الكاتبة الصحفية : ريم عبد الباقي - السعودية - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

– بيض وجبنه، مش قد كده بس على قد الحال!
فرد قائلاً: مش شايفة الكاسيت والعصير وضحكتك، طب اقولك اللي أحلي من كل ده
… الونس معاك، وإحنا هنعوز إيه غير الونس؟!
في مشهد لطيف جداً من فيلم "فوتوكوبي" دار هذا الحوار بين محمود حميدة وشيرين رضا
عندما كانت تعتذر عن بساطة المائدة التي أعدتها..
 مشهد لم يتعد الدقائق، ولكنه لخص الكثير الكثير من المعاني.
توقفت كثيراً عند تلك الكلمة.. "الونس" النطق المبسط الدارج لكلمة الأنس..
كلمة بسيطة، ولكن عمق معناها يفوق طاقة الأبجدية كاملة في التعبير عن معناها الأشمل والأعم..
تأمل معي تلك الكلمة التي اختصرت هرم من المشاعر وتلال من الأحاسيس..
  بالفعل ما الذي يحتاجه أي إنسان في هذه الحياة أكثر من الإحساس بالأنس؟!
وفي أغنيتها الجميلة "بتونس بيك" من كلمات الشاعر عمر بطيشة أخبرتنا وردة الجزائرية الكثير عن تلك الكلمة المتعددة الطبقات المتشعبة المعاني بإبداع فائق.
فالأنس هو دفء الصحبة وسلام الروح، هو الطمأنينة وذهاب الوحشة، الأنس هو الألفة التي تبعث في النفس السكينة، تمحو الإحساس بالغربة، تتغلغل في الأعماق ويتفتح معها العقل ويزهو بها القلب في الحضور أو الغياب.
الأنس ليس خاتم في إصبع أو حالة اجتماعية في بطاقة أو اسم يقترن بآخر فكم من أزواج لا وجود للأنس بينهم وإن ساد الحب والمودة علاقتهم، ليست الصحبة أو الرفقة وليست رابطة الدم أيضاً.. هو شعور يتعدى في شموليته ورقيه وسموه كل ذلك.
قد تأنس بصحبة شخص يبعد عنك آلاف الأميال لمجرد الحديث معه، بمجرد وجوده حتى في لحظات صمته، قد تأنس بجوار حيوان أليف دون كل البشر ومن هنا يطلق على الحيوانات الأليفة أحيانا الحيوانات الأنيسة، هي كيمياء حيوية روحانية لا تفسير منطقي لها..
 لحظة التسامي التي تلتقي فيها روحان بانسجام مطلق، فيصبح كل شيء آخر هامشياً حينها، تأنس بالتواجد في نفس المدار حتى وإن كان افتراضياً، فتختفي الوحشة والخوف والقلق ويعم شعور بالرضا والامتنان، شعور بالامتلاء والاكتفاء.
الأنيس أو الونيس هو من يدخل على قلبك شعوراً أدفأ وأكثر إشباعاً بوجوده من مشاعر الحب أو السعادة.. يتسلل الضوء معه الى ثنايا الروح والزوايا المظلمة التي قد تتحاشى إظهارها لأي شخص آخر، لا حاجة للشرح أو الكثير من الكلمات فهو يعلم ويشعر بما في نفسك ولن يسيء فهمك، يتقبل ضعفك وزلاتك، مساوئك قبل حسناتك فما أبعدك عن الكمال لأنك إنسان، تمارس معه وفي وجوده عشوائيتك وعبثك وفوضويتك بكل براءة وحبور وتبعثر مشاعرك بين يديه بكل ثقة..
 يؤنسك بحديثه، ابتسامته، نظراته، لمعة عينيه، إيماءاته ولمساته، بمشاركتك الاستماع لأغنية تحبها أو هواية تمارسها أو حتى لحظات صمتك وسكونك..
 يؤكد لك في كل دقيقة بأنه موجود ولن يتخلى عنك..
يقرن البعض بكل جهل كبر السن بالحاجة لوجود الونيس، ففي اعتقادهم أن خفوت الوهج الدنيوي والهدوء الذي يعم وتيرة الحياة في ظل تلاشي الاحتياجات المعنوية الصاخبة أو الرغبات الجسدية القوية يدفع بالحاجة للمشاركة الوجدانية للطفو على السطح فتصبح هي الأهم، لكن في الواقع الحاجة الى الونيس ليس لها عمر أو وضع أو حالة هي احتياج إنساني مطلق وعام..
فإن كنت من المحظوظين الذين وجدوا الونيس أو قرين الروح في حياتهم، تشبث بتلك الروح الونيسة بكل طاقتك وأجمع من الذكريات معها ما يملأ عليك فراغ حياتك حتى وإن حان وقت الفراق.