نسمع هذه العبارة كثيراً " بينا وبينكم عيش  وملـح " ، للتعبير عما بين القوم وآخرين من صلات ووشـائج احترام وخلطة وذمّـة . أو بينهم معـيشة مشـتركة ومواثيق وضيافات متبادلـة ، والشائـع بين الناس أنَّ المعنى يشير إلى الاشتراك في الخبز والملح ، وسـيكون مفاجئا للجميع قولي أن الملح لا يُـراد به هنا ما يفهمه الناس من المادة المطيّـبـة الحافظة للطعام ، فإن قلنا بينهما ملح وممالحة فلا مانع من الفهم بالمعنى المباشر الشائع ، أما إن قلنا " خبز وملح " فالملح هنـا هـو اللبن والرضاع خاصة ، أي خبز ورضاع وهو أكثر من خلطة الطعام والخبز ، والخبز يحتوي في مكوناته أصلا على الملح وما اعتادت العرب على التزيّد في كلامها ، فالملح إذن يراد به الرضاعة ، وهذا أبلغ ، والرضاعـة يحـرم بها ما يحرم بالنسب كما ثبت بعـد انبلاج فجـر الإسلام ..
وهذا ما نصَّ عليه المعجميون العرب ، وساق الزمخشري في كتاب " الفائق " قصته :
كان لأبي الطمحان ابل يسقي الناس من ألبانها ثم انَّ قوماً أغاروا فأخذوهـا فقال :
وإني لأرجو مِلـحهـا في بطونكم*** وما بسـطتْ مِنْ جِلْدِ أشعثَ أغبرا
أي أرجو أن ترعوا ما شربتم من ألبانها وما بسطت من جلود قوم كأن جلودهم قد يبست فسمنوا منها ، أو هو يقول إني لأرجو أن يأخذكم الله بحرمة صاحبها وغدركم به ، وكانوا استاقوا له إبلاً كان يسقيهم من ألبانها حتى سمنوا ، ويقول ابن منظور تعليقا على هذا البيت : والصواب : ( وما بسطت من جلد أشعـثَ مغبرِ ، أو مقـتـرِ )لأن رويّ القصيدة مكسور فقد رأى في بعض حواشي الصحاح للجوهري أن ابنَ الأعرابي قال بهذا أي " أشعث مقتر " . ولفظـة المِلح تُـذكّـر وتؤنث ، نقول : هذه ملحي وهذا ملحي !
ومن معاني الملح التي سـاقها الفيروازآبادي إضافة لمعـناه ، المادة المستعملة في إصلاح الطعام وحفظه : الرضاع – العلم والعلماء والملاحة والشحم والسِّـمَن والحـرمة والذمام ، وضد العذب من الماء ، قال تعالى : ((هذا عذب فرات وهذا ملحٌ أجـاج )) سورة الفرقان/ 53 .
وقال: " بينهما ملحٌ وملحة : حرمة وحلف .
والممالـحـة (مفاعلة) : المؤاكلة والرضاع . ومَلحَ الشاة ملَعَـهـا وسمطها .
أما الـمَلـَح( بالتحريك) فهو صفة جمالية ( في البهائم: سواد مع بياض ،وفي الكلام : المنتخب الحسن منه ،وفي الطير : سرعة خفقانه ...) ، ومَنْ مِلْحُهُ على الرُّكَب هومن بيت الشعر :
لا تَلُـمْـهــا إنّهــــا من نســـوةٍ *** ملحٌهـا موضوعـةٌ فوقَ الـرُّكَـب
قال الأزهري : اختلفوا في هذا البيت ، وألخِّص - أنـا العبد الفقير إلى الله – هذا الاختلاف :
1- هي امرأة أمُّها زنجية وملحُها أي شحمها وسِمَنُها في فخذيها ، كما يظنون .
2- وقال ابن الأعرابي: هي قليلة الوفاء ،
3- العرب تحلف بالملح والماء تعظيما لهما ، وقال أبو العباس المبرد : بل تعظم الملح والنار والرماد ، وهو الأصح . وملحها فوق رُكَبِها أي لا يهدأ ولا يستقر بل يتناثر بمجرد تحرّكها ،
4- قلت : وقيل هو تعبير كنائي عن كثرة الخصام ، فملحها جاهز فوق الركب لمداواة جروح ركبتيها ، فالناس في شجارهم يتعمدون ضرب الركب بالعصا لبيان الانتصار على الخصم ، وهذه أم توصي ابنتها عند زواجها بضرب حماتها على ركبتيها :
سُــبِّي الحمـاةَ وابْهـتي عليهــا *** ثم اضـربي بالفـهْــرِ رُكْبَـتَـيْـهـا
· وجاء في حديث الصديقة عائشة ( عليها السلام)قالت لها امرأة : أزمُّ جَمَلـي هل عليَّ من جناح ؟ فقالت سيدتنا عائشة البتول : لا ،،، فلما خرجت قيل لها : إنها تعني زوجها ؟ فقالت : ردوها عليّ ، مُـلْـحَـةٌ في النار ، اغسـلوا عني أثرهـا بالماء والسِّـدْر ، أو اغسلوا على أثرها (1) . والمِلْحة: الكلمة الطيبة أو السيئة ( من الأضداد / وهـو ما يُسمَّى في أصول الفقه الإسلامي اللفظ المشترك ) ، وتعـني عائشة ردوها لأعـلمهـا بأن فعـلهــا لا يجوز ، واغسلوا عني هذه الكلمة التي أذنت لها بهـا (2) ..
---------------------------
(1) - الــزَّمُّ الربط ، زمَّـهُ ربطـه ، والسيدة سألت عائشة هل يباح لها ان تمنعَ بعـيـرهـا من النزوِ على النوق كي لا يضعف ؟ هكذا فهمت السيدة عائشة وإذا بالمرأة تقصد أمراً آخر وهو ربط زوجها عن نفسها بسـحـرٍ أو طبّ أو أمــر آخـــر ؟ هناك باب خاص من ابواب السحر يسمى الربط وهو من أحرم الحرام ، ينظر :
- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة – 7 / 1288 – والأثر برقم ( 2278 ) ، وورد نحـو ذلك الأثر عن الإمام البغـوي في " شرح السنة " دون الإشارة الى " اغسلوا على أثرها " بالماء والسدر : 12 / 189 – 190 .
)2) ينظر: الفائق للزمخشري 3 / 44
غريب الحديث للهروي 1 / 324
مادة ( م ل ح ) في القاموس المحيط والوسيط ولسان العرب واساس البلاغة للزمخشري .