فتاتنا العربية الأصيلة، تلك التي لم تقرب الفاحشة ولم تسمح بأي يد قذرة لتمتد اليها، تلك التي صانت نفسها وحفظت شرفها، ورجحت أن تتمسك بأخلاقها وقيمها على أن تنساق وراء مسلمات ايديولوجية، أباحت المحظور وجعلت الممنوع مرغوبا .
ابنتنا الرقيقة الاحساس، العذبة المشاعر، الحاملة للرسالة الأنثوية في الحياة، البريئة المتطلعة لحياة أسرية مستقرة لم يأذن الخالق لها أن تتحقق لأسباب وظروف، فلم نرحمها ، وما أن تخطت الثلاثين حتى سارعنا لنعتها ب : * العانس *.
الزهرة التي أذبلتها كلماتنا الجارحة، وقتلتها نظراتنا السامة، واستصغرتها أعين النفوس المتعفنة، وبدل أن تأخذ بيدها الى بر الأمان، وتدعمها نفسيا وايمانيا زودت من عذاباتها، وسقتها مرارا وحنظلا لترحل بسمتها، ويشحب وجهها، وينحل جسمها، وتعتزل العالم .
هذه المخلوقة، بأي ذنب قتلت ؟
تحت أي طائلة نعاقبها؟ وماذا نريد منها؟
هروبا من صفة * عانس* سارعت بعض العائلات الى عرض بناتهن للزواج من كل ذي مرتدي سروال، وهروبا من شبح * عانس* تنازلت فتيات عن حقوق عدة منحها الشرع واعتادها العرف، وهروبا من الوقوع في شراك * عانس* أقبلت فتيات على بيع أنفسهن بالرخيص، وارغام الطرف الآخر على الزواج منهن.
 مباركة لكلمة * عانس * وجد النصابون ضالتهم في المتأخرات عن الزواج، فضحكوا من واقعهن وسودوا عيشتهن أكثر فأكثر، وفرارا من وحشية * عانس* رمت الكثيرات بأنفسهن في أحضان المشعوذين والدجالين فكانت النتائج مأساوية .
وهنا يطرح السؤال : هل أتت الفتاة للحياة لتتزوج فقط ؟
ألا يوجد شيء في الحياة غير تزويجها وووضعها تحت رحمة رجل لايهم ان كان سيعاملها بالمعروف أم لا؟
لماذا نقتل في بناتنا طهر الانسانية، وحب الكرامة، والرضا بالنصيب؟
سئلت الموؤودة في القرآن الكريم عن ذنب قتلها، ونسأل اليوم نفس الموؤودة عن نفس الذنب، وان اختلف مدلول القتل هنا من قتل مادي الى قتل مجازي، ضيع مستقبل البنت، وحطم أمانيها، وجعلها لقمة مستصاغة لكل الأفواه .
من غير اللائق استعمال لفظ * عانس * في وقتنا الراهن، وكلنا على علم بالمتغيرات الاقثصادية والظروف الاجتماعية، والانتقالات السياسية، التي تعيشها بلداننا، آن الأوان لوضع الكلمة في القمامة بهدف التخلص من تبعاتها التي لم تجن منها مجتمعاتنا سوى الأمراض النفسية و العضوية، فتسلسلت العقد وتشابكت لدرجة صعب ايجاد حل لها .
لم تتميز الصغيرة المتزوجة عن الكبيرة بلا زواج  في شيء، فالأمر لايتعدى كونه مسؤوليات مضافة ملقاة على عاتق الأولى، وليس كل الصغيرات المتزوجات هن في مستوى هذه المسؤولية والعكس صحيح، كما ليس كل الكبيرات عمرا يفتقدن لعناصر نجاح زواجهن .
هي الأفكار و المعتقدات الخاطئة، هو التشبع بالرديء من الثقافات، هو الضغط القوي الذي ينشر خيوطه فيتيه المرء عن جادة الصواب، هي العجلة الرباعية المسرعة التي تتكون حروفها من عين وألف ونون وسين، تدوس على كل جميل، وتقتل في الفصول الربيع.
تم التركيز على الأنثى في الموضوع، والأصل أن الذكر هو الأخر يتأذى من اللفظ كلما بلغ من العمر ما بلغ، غير أن الضرر الذي يلحقه يكون يسيرا بالمقارنة مع رفيقته في الدرب، والتي توءد وأدا شبيها بالذي عرفته
زمن الجاهلية والظلام .
واجبنا أن نعطي للكينونة البشرية حقها، لا العمر يحدد المصير، ولا الجهل يتحكم في تسيير الأقدار، ليكن سلاحنا الايمان القوي بالقضاء والقدر خيره وشره، ولندع بناتنا ينعمن بالحياة الهنية أينما وجدنها، ولو بعيدا عن زقاق الزواج الذي تظل مفاتيحه بيد الرحمن أولا  وأخيرا .