة تباع لمن يدفع أكثر، وكان ذلك عام 1411هـ».
قتل طفلي الأول ولم يدفنه: وتتابع: من بعدها بدأت المعاناة وبدأ العنف وسوء المعاملة إلى درجة أن أول حمل لي وفي الشهر التاسع قتل الجنين في بطني عندما ضربني بشكل بشع، وهو مخمور، ليموت الجنين داخل أحشائي، وبعد أن أُجريَ لي طلق صناعي، وخرج الجنين أخذه في كيس ووضعه في زاوية الطريق، حيث لم يكلف نفسه بإكرامه ودفنه، وبعدها أنجبت له خمس بنات: مريم (18 سنة)، ونورة (16)، وشهد (9)، ومن الأولاد ناصر (17)، وبدر (13)، وفي عام 1423هـ طلقني، لأبتعد عن أبنائي وبناتي وهم الآن محبوسون في منزل صغير يواجهون الابتزاز الجسدي والفقر وسوء المعاملة من قبل والدهم.
يحرم أبناءه من الأكل والشرب
الابن الأكبر ناصر (17سنة) حضر مع والدته إلى مكتب «سيدتي» بعد أن استطاع الهرب من قسوة أبيه ليلتقي والدته التي تحمِّله مسؤولية أكبر من سنه لعله يستطيع الوقوف إلى جوار إخوته المعنفين. قال: «والدي يستمتع بتعذيبنا كما يشاء، وهو الذي يملك من القدرات المالية الشيء الكثير، لكننا لا نرى منها أي شيء يذكر، والأدهى والأمرّ من ذلك أنه يقفل علينا منزلنا باستمرار، ولا نستطيع أن نخرج أنا وأخي إلا عن طريق المخرج الخاص بالنفايات، إضافة إلى تأنيبنا بألفاظ بذيئة، ونحاول باستمرار أن نجعل منه ذلك الأب الحنون والمثالي، لكن لا حياة لمن تنادي، إذ يعود دائمًا إلينا وهو في حالة سكر فلا نستطيع التحدث معه، وقد فكرت مرارًا أن أؤذيه جراء الظلم الذي نجده أنا وإخوتي بعكس إخوتي الآخرين من أم أخرى. فنحن لا نرى السماء إلا عندما يذهب بنا إلى مزرعته الخاصة بالإبل لنقوم برعايتها وتنظيف فضلاتها، كما أنه حرمني من دراستي وجعلني شخصًا منبوذًا عند أقاربي وهو الذي يعايرني دومًا بأني ابن امرأة، والآن حضرت لأقف إلى جوار والدتي؛ حتى نتمكن من أخذ حقوقنا بالكامل؛ فنحن في بلد آمن يعطي كل ذي حق حقه».
تحرش: تحدثنا هاتفيًا مع البنت الكبرى مريم (18 سنة) لتروي لنا الحالة التي تعيشها هي وإخوتها فقالت: «نعيش الذل بأنواعه، لا نستطيع أن نجد ما نأكله، ونعاني الابتزاز من إخوتي الكبار ووالدي معًا، ففي أحد الأيام كنت طريحة الفراش، لا أستطيع الكلام بسبب مرضي، فما كان من أخي الأكبر (غير الشقيق) إلا أن دخل واعتدى عليّ بطريقة وحشية ولم أستطع سوى الصراخ، ثم حاولت الانتحار عن طرق ابتلاع قرابة ثلاثين حبة دواء، لكن الله أراد لي البقاء، وعندما أخبرت والدي بما حصل وبخني واتهمني بالكذب وكأن شيئا لم يكن. وفي الفترة الأخيرة حرمنا من الذهاب إلى المدرسة؛ لكي لا نتصل بوالدتنا. والآن نحن نعيش وضعًا نفسيًا سيئًا، كما أنه وفي أحد الأيام ذهب بنا إلى مدينة الوجه غربي المملكة، وفوجئت بوالدي يتقرب مني بشكل ليس فيه معنى الأبوة، ما أبكاني كثيرًا، وكأنني لست ابنته!».
علاج فوري
الاختصاصية الاجتماعية بمستشفى الملك فهد، منال الصومالي، أوضحت أن هذه الحالة أصبحت قانونية «جنائية»، إذ لا يجوز حرمان الأم من أبنائها طالما هم في سن الطفولة، لكن وبعد أن كبروا فإنهم يحتاجون إلى علاج اجتماعي لفترة طويلة من الزمن؛ لإزالة الترسبات السلبية التي حصلت لهم في حياتهم، وبكل تأكيد سوف يكون هناك الكثير من الآثار الغريبة على تصرفاتهم وطباعهم، وأعتقد أن المساعدة الاجتماعية لهم مرتبطة بما يحصلون عليه من حقوق قانونية، والمعروف في مثل هذه الحالات أن الأطفال هم الضحايا لما يجدونه في حياتهم من ابتزاز وتشرد، لكن التأهيل النفسي سوف يعيدهم إلى وضعهم الطبيعي، ويزيح عنهم كل التراكمات السابقة.
حالة تستدعي اللجوء إلى القضاء: أكد عضو المحكمين في السعودية، الدكتور أحمد المعبي في حديثه لـ«سيدتي»، على أن هذه الحالة تستدعي الوقوف أمام القضاء للحكم فيها؛ لأن ما يفعله هذا الزوج لا يجوز في الإسلام، فلا يحق لهذا الرجل أن ينفر أبناءها منها ويدخل الأمور الشخصية بينهما، إضافة إلى أنه لا يجوز لها أن تسلم نفسها لرجل يتعاطى المسكر، وأتوقع أن كل من يقرأ قضية سلمى وما يحصل لها ولأبنائها سوف يتعاطف معهم؛ لأنها وقعت بين زوج لا يتوانى في إيذائها، ووالدها وإخوتها الذين كان دورهم سلبيًا تجاه ابنتهم المغلوبة على أمرها. فلهم الحق في كل ما سيقررونه تجاه هذا الرجل من أجل كسب القضية لابنتهم، لكن من الواضح أن طمع الدنيا وحب المال قد أثر في هؤلاء الإخوة ومن خلفهم والدها، ويجب عليها التوجه مباشرة إلى حقوق الإنسان في الوقت الحالي لمساعدتها في إيجاد حل لقضيتها وهي المشردة، وتطلب حسن معاملة أبنائها وبناتها من قسوة أبيهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم.