بيروت - " وكالة أخبار المرأة "

المخرجة الفلسطينية اللبنانية مي المصري تمدُّ نظرتها بعين ذكية وقديرة. فقد استطاعت الوصول، بالعين المجردة الى أعماق الإنسان وأحاسيسه. كانت عينها الكاميرا القديرة، أكثر مما كانت الكاميرا عينها القديرة. جسدت واستحضرت بأعمالها السينمائية الكثيرة، صورة الحياة بأدق تفاصيلها ومعانيها، وذهبت عميقاً في استحضار المعنى والشعور من خلال الصورة وحركتها الصافية. أفلام سينمائية ووثائقية أنجزتها المصري، وكلها مزدحمة بقوة الفعل ونشاط الحركة وصحوة العقل والوعي الرصين. غاصت، بالصوت والصورة والحركة، في تفاصيل القضايا التي تشغل الإنسان والعالم، لامست الجرح والعذاب والأمل، وكانت الصورة النابضة والناطقة باسم الحياة.
مخرجة من طراز رفيع تقول ما تريد وما يريد أن يقوله الآخر، فمن خلال الشاشة الكبيرة حركت المشهد الراكد، وجعلته يتحرك بحيوية ابداعية راقية جداً. وفي افلامها السينمائية ما هو أبلغ وأقدر. فقد تمكنت من تحقيق الصورة التالية في المشهد ، مشهد المعاناة الفلسطينية . استطاعت أن تعكس، في فيلمها الروائي (3000 ليلة) معاناة المرأة الفلسطينية، أو المعاناة الكبيرة للمرأة الفلسطينية، وذلك من خلال قصة حقيقية لسيدة تضع مولودها داخل أحد السجون الإسرائيلية وهي مقيدة بالسلاسل. واللافت أن هذا المشهد السينمائي ــ الموقف الأخلاقي الكبير كان بمثابة نقطة التحول في الموقف والرأي، تحول نحو الأمل وليس سيراً في مساحة القهر (المتعارف عليها). ويروي الفيلم قصة المعلمة الشابة ليال، التي تعيش حياة زوجية هانئة في مدينتها المحتلة نابلس بالضفة الغربية قبل أن تتبدل حياتها بعد توقيفها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية، بتهمة مساعدة مراهق فلسطيني مشتبه بأنه شن هجوما على نقطة تفتيش. وتقول مي المصري ل “جنوبية” عن قصة الفيلم “:أنها تعرفت على تلك السيدة عن كثب، إثر تصويري لأحد أفلامي في مسقط رأسي نابلس خلال الانتفاضة الأولى”. وأردفت”: أخبرتني أنها أنجبت ابنها داخل سجن إسرائيلي. وهذا اللقاء معها كان بداية (مشوقة) لفكرة الفيلم”. وأضافت قائلة :” لقد تأثرت كثيرا بتجربتها، تجربة تلك المرأة المناضلة، خصوصاً عندما روت لي أنها أجبرت على الإنجاب وهي مقيدة بالسلاسل. وكيف تمكنت من تربية وليدها خلف القضبان. روت لي تفاصيل مذهلة ، وقمت بتدوينها . وبعد هذا اللقاء أجريت العديد من المقابلات مع سجينات أخريات ، وسرعان ما اكتشفت أن بعضهن عشن التجربة عينها في إنجاب الأولاد داخل السجون الإسرائلية. وكانت هذه المقابلات المادة والصورة التي حركت نبض الفيلم، وكيفية اختياري وتقطيعي وإخراجي لمشاهد وفصل الفيلم”.
 الفيلم الرصين والصارم والحاسم في توصيف مشهد المعاناة الفلسطينية يأخذ مشاهديه، طوال ساعتين، إلى حياة السجينات الفلسطينيات القادمات من عالم السياسة وإقامتهن مع سجينات إسرائيليات حوكمن بتهم جنائية خطيرة. وتشرح وتفسر مي قائلة: “في السجن تكتشف ليال أنها حامل، وسرعان ما تتعلم أن الاستسلام والانهيار والعوامل النفسية المدمرة التي تعيشها لن تفيدها، بل عليها أن تتسلح بالقوة والإرادة لتواجه الصعوبة والعذاب والقهر. ومع الوقت تتعرف الشابةــ الأم السجينة إلى نفسها أكثر، وتواجه مصيرها متمسكة بالأمل ومتضامنة مع السجينات الأخريات اللواتي، فهمن باكراً أن اتحادهن هو سلاحهن الوحيد لمحاربة ما يواجهنه من قمع. وعندما تنجب البطلة ابنها (فلسطين) داخل السجن وهي مقيدة بالسلاسل يعيش المشاهد (مشاهد الفيلم) حياتها اليومية مع طفلها في لقطات ومشاهد مؤثرة جداً ، جمعت بين الواقع المرير ومشاعر الأمومة”. تعترف المخرجة مي المصري “أنها أرادت بث الصورة على حقيقتها القاسية والمعبرة “، لتكون عاملاً مؤثراً في الذات المتلقية والمتابعة لمجريات ووقائع الفيلم :”لقد أردت بهذه المشاهد أن يتأثر الجمهور وأن تكون اللمسة الإنسانية هي الحاضرة والطاغية والمؤثرة والفاعلة، وفي الوقت نفسه أن تكون هذه الأعمال مصدر وحي له ، كي يغير ويساهم ويناضل بكل ما أوتي من أمل، وإن على طريقته، بكل ما يقدر وبكل ما يمكن أن يقدمه ويساعد ويكشف ويفضح حقيقة الظلم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت نير العنصرية الصهيونية. تماما كما حصل معي عندما استمعت إلى قصص النساء في السجون الإسرائيلية. أرغب بشدة بأن أتمكن من أن ألمس روح الجمهور وأن أبث في داخله اللمسة الإنسانية، والأهم هو الأمل. الأمل هو القوة التي تحمي النفس وتساعدها على الوصول الى الهدف النبيل”. وعن السجن الذي صورت فيه الفيلم تقول مي :” في هذا السجن كان المشهد الحقيقي والمعاناة الحقيقية.السجن الذي صورنا فيه هذا الفيلم كان بمثابة استعارة للظروف التي يعيش فيها كل فلسطيني. (ما يقارب المليون فلسطيني حجزوا في السجون الإسرائيلية). وربما كانت مشاهد السجن مطابقة تماماً لتلك المعاناة التي جهدت لإبرازها في الفيلم”.
تاريخ المخرجة مي المصري حافل بالإنجازات والأفلام الوثائقية . فقد قدمت سابقاً العديد من الأفلام الوثائقية والهامة في مضمونها ومحتواها ، لكن فيلمها (3000ليلة) يختلف عن سياقات أفلامها وأعمالها السابقة”. وتقول مي عن كواليس فيلمها :”أذكر جيدا هذا الشعور الثقيل بالمسؤولية لاسيما وأنني كنت أصور فيلمي الروائي الأول ولم أكن أنام سوى ساعات قليلة جدا. واليوم أستطيع أن أضحك عندما أتذكر ساعات التصوير الطويلة. وعندما أنظر إلى تلك الأيام أؤكد أن فريق العمل والممثلين هم الذين عاشوا لحظات المرح الحقيقية لاسيما وسط الدموع الغزيرة والضحكات غير المكبوحة التي سيطرت على أجواء التصوير”.
وفي جوابها عن كيفية اختيار السجن الإفتراضي لهذا الفيلم قالت مي :” لقد تم تصوير هذا الفيلم، في أحد السجون العسكرية في مدينة الزرقاء على مقربة من العاصمة الأردنية، وعملت مع فريق عمل على تجهيز المكان المختار ليكون انعكاسا حقيقيا لسجن إسرائيلي، والحمدلله نجحنا في بناء الشكل المطلوب لتحقيق غاية المعنى الدفين والعميق في النفس… ودعني أعترف هنا، إن تصوير الفيلم داخل سجن حقيقي أعطى العمل الكثير من المصداقية للقصة، رفع من مستوى المصداقية الى أعلى القمة.
 وأيضاً هناك فضل كبير لأداء الممثلات. فقد وضعنا الممثلات داخل إطار يعكس القضبان لنعزز من الشعور بالحجز. اشتغلنا بحبكة كبيرة ومحكمة، ونجحنا في التوصيف والتعبير”.
أما المشهدية والإخراج ، فتصفهما مي “بالحاجة الماسة لنبض الفيلم” : “لقد شددنا على لعبة الأضواء لنظهر التفاوت بين الليل والنهار. وكانت الأصوات الخلفية تمثل الانعكاس الحقيقي لأصوات السجون الحقيقية. وأعني بذلك إغلاق الأبواب بقوة وأصوات السلاسل وقفل الأبواب.
وأرى أن هذه الأصوات تعطي أبعاداً كثيرة للفيلم.حتى أننا بتنا نشعر أننا نعيش في الأسر الحقيقي مع كل هذا العذاب وأشكال الظلم الذي جسدناها في المشهدية وفي الإخراج”. ونال فيلم (3000 ليلة) جائزة الجمهور في مهرجان الفيلم الأول الدولي في فرنسا ، وجائزة لجنة التحكيم في المهرجان السينمائي لحقوق الإنسان في سويسرا، وجائزة لجنة التحكيم في العروض الدولية لأفلام وتلفزيون المرأة في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة ،وجائزة الجمهور في مهرجان بلد الوليد السينمائي في إسبانيا.