الدكتورة : سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

لا يمكن أن تخدعك...
لا يمكن أن تتخلى عنك...
لا يمكن أن تعرضك للصدمات...
إنها القدرة على قراءة الأرواح، وهي لا تعني بأي شكل التواصل مع الأرواح الميتة ولكن قراءة الأرواح الحية التي تعيش حولنا والتي نعيش معها. فما هي هذه القراءة؟ ولماذا هي غير مفهومة وغامضة؟ يمكننا القول بأنها قراءة النفس البشرية ولكنها أعمق من قراءة النفس، فعلم الفراسة قد حل أجزاء كثيرة من طلاسم النفس البشرية، ولكنها أعمق وأوسع من ذلك.
الروح في أصلها سر من أسرار الله تعالى، ورغم كونها سر إلهي إلا أننا نعيش بها وتعيش بنا، هي حولنا في كل لحظات حياتنا سواء فيما يتعلق بأرواحنا الذاتية أو أرواح من حولنا، يمكننا أن نشعر بها بذبذبات متفاوتة حسب شفافية كل انسان وشعوره بتفاصيل كل ما يدور حوله؛ هي تتجاوب مع الأفعال وردود الأفعال، يوجد لكل كلمة وكل حركة في الوجود صدى في أعماقها، هي تسمع كل شيء، تفهم كل شيء، تعرف كل التفاصيل، تتحدث معك في كل ثانية، وتحدث من حولك عنك حتى  وأنت نائم لأنها لا تنام، لا تغفو هي مستيقظة طالما أن الوجود في حركة دائمة وكأنها تدور بدوران هذا الكون. ورغم كل هذا لا تسمعها، لا صوت لها، تحرك كل دوافعنا الذاتية والنفسية دون أن تصدر الأوامر، ننساق لإرادتها رغم أنها غير محسوسة ولا ملموسة، الروح هي المحرك الأكثر تأثيراً وقوةً في وجودنا.
ومن هنا تكمن أهمية قراءة هذه الروح، ولتشعر بها يكفي فقط أن تجلس في صالة ممتلئة بالأشخاص، فإن كانت صالة سفر سوف تشعر بشيء ينتعش في وجوه من حولك، شوق لشخصٍ ما، تشوق لرؤية مكانٍ ما، أما إن كانت صالة في مستشفى فتشعر بوطأة المعاناة حتى ولو يصرخ أحد، هناك ثقل في الأروح وانسحاب قاتم يجعلك تريد أن تغادر بأسرع ما يمكن، أما صالة الأفراح فهي خفة الروح وانتعاشها ونسيان تفاصيل الحياة الثقيلة. وهكذا يفرض المكان على الروح سمات خاصة متعلقة بذلك المكان، فالروح شديدة التأثر بالأمكنة وبالكلمات، لذلك يهتم علماء النفس أشد الاهتمام بانتقاء الكلمات، فلماذا يهتمون بذلك؟ السبب هو أن الروح هي من تتأثر، العقل يمكنه أن يحلل بشكل منطقي الكلمات السلبية التي يمكن أن تصدر عن شخص غاضب أو غيور أو حاقد، ولكن الروح لشدة شفافيتها لا تحلل بشكل منطقي بل بشكل فطري، فتتأثر بالكلمات وتترك بها ندوب عميقة ولا تزول الكلمات السلبية من ذاكرتها لشدة نقائها.
حين يتمكن الانسان من قراءة أرواح من حوله بالاستماع المرهف لنبرة الصوت، الانتباه للنظرات وفلتات اللسان، عبر النظرات المتبادلة التي تخبرك بكل صدق إن كان الشخص الآخر متعب أو محبط أو سعيد، فالعيون هي النافذة الوحيدة لعالم الروح. ولكن لا يمكن قراءة الأرواح دون أن يكون الانسان متمتعاً بنقاء نفسي وبتجرد من الأحقاد، وأن يكون محباً للوجود وللناس، أن يمتلك من الرحمة أكثر مما يمتلك من العدل، أي أن قراءة الأرواح ترتبط بصفات الأرواح الأساسية وهي النقاء، الصدق، الوفاء، التعاطف، فنعود في كل زوايا الحياة إلى الصفات العليا السامية للإنسان فهي فقط التي تمكنه من معرفة نفسه ومعرفة من حوله.
وبماذا تفيدنا هذه القراءة؟ إنها تجنبنا الكثير من المشاكل بل الكوارث في الحياة العامة والخاصة، أن تتعرف على أعماق من حولك هو أن تتجاوز تعقيدات كثيرة وأن تكون على تواصل نفسي يمكنك من حل المشاكل بسهولة وبأسرع وقت. هذه القراءة تجعلك محباً للإيمان وليس مضطراً إليه لأنك تشعر بكل لحظة بعظمة الخالق عبر هذا المحرك العظيم الذي يحرك حياتنا دون أن نراه أو نلمسه، شيء غير منظور ولكنه يحرك أكواننا الكبيرة والصغيرة، هذه القراءة تمكنك من الانسحاب من العالم الذي حولك وأن تكون على اتصال مع ذاتك الداخلية فلا تحتاج لمن يتحدث معك ولن تشعر بالملل لأنه هناك حديث داخلي صامت ثري مع روحك وذاتك الدفينة. ومن أمتلك هذه القدرة فقد امتلك كنزاً لا يفني، يمتلكه في حياته ولا يفارقه حتى بعد موته، الروح هي الصلة الوحيدة التي تربط الحياة بالموت، الصلة الوحيدة التي تقولك لك بأنك لا تفنى ولكنك ترحل لعالم آخر، لذلك هي أشد الأشياء أهمية في حياتنا، ولذلك لابد أن نصغي لها، لابد أن نمتلك علاقة معها، فهناك من يعيش ويموت دون تواصل مع هذه الروح وهي خسارة كبيرة، نحن لا نعرف سر هذه الروح ولكننا نعرف أنها موجودة ونشعر بها بكل ثانية في حياتنا فلماذا نعجز عن الإصغاء لها في ذواتنا وفي ذوات من حولنا؟ لماذا يبدو التواصل معها بهذه الصعوبة؟
لأننا غرقنا في ماديات الحياة، لأننا نؤمن بما نرى وننسى أنه هناك إيمان أقوى بما لا نرى، لأننا فقدنا التواصل مع موجات تعتري الروح وتغير حتى مصير كل منا ولكننا لا نشعر بها، لا نقرأها، فهذه القراءة تحتاج لإيمان بما لا نرى أقوى من إيماننا بما نرى، تحتاج للتخلي عن التشبث بماديات الحياة، والبحث عن متعة أعلى من المتع المادية، متعة روحية نقية صافية بلا شوائب، متعة تنقلك لعوالم أخرى لا تراها ولكنها حية فإن أدركتها فكل تفاصيل حياتك ستتغير وترى كم أن العالم المادي صغير وضيق وخانق.