شريف الشافعي - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

في رحلة تقصّي خصائص الكتابة الإبداعية الجديدة في السعودية، لاسيّما النتاج القصصي والروائي للأقلام النسائية المعاصرة بالمملكة، يتجلى أن المرأة السعودية قد تمكّنت على نحو كبير في اللحظة التاريخية الراهنة من إظهار شجونها وهمومها وتطلعاتها من خلال الأدب، وإبراز آلامها وآمالها، وتصوير معاناتها وتذمرها وقلقها النفسي، والإفصاح بجسارة عن توقها إلى التحرر من القيود المتخلفة التي تحاصرها. ويبدو التعبير الأدبي بصيغه المتنوّعة وقد شكّل بوابة مثالية لاندلاع ثورة نسوية، حقيقية ومجازية، على كل المستويات.
ولا تزال قليلة الأطروحات التخصصية، المنهجية والأكاديمية، التي تتعاطى بشكل تفصيلي، تنظيري وتطبيقي، مع السرد السعودي الجديد، متناولة باستفاضة أبرز خصائصه وظواهره وتشكلاته وتحولاته عبر نماذجه الرصينة وتجلياته النوعية في القصة القصيرة والرواية خلال السنوات الأخيرة. ومن أخصب الأعمال في هذا المضمار كتاب "ترقينات سردية – دراسات في الأدب السعودي المعاصر" للناقد المصري مصطفى الضبع، الصادر حديثًا عن مؤسسة الانتشار العربي، ونادي الحدود الشمالية الأدبي، وفيه يعنى على نحو خاص بإبداعات الأقلام الأنثوية الثائرة والمتمردة.
أكثر من مئتين وثمانين صفحة أفردها أستاذ البلاغة والنقد في جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل للتفاعل التحليلي مع حصيلة المدوّنة السردية السعودية، منذ لقائه الأول بها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إذ تعرّف آنذاك بعالم عبد الله باخشوين في مجموعته القصصية "الحفلة"، مروراً بمتابعاته لأعمال أسماء راسخة من قبيل: عبد الرحمن منيف، وغازي القصيبي، وإبراهيم الناصر الحميدان، وعبد العزيز مشري، وصولًا إلى قراءاته أعمال مبدعي الأجيال التالية والجديدة حتى يومنا هذا، ممن يدلون بدلوهم في تيار السرد العربي الحديث، ومنهم: يوسف المحيميد، وعبد الفتاح أبو مدين، وفهد العتيق، وجبير المليحان، وخالد اليوسف، وعبده خال، وإبراهيم مضواح، وأحمد أبو دهمان، وغيرهم.
أمران لافتان في منجز مصطفى الضبع حول السرد السعودي المعاصر، الأول: عنايته المفرطة بالكتابة النسوية المتوهجة في منظومة المدوّنة السردية السعودية بتخصيص مباحث منفردة لها. وقد عَرفت تلك النسخة الأنثوية طريقها إلى الوجود في مرحلة تالية لنشأة القصة السعودية الحديثة، التي تُنسب ريادتها إلى أحمد السباعي في مجموعته القصصية "خالتي كدرجان" في أربعينيات القرن الماضي. أما الأمر الثاني: فهو حرصه على تدقيق المصطلحات النقدية الجديدة واعتمادها ونحتها وتطويعها للاستعمال المرن السلس.


في ما يتعلق بالاهتمام الشديد بالحضور النسوي في المدونة السردية السعودية، وتفجّرات الكتابة المتمردة، يشتمل الكتاب على شواهد كثيرة، من أكثرها وضوحًا فصل أفرده الباحث لدراسة جماليات القصة القصيرة السعودية في نسختها الأنثوية، وفصل آخر خصصه لدراسة العلامات السردية في قصص زكية العتيبي القصيرة، ومن هذه العلامات الدالة: الرجل، الأنوثة، التفاصيل، الرسائل، آليات المقاومة، وغيرها.
يعكس هذا التوجه في كتاب "ترقينات سردية" جهود سنوات طويلة سعت خلالها المرأة إلى الفكاك من القيود المحيطة بها من كل جانب، وإحراز التفوق الملموس في كتابة القصة والرواية، بتمثلاتهما الجادّة النخبوية، والدارجة الشعبية (البيست سيلرز) على السواء، فظهرت أسماء نسائية ناضجة أحيانًا، ومثيرة للجدل أحيانًا، من أجيال مختلفة، من أمثال: رجاء عالم، بدرية البشر، رجاء الصانع، سمر المقرن، أميمة الخميس، ليلى الجهني، وأخريات. ويميل مصطفى الضبع في كتابه إلى قراءة الأعمال القصصية والروائية من خلال ظواهرها المشتركة، وهكذا يمضي في تقصّيه "جماليات القصة القصيرة السعودية" (النسخة الأنثوية)، فيلتقط تقاطعات الرؤية والأسلوب لدى مجموعة من الكاتبات، منهن: نوال السويلم، وفاء كريديه، هديل الحضيف، سهام العبودي، فاطمة عبد الحميد، شمس علي، وغيرهن.
ومن خلال علاقة الكتابة الأنثوية السعودية بالأمور الاجتماعية المحلية، خصوصًا القضايا النسوية الشائكة، وكذلك علاقة الكتابة الإبداعية بالانشغالات الإنسانية على وجه العموم، يصل المؤلف إلى السمات الأساسية المؤطرة للقصة القصيرة بالمملكة في نسختها الأنثوية. وتقود الملامح المشتركة للأقلام النسائية إلى أن القصة القصيرة هي الفن الأقرب للتعبير عن روح العصر، وهو ما يعني بالضرورة قدرتها على اكتشاف الجمال، الكاشف بدوره عن قدرات الكاتبات بالمملكة. وإن هذا الفن القصصي، الذي أتاحته اللحظة التاريخية وظروف المجتمعين السعودي والعربي، هو الملجأ والمستراح والحجاب الشفيف، الذي تمكنت المرأة السعودية من خلاله أن تُظهر آلامها وتوتراتها وأوجاعها النفسية، ورغبتها في التحرر من الأغلال الرجعية التي تكبلّها، فراحت تكتشف في هذا الفن الغامض المكثف عالمها الخاص. ولم يكن كشف الخاص أو التعبير عنه تقريرًا يُكتب لبيان حالة أو إثبات واقعة، وإنما هو فن يأتي الجمال في مقدمة شروطه وضروراته.
ومن دواعي أهمية نصوص الأقلام الأنثوية المتمردة بالمملكة، أنها تتجسد فيها قدرة هؤلاء المبدعات على الكتابة بالأشياء، وليس مجرد الكتابة عنها. ويلتقط مصطفى الضبع نماذج من تلك الفنيات النسوية المعبرة عن سخط المرأة واستشعارها الانكسار، كما في مجموعة "الهجرة السرية للأشياء" لسهام العبودي، حيث تقول في إحدى قصصها: "حين لا يسعني أن أنجز للأشياء حالتها المثالية التي أتصورها، فإنني أهبها سكينتها الأبدية: أسكت صوتها الخفي، أمارس هذا كثيرًا مع الأكواب والأطباق المشروخة؛ أخلصها من نزيفها، وأنهي ألمها الداخلي، أهبها موتًا رحيمًا، أحطمها".
وفي قصتها "الرجل الغريب"، تجعل أميمة الخميس النافذة معادلًا موضوعيًّا لما هو داخل الأنثى التي تتولى أمر السرد، وتطرح تجربتها الإنسانية، وتأملاتها وتطلعاتها حول الانطلاق والتحرر، فالنافذة هي داخل الذات، والنظر إليها يكشف الداخل أكثر من الخارج، والضوء المنبعث ما هو إلا وعي الشخصية في كشفها العالم: "أتطلع عبر النافذة، حيث أشجار الحديقة ملتفة على أكمام صمتها، الجدران بيضاء شاحبة توغر صدري من أجل المزيد من الوحشة، فهي لم تكن يومًا شاشة ترتع فوقها أحلام يقظتي".
ومن نافذة التحرر، إلى "الانعتاق"، الذي يحيل إلى تراث العبودية، وتتخذه نورة الأحمري عنوانًا لإحدى قصصها، متسائلة: "ما معنى الحياة؟ سؤال كان ينخر في نفسي منذ أمد بعيد، ولم أتمكن من الإجابة عنه بأكثر من أنه انعتاق مهدى بالأمل الخالد إلينا". وهذا الانعتاق يشكّل حالة إنسانية تعني وجود وسطين: وسط يجتهد الإنسان في الانعتاق منه، ووسط ينعتق الإنسان إليه، حتى لو كان الانعتاق فكرة يعتنقها الإنسان للخروج من حالة ما، فالانعتاق يعتمد على قوة ذاتية تمنح الإنسان القدرة على الخروج من السلبي إلى ما يراه إيجابيًّا.
وترفع هيام المفلح الستار في قصتها "بحر الرماد" عن قدرة الأنامل الأنثوية على طرح الأسئلة، لفض مغاليق العالم، وانتقاد الواقع، واكتشاف دواخل النفوس، وإدانة الأوضاع الاجتماعية السائدة، التي تلقى المرأة السعودية فيها أشكال القهر المتنوعة: "أيها المراهق الجريء: من أين لمثلي أن تعرف ما هو الحب؟! في يوم وليلة صادروا طفولتي، قالوا إنكِ اليوم كبرتِ، وبعد ليالٍ معدودة حشروا جسدي الصغير في ثوب كبير، ثم أخرجوني من بيت أهلي مع رجل، لم يتجرأ نظري على ملامسة وجهه ولو خفية! أصبحت زوجة، وما عرفت: لماذا وكيف؟".
ويرى مصطفى الضبع أن صورة الرجل عند المرأة السعودية الساردة لا تفارق صورته في إطار العلاقة الإنسانية المعتادة، غير أن الغالب عليها صورة الشريك؛ شريك الحياة وشريك المشاعر وشريك الصراع أيضًا، ولا تنازعها سرديًّا إلا صورة الأب، بوصفه المرجعية الثقافية للأنثى، وبوصفه واضع قوانين المرحلة الحياتية ما قبل مرحلة الزواج. وقد تتخذ المرأة من نمطية الرجل رمزًا لاشتياقها إلى خلخلة الثوابت وإزاحة القيم البالية، كما في قصة "رجل في الشقة المقابلة" لوفاء كريديه: "كم ممل ذلك الرجل، دقيق في مواعيده، يهبط إلى الشارع في السادسة صباحًا ليمارس رياضة المشي، في السابعة يعود، يحضر قهوته الصباحية ويجلس على الشرفة يقرأ جريدته المعتادة، حركاته نفسها لا تتغير، التفاتاته القليلة على الشارع، وحتى مواعيد شروده".
وتقود قراءة مصطفى الضبع للعلامات السردية في قصص زكية العتيبي إلى اكتشاف تفاصيل أنثوية دقيقة تعكس نظرة المرأة إلى اللحظة القاسية والمجتمع المتحجر من حولها، كما في قصتها "حُبّ"، التي تقول فيها: "كنا صغارًا عندما حذرونا منه. شكوا. فتشوا. استرقوا السمع. وعندما كبرنا، تعرف هو علينا. ترك كل شيء، واختبأ في قلوبنا". وهي هنا تراهن على توسيع مفهوم الحب، الذي يعمل المجتمع على التضييق عليه ومحاولة طرده من القلوب والتخويف منه، لكنه في النهاية يخرج من دائرة التنكير المتعمدة إلى دائرة التعريف بنفسه، حين يصطاد القلوب ليستقر فيها، منتجًا مفارقته الخاصة التي يقوم عليها النص بالأساس، ومتمردًا على السلطة الجمعية للكبار، وقد مارسوها زمنًا على الصغار.
وتحمل كتابة المرأة المتمردة بالمملكة، في مجملها، وجوه المقاومة والمشاكسة والانفلات والرغبة في التغيير، على اعتبار أن الإبداع تحريض دائم على الاكتشاف، ما دامت هناك شراكة للعلاقة بين المرسل والمستقبل على أرضية من النص. ولعل ذاكرة الساردة الأولى "شهرزاد"، تحيل إلى أن المرأة هي الأذكى من الرجل، والأكثر قدرة على المقاومة، منذ معرفة الإنسان السرد وتوظيفه كوسيلة لتنمية الوعي الإنساني، وتعزيز الإرادة الحرة.
وفي ما يتعلق بالأمر الثاني الذي يهتم به مصطفى الضبع "المصطلحات"، فإن الكتاب يحتفي بالكثير منها، ليس فقط على مستوى التقعيد النقدي والتنظير المجرّد، وإنما على مستوى الاستخدام والممارسة والتمثيل كذلك، من خلال عشرات القصص القصيرة والروايات التي يجري تمحيصها تطبيقيًّا، فتتسع لسيولة هذه المصطلحات وتداولاتها الثرية المرنة.
ويتضح هذا الاحتفاء بالمصطلح بداية من العنوان "ترقينات سردية"، نسبة إلى ترقين الكتاب، بمعنى كتابته كتابة حسنة غير ملتبسة. وهذه الكتابة أيضًا وفق معاني كلمة "ترقين" في المعاجم قد يكون فيها قدر من الدسامة والتزيّن للظهور على أفضل وجه، ما يشير إلى أن النماذج السردية المختارة أو هذه "الترقينات" هي من عيون السرد السعودي وعلاماته الدالّة، بمنظور المؤلف. ومن جانب آخر، فإذا انسحب معنى "الترقين" على جهد الناقد في هذا الكتاب، فإنه قد يحيل إلى تزيين ما هو متحقق، والعمل على تجويد ما هو كائن، فالنقد يعمل على نص سابق، متحقق وكائن، بغرض أن يبرز جماله الموجود، مثلما يجري تزيين الثوب، الجميل أصلًا، بالزعفران، أو صبغه بالأصباغ، ليزداد ألقًا وبهاء.
وعلى امتداد فصول الكتاب، تتناثر المصطلحات التي يعالجها مصطفى الضبع معالجة خاصة، ويُكسبها قبولاً واستساغة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر توقفه عند "السرد جرافيا" في كتابات خالد اليوسف، ويقصد بها دراسة المصطلح السردي على نطاقه الببليوجرافي، بمعنى: كيف يلتقي النص في سرديته مع الجملة الببليوجرافية في أفقها المحكم؟ فيكون الاعتماد على المصطلح الإجرائي "السرد جرافيا" لاكتشاف المساحة البينية لعبور السارد إلى منطقة الببليوجرافيا، أو استقطابه لأدواتها. وعبر بوابة هذا المصطلح، يمكن أن تتكشف السمات المميزة لكتابات خالد اليوسف، الذي يعمل في مجال الببليوجرافيا وعلم المكتبات ويتعامل آنيًّا مع الوثائق والمعلومات والملفات. فمن خلال ثماني مجموعات قصصية له وثلاث روايات، يتبدى أن السارد يفيد من دقة الببليوجرافي، كما أنه يستخدم المعلومات ويوظفها ليمهّد للمتلقي طريقه لرسم عالم النص الأدبي أو استكشاف طريق الشخصيات توازيًا أو تقاطعًا. ويكاد اليوسف يُماهي بين مفهومه للببليوجرافيا، وللرواية، فكلّ منهما بحد تصوّره هو عمل تجتمع فيه صفات الربط والاختصار وسرعة الوصول إلى المعلومة حالًا، وتلك الرؤية هي أبرز ملامحه المميزة لكتابته السردية.
وفي سياق مشابه، يتطرق مصطفى الضبع إلى العوالم الفنية لمجموعة من كتّاب القصة والرواية السعوديين من خلال نوافذ المصطلحات، ومن ذلك قراءته لكتابات عبد الفتاح أبو مدين، بالتركيز على مفاهيم الإحكام، والقص، والتمييز بين نمطين أساسيين من السرد لديه؛ هما: "السرد المقصود لذاته"، الذي يستهدف النهوض برسالته عبر سردية تقليدية تشتغل على نظام سردي يحيل إلى النوع المعروف للسرد (القصة)، و"السرد المقصود لغيره"، الذي يتحقق عبر نوع آخر من الكتابة، حيث يكون للسرد طريقه إلى المتلقي، ممرّرًا عبر المقال وغيره من أشكال الكتابة.
ولا يتوقف لهاث مصطفى الضبع خلف أسرار المصطلح، حيث يستكشف أعمالًا لمبدعين آخرين من خلال مصطلح "الهوية المكانية" المهيمنة على السرد؛ خصوصًا القصة القصيرة. وفي هذا الصدد يلج إلى عوالم ثلاثة مؤلفين، هم: إبراهيم شحبي، وإبراهيم مضواح، وظافر الجبيري، متوقفًا عند الهوية المكانية في فعلها الجمالي وكيفية تحققها في النصوص وقدرتها على تحقيق دلالتها في قصص المبدعين الثلاثة المنتمين إلى منطقة عسير، باعتبار أن الهوية المكانية للنصوص هي العتبة المفتاحية للقراءة.
وفي قراءته لرواية "أبناء الأدهم" لجبير المليحان، يتكئ الناقد المصري على مصطلح "المعرفة السردية"، ويصل إلى أن الخصائص المعبّرة عن هذا الكاتب تتجسد بملاحظة انتمائه إلى المعرفة السردية، وهذه المعرفة المتحققة لديه ليست وقفًا على مطالعة الكتب، وإنما تتسع لتشمل تأمل العالم، وقراءة المشهد الإنساني بل والكوني بكل تفاصيله الممكنة، وهو ما يجعل من المعرفة لديه مقوّمًا أقوى لبلوغ النص مكانته الفنية، وهو مقوم يحققه قلة من الروائيين في ظل القوائم الأكثر ازدحامًا لكتابة الرواية العربية.