حوار- طامي السميري - الرياض - " وكالة أخبار المرأة "

رواية "امرأة"، والتي تعتبرُ أوَّلَ رواية نسويَّة في إيطاليا، انتشرت انتشارًا باهرًا في كل أنحاء أوروبا، بل وتُرجمت إلى لغات كثيرة، لم تكن العربيّة بينها، وقد تصدت المترجمة دلال نصرالله لترجمة هذه الرواية، وفي هذا الحوار نتعرف على كواليس ترجمة رواية "امرأة":
* في ترجمتك لرواية امرأة للكاتبة الإيطالية سيبيلا أليرامو كان لديك اهتمام بالغ بها، ما سر هذا الحماس لتلك الرواية؟
- سر الحماس هو شعوري أنّي أمام كنز عظيم، ذلك لأنّ الرّواية نُشرت عام 1906 في إيطاليا باسم مستعار لسيّدة كتَبت مذكراتها على شكل رواية مخافة أنْ تُكتشف هُويّتها الحقيقيّة، وزادني حماسًا حقيقة أنّ الرّواية قد انتشرت انتشارًا باهرًا في كل أنحاء أوروبا، بل وتُرجمت إلى لغات كثيرة، لم تكن العربيّة بينها. نتحدّث هنا عن رواية شقّت طريقها إلى الأوساط الأكاديميّة وباتت تُدرّس باعتبارها أوّل رواية نسويّة إيطاليّة.
    صحيح أنّ الموضوع مُكرّر ونعايشه في حيوات النّساء يوميًّاً في الشّرق الأوسط على سبيل المثال، إلّا أنّ هناك ناحية لم يُسلّط عليها الضوء وشبه مجهولة بالنّسبة لنا؛ ألا وهي معاناة المرأة الإيطاليّة في وسط ذكوري. «امرأة» لسيبيلّا أليرامو: رواية كُتبت باسم مستعار، وبطلة بلا اسم، ونهاية مجهولة، هذه أمور تستحق الالتفات لها عند قراءة الكتاب، رواية بسيطة في ظاهرها، لكنّها تؤرخ لفترة مهمّة في التّاريخ الإيطالي، وتعرّفنا على قوانين انحازت للرّجل ومنعت المرأة من أبسط حق لها؛ حق حضانة الأبناء، كما نلاحظ فيها دور الفوارق الطّبقيّة في تشكيل المجتمع الإيطالي، موطن الجمال فيها، ولعلّه السّبب الرّئيس الذي دفعني لترجمتها هو أنّ البطلة لا تمثّل دور الضّحية ولم تستعذب الألم كما استعذبته والدتها، ولم تحاول التّكيف مع واقعها، لأنّها لاحظت برؤية ثاقبة مصير نساء عائلتها، قرأتُ قبل فترة كتاب «تاريخ الجنون»، وآلمني عدم تطرقه لمسألة الجنون عند النّساء، وهذا تهميشٌ بَيّن لفئة لا يجب تجاهلها، أمّا سيبيلّا أليرامو فقد تطرّقت بتفصيل لمراحل الجنون، بدءًا من اكتئاب والدتها ووصولًا إلى الطّب النّفسي، البطلة المحوريّة هنا مكافحة وقويّة، عملت بين الرّجال في مصنع والدها، وحضرت الصّالونات الثّقافيّة، ثمّ عملت في مجال الصّحافة والتّطوّع، «امرأة» مجهولة بلا (أل) تعريف، عايشت صراعات نفسيّة موجعة لحرمانها من فلذة كبدها، لكنّها وجدت في الكتابة متنفّسًا، ممّا ساهم في تغيير عادات وقوانين إيطاليّة.
* عندما تم تكليفك بترجمة رواية «امرأة»، ما التحضيرات التي قمت بها لتساعدك في إنجاز ترجمة هذه الرواية؟
- تعرّفت إلى هذه الرّواية بعد قراءة قائمة الكتب المطلوب منّا قراءتها قبل بدء دراسة الأدب الإيطالي، فرشّحتها لدار المدى التي أبدت موافقة فوريّة لترجمتها، بعدها بدأت مرحلة البحث في قواعد البيانات الأكاديميّة عمّا كُتب عن هذه الرّواية، وكوّنتُ صورة كاملة عن أهميّتها في ذهني، شرعت بعدها في التّعرّف إلى سيرة حياة رينا فاتشو (الاسم الحقيقي للكاتبة)، ثمّ بدأت مرحلة ترجمة الرّواية. أي أنّي ترجمت العمل قبل قراءته، وهذه عادة راسخة تكفل لي الاستمتاع بعملية التّرجمة، عادة لها سلبيّاتها التي لا تُذكر أمام الدّهشة التي أشعر بها وأنا أستكشف تفاصيل العمل، وفعلًا هذا ما حدث حين قرأت نهاية الحكاية، بعد التّرجمة الأولى الحرفيّة، أعدت ترجمة التّرجمة لتليق بالنّص الأصل وتصل الرّسالة بيسر للقارئ.
* ترجمة العمل قبل قراءته، ما سلبيات هذه العادة في ترجمتك للروايات؟ وما إيجابياتها؟
- في هذه العمليّة نسبة وتناسب، لكنّها تلائم شخصيّتي تمامًا، أشرع في ترجمة العمل أوّل مرّة بعين القارئ، فأضرب عصفورين بحجر، ترجمة وقراءة واعية متمهّلة، وهذه أبرز ميزة، أمّا من ناحية السّلبيات، فالعمليّة تنطوي على وجود مجهول، والإنسان عدو ما يجهل، فلسفيًّاً. لذا أعيش حالة من التّرقب لئلّا أفاجأ بمُنغصات تُفسد متعتي وأنا أترجم.
* بما أن رواية امرأة تعتبرُ أوَّلَ رواية نسويَّة في إيطاليا، موضوعها النسوي كيف كان تأثيره عليك أثناء الترجمة؟
- عاهدت نفسي أنْ أترجم أمورًا تهتم بشؤون النّساء، وهذا أقل ما يمكنني فعله بحكم تخصصي، سَبَق ترجمتي لرواية «امرأة» رواية «امتلاك سر البهجة» لأليس ووكر، وكان موضوعها حسّاسًا، أصابني بالاكتئاب وأبكاني وأنا أترجم تلك الرّواية، قرّرت بعدها ترجمة موضوعات أخرى لا تهتم بشؤون النّساء، لكنّي ما لبثت أنْ تراجعت عن رأيي بعد معرفة أهميّة رواية «امرأة». ما كانت عمليّة التّرجمة سهلة لأنّي تعاطفت مع سيّدة فقدت بطريقة أو بأخرى والدتها، وأباها، وزوجها، وحبيبها، وابنها، تقول الأديبة سحر خليفة في كتابها روايتي لروايتي: «ما أشبه المرأة بالمرأة!»؛ عبارة صحيحة لا غبار على حقيقتها. تختلف البقاع الجغرافيّة، وتتشابه آلام النّساء النّفسيّة والجسديّة قطعًا. «المرأة أقدر على إيصال صوت المرأة، والتّرجمة صوتي، وهذا عمل يجب أنْ تترجمه امرأة، هذا عمل يجب أنْ أُترجمه أنا»، هذا ما قلته لنفسي أثناء التّرجمة، ولم أندم عليه حتّى يومنا هذا.
*بما أنك عاهدت نفسك ترجمة أمور تهتم بشؤون النّساء، هذا الانحياز النسوي إلى أي حد كان مؤثراً في نوعية الروايات التي قمتِ بترجمتها؟
- أتساءل الآن: هل أنا منحازة نسويًّاً؟ وهل النّسويّة تهمة من الأساس؟ العار هو أنْ تغض المرأة الطّرف عن معاناة أختها المرأة، السّكوت يعني التّناسي أو النّسيان، وأنا أرفض تناسي أو نسيان نكباتهن، وإذا وجدت كتابًا يستحق ترجمته، فسأترجمه، هدفي الأساسي الذي أذكّر نفسي به لكيلا أحيد عنه هو ملء شاغر في المكتبة العربيّة، بكتاب يُضيف جديدًا في مجاله، سواء في مجال الرّسائل، أو السينما، أو الأوبرا، أو أي مجال معرفي آخر.
* للمؤلفة أعمال أخرى هل اطلعت عليها؟ وهل أفادك ذلك الاطلاع؟
- صحيح، لسيبيلّا أليرامو مؤلّفات أخرى، غير أنّها لم تفدني. تُجسّد هذه الرّواية المرحلة الأولى من حياة كاتبتها، من المراهقة وإلى الشّباب. في حين أنّ أعمالها الأخرى تدور حول مراحل لاحقة من حياتها، دارت في خلدي أسئلة كثيرة بعد الانتهاء من ترجمة الكتاب وطباعته، أسئلة وجدت إجابتها في كتابيْن آخريْن: مُذكّراتها ومراسلاتها مع الشّاعر دينو كامبانا. استُلهم من هذه المراسلات فيلم سينمائي، عنوانه: رحلة اسمها حب. قصيرةٌ من طويلة، أفادتني أعمال سيبيلّا أليرامو على المستوى المعنوي لإشباع فضول يتعلّق بحياتها، لا على المستوى التّرجمة.
    المقدّمة للرواية قد تفسد متعة القارئ
* في سياق اللغة الإيطالية، كيف تنظرين إلى اللغة التي تكتب سيبيلا أليرامو مقارنة بالكتاب الإيطاليين الآخرين؟
- بتحليل لغة السّرد الرّوائيّة نلاحظ استخدام الأفعال بالزّمنيْن الماضي والمضارع، وهذا التّغيير يوحي باستكشافها لذاتها. يتماهى السّرد بين ذاتيْن فلا نعرف أذاتُ الكاتبة أم ذات البطلة من تصف الأحداث؟ وهنا نستخلص أنّ رحلة استكشاف الذّات عبر الكتابة، ما هي إلّا خلقٌ للذات. تكرار استخدام ضمير المتكلم المفرد (io) بصورة مبالغة فيها في بعض الفقرات لا يستدعي النّسويّة المجتمعيّة في الذّهن، بل النّسويّة الفردانيّة. فهل الكتاب رواية أم سيرة ذاتيّة؟ توصيف الأحداث بطريقة متداخلة هستيريّة من وجهة نظر امرأة في مواضع معيّنة فيه انفصال عن الذّات أو «سحق» لها حسب تعبير فرويد، وهو ما يمكن تفسيره بالخوف من الجنون بسبب الضّغط النّفسي، كل ما سبق ركيزة قامت عليها بُنية روايات أخرى، منها روايات إلينا فيرّانتي وأنّا ماريّا أورتيزي.
* هل أنت مع أو ضد تخصص المترجم في ترجمة أعمال لروائي محدد؟
- لم أكوّن رأيًا قاطعًا بخصوص هذه المسألة حتّى الآن، من الكُتّاب من تستدعي أعمالهم توحيد الأسلوب عند التّرجمة، أي الاستعانة بجهود مترجم واحد لكل الأعمال الرّوائيّة، ومن الكُتاب من لهم نمط مختلف مع كل مُنجز جديد؛ أي يتّبعون التّيار التّجريبي، ممّا يُجبر المترجم على تغيير نهجه ومفرداته وأدواته بين عمل وآخر لذات الكاتب، وفي هذا الحال فقط أفضّل وجود أكثر من مترجم لذات الكاتب.
* كل رواية يترجمها المترجم تترك أثرها عليه، وبشكل عام كيف هي آثار تلك الروايات التي قمتِ بترجمتها وبشكل خاص رواية امرأة للكاتبة الإيطالية سيبيلا أليرامو؟
- من بين الكتب العشرة التي ترجمتها حتّى الآن، ثلاث روايات فقط:، الأولى: تتمحور حول قضيّة ختان النّساء، والثّانية: عن عاشقة للكتب، والثّالثة: عن امرأة تمثل أغلب نساء العالم. ما زلت أتذكّر الألم الذي تركته رواية امتلاك سر البهجة في روحي. أثارت تلك الرّواية فيني وجعًا، وتقزّزًا، ومقتًا لجهل يقود المجتمعات لظلم ووأد النّساء. رواية امرأة أقل وطئًا من ناحية الألم، ذلك لأنّ الكاتبة ليس لها امتداد مكاني، لكنّها لاحظت الجَمرة المتّقدة بالمعاناة في حياة والدتها وحياتها. حكايتها تشبه حكاية أغلب النّساء المحيطات بي، أثارت فيني تساؤلات كثيرة لا إجابات لها عن قضايا لا حلول جذريّة لها، أوجاع النّساء وتعبهن وهواجسهن وخيباتهن وخساراتهن هو هو لم يتغير لا بتغيّر الزّمان، ولا المكان، في القلب حسرة علينا.
* لماذا كانت رواية «امرأة» بلا مقدمة من المترجمة؟ وإلى أي حد قناعتك بجدوى المقدمة التي يكتبها عادة المترجم في بعض الروايات؟
- المقدّمة لهذا الرّواية ستحصرها في إطار واحد، ممّا يقلّل عدد قرائها، أنا مع المقدّمة إذا كانت ستقدّم جديدًا من وجهة نظر المترجم من دون إفساد لمتعة القارئ، وإذا كانت ستشرح منهجيّة المترجم التي ستعود بنفع على معشر المترجمين، وإذا كانت ستبرز أهميّة الكتاب في مجاله.