الكاتب الصحفي: محمد السكري - مصر - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

إنها التاسعة صباحاً، الصمت يخيم علي المنزل بعد أن ذهب والداي للعمل، واخوتي لمدارسهم، مازال أمامي ثلاث ساعات على موعد المدرسة، حيث كنت أدرس في المرحلة المتوسطة، أخذت أدور في المنزل لا أعرف ماذا أفعل، وبعد تفكير عميق كان القرار، سوف أخرج علي العالم بثوب مختلف، نعم قررت أن أكون متسولاً فقد مللت حياتي الرتيبة. استرجعت في رأسي كل أبطال القصص البوليسية التي كنت مولع بقراءتها وكيف كانوا يتنكرون أثناء مهامهم السرية، بحثت كثيراً ولم أجد في المنزل ما يليق بملابس متسول محترف، إذن ليس هناك سواها، إنها تلك السيدة التي تساعد أمي في شؤون المنزل، أسرعت إلى منزلها وبعد الكثير من علامات الاستفهام والتعجب و مصمصة الشفاه والدعاء بالهداية وجدت عندها ثوب مهلهل، و نصف حذاء فقد معالمه و طاقية يبدو من رائحتها القذرة أن كلبهم العجوز قد بال عليها مراراً،  عدتُ إلى المنزل وبمنتهى الحماس بدأت العمل ،صبغت وجهي ورقبتي و يداي وقدماي باللون الأسود ثم إرتديت الثوب، وها هي الطاقية فوق رأسي، اففف يا إلهي سيغمي عليّ من الرائحة، بحثت في أدراج مكتب والدي حتى وجدت بقايا نظارة نظر قديمة بعين واحدة و مكسورة، ربطتها بخيط ثم وضعتها بالكاد فوق أنفي الصغير، وضعت بقايا الحذاء في قدمي، بحثت عن عصا كي أتوكأ عليها وأهش بها كلاب الحارة، فوجدت إيد مقشة (مكنسه) لا بأس تفي بالغرض ، نظرت في  المرآة ، OMG، مين الراجل ده؟
بدأت أتدرب في المنزل جيئة وذهاباً على مشية واحد يكون وسطه مخلوع  وبالكاد يجر قدميه جراً ،كدة تمااام. أغلقت باب المنزل  ويا كريم يارب توكلنا علي الله .استقبلني الشارع وأنا على أعتاب مغامرة لا أعرف من أين تبدأ ولا كيف ستنتهي، على بعد ٢٠ متر من المنزل جلست سيدتان من الجيران ، همست إحداهما  للأخري عندما رأتني: يا كبدي عليه، شايفه الراجل الغلبان ده يا أم سامح، شكله غريب مش من هنا، ما تنادي عليه يا اختي نجيب له حاجه يأكلها لوجه الله .
رفعت خالتي أم سامح صوتها المسرسع: تعالي يا حاج، اتفضل، ربنا يشفيك يا اخويا تعالى ،كانتا على بعد حوالي ١٠ أمتار مني ،ترددت في الذهاب فليس لديّ وقت أضيعه، ورايا تسول مش فاضي، نظرت لهما ثواني قبل أن أرفع  ايد المقشة في إتجاههما وكأني أحد آلهة الإغريق المتسولين يبارك لهم قعدتهم علي المصطبه. أكملت طريقي متجهاً للشارع العام وأنا في غاية الاستمتاع بنظرات الناس التي كانت مزيج من نظرات العطف و الاشمئزاز والقرف من رائحتي القذرة. يا فرج الله ها هو باب الكنيسة مفتوح علي مصراعيه، وما هي الا خطوات وكنت داخلها: وحدوووه.
في ساحة الكنيسة تجمع بعض صبية في مثل عمري، و ما إن وقع بصرهم عليّ الا وفروا سراعا تسبقهم صيحات الخوف ، الا هاني الذي وقف بلا حركة وكأن علي رأسه غراب نائم وقد ارتسم الرعب علي ملامحه - هاني مش الغراب- توقف هاني عن مضغ ما كان يأكله رغم امتلاء فمه بالطعام، مددت ذراعي على استقامتها ووضعته بهدوء على رأسه فإرتعب المسكين أكثر وقد هبطت رأسه واختفت رقبته حتى خلتها نزلت في صدره، وبصوت أجش سألته: أبوك اسمه فوزي وأمك اسمها فايزه؟ هز رأسه  دون أن ينطق وهو علي وشك البكاء وقد احمرّ خديه المكلبظتين، فربتُّ علي كتفه وأخذت منه الساندوتش، وباركته بحركه دائرية من إيد المقشه وخرجت من الكنيسة مسرعاً قبل أن يأتي من يباركني بالجزم و الشباشب. أكملت المسيرة حتى وصلت لمحل العم فتحي مكوجي الحي ،وقفت على باب المحل وبصوت متهدج:  فتحي.. فتحي هات شلن، وإذا بالعم فتحي بارك الله فيه يثور ثورة عارمة غير مبررة :فتحي مين يا ابن الكلب يا جزمة هو أنا بلعب معاك؟ إمشي من هنا لانزل أكسّر عظمك ،يلعن ابو منظرك.كان لدي العم فتحي إعتزاز كبير جداً بنفسه وكأنه  الملحق الثقافي في سفارة زنجبار لدرجة أنه كان يتعامل مع المكواة بكبرياء ومع الزباين بعزة نفس مبالغ فيها .
- طب هات قرش يا عم فتحي.
ولما لقيته بيدور علي حاجه كي يقذفني بها وقد ظهر الغضب علي حاجبيه الأرقطين اللذان إنعقدا على جبينه المتعرّج، آثرت السلامة وسحبت وسطي المخلوع ومشيت قبل أن تتبعتر كرامتي أمام الناس أكتر ما هي متبعتره
أكملت المشوار وقد رزقني الله من فضله الكثير، وقد كنت أتلقي الحسنات بصدر رحب ونية صادقة بانفاقها في شراء الكتب والمجلات، توجهت لمنزل صديقي الحميم الذي  لا يفارقني طرفة عين وهو خالد المخزنجي، وهنا كان التحدي الأكبر في المغامرة، طرقت الباب وكان خالد هو من فتحه لكنه بمجرد أن رٱني أغلقه في وجهي مباشرة ولا أعرف السبب. طرقت الباب مجدداً فتح خالد وظل ينظر لي دون أن ينطق،  وبلسان من يعاني من أمراض الدنيا وبنفس مقطوع: حاكه لله يا اوستاذ
- الله يحنن عليك
: كعان والله يا اوستاذ طب شوية رز
* يا عم امشي قلتلك مفيش رز إحنا الصبح رز ايه .وعندما همّ بإغلاق الباب أمسكته من كتفه بقوه : انت رايح فين هات اي حاجه
فاشتاط خالد غضباً ولكمني بقوة في صدري وهو يصيح: انت باين عليك راجل مجنون
وفي هذه اللحظة لم أستطع السيطرة علي نفسي وانفرطت من الضحك حتي جلست علي الأرض ثم خلعت النظارة ورفعت الطاقية
:كده مش عاوز تجيب طبق رز و بتضربني كمان يا مخزنجي؟
وقف خالد دون حراك فذكّرني  بهاني ابن عم فوزي، ظل يتطلع في وجهي ثم صاح: يخرب بييتك يا سكري، ايه اللي انت عامله ده؟ وايه الريحه الزفت دي جبتها منين؟
- سأحكي لك القصة ولكن هيا بنا كي أبدّل ملابسي ونلحق المدرسة.
 تباينت ردود الفعل عند كل من عرف القصة واذكر أن جارنا الدكتور جورج - أحد الضحايا- أعطاني جنيه مكافأة لإجادتي التنكر و التمثيل، ولما أبويا عرف الموضوع قال لي :مش قلت لك الروايات البوليسية دي هتبوّظ دماغك ، و لم يكن يعلم أني بعد عدة أيام هعمل مصيبة أكبر.