ناصر زيدان - لبنان - " وكالة أخبار المرأة "

غبار الأزمة السياسية والمعيشية القاتمة يحجب الرؤية عن حالة إنسانية في غاية الخطورة تعاني منها النساء في لبنان، وتدور في أوساطهن ندبيات مدوية ترثي معاناتهن التي تصل أحيانا إلى حد الكفر بالحياة التي تحمل مثل هذه المصاعب، ولا يقتصر الوجع من صعوبات الوضع على النساء اللبنانيات، بل يطول المرأة الفلسطينية في المخيمات المنتشرة بالمناطق اللبنانية، كذلك السوريات النازحات مع عائلاتهن، وهؤلاء وأولئك يتجاوز عددهن المليون من المقيمات اضطراريا في لبنان على أقل تقدير.
منتصف الشهر الجاري أطلقت منظمة «في ـ مايل» بالتعاون مع منظمة «بلان انترناشيونال» حملة إعلامية واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال نشاطات اجتماعية في مختلف المناطق، هدفت إلى الإضاءة على المأساة التي تعيشها المرأة في لبنان، بعدما أثبتت دراسة أجرتها شركة «ستاتيستك ليبانون» المتخصصة، أن 76% من النساء اللبنانيات غير قادرات على شراء حاجاتهن الخاصة من وسائل الوقاية الطبية والفوط الصحية، وأن سعر العلبة الصغير من هذه الفوط الصحية ارتفع من 4 آلاف ليرة لبنانية الى ما يزيد على 40 ألف ليرة، وهو ما تعجز عن تأمينه أي فتاة من العائلات ذات الدخل المحدود، حيث فقدت رواتب هؤلاء ما يزيد على 80% من قيمتها الشرائية بعدما وصل سعر صرف الدولار الأميركي الى 20 الف ليرة لبنانية، بينما كان في نهاية العام 2019 يوازي 1500 ليرة.
الجمعيات النسائية اللبنانية قامت بمجموعة من الأنشطة، وأصدرت البيانات المتعددة لحث المسؤولين على الإسراع في تشكيل حكومة توقف الانهيار الحاصل، وتبدأ بإصلاح الوضع المزري الذي وصلت إليه البلاد.
لكن صرخاتهن لم تلق آذانا صاغية لدى أصحاب القرار في الدولة، وهؤلاء يتمسكون بحجج تسويفية واهية، منها الخلاف على الصلاحيات وعلى توزيع الحصص الوزارية على الطوائف والأحزاب، رغم أن غالبية الشعب اللبناني لم تعد تبالي بأي اعتبارات حزبية او طائفية، وهمها تأمين مقومات العيش الأساسية من ماء وكهرباء ومحروقات ودواء وطعام، ووقف انهيار العملة الوطنية.
وتعاني النساء في لبنان من أوضاع إنسانية مأساوية، ويواجهن معاناة لا توصف عندما لا يستطعن تأمين الحليب لأطفالهن، ولا الدواء لهم، وليس لعائلاتهن القدرة على الدخول الى المستشفيات، لأن فروقات فواتير الاستشفاء أصبحت باهظة، وتسعيرة وزارة الصحة والصناديق الضامنة لا تكفي لسد حاجات المستشفيات، مما يضطرها لتدفيع المرضى مبالغ كبيرة لتغطية فروقات الأسعار، خصوصا أن هذه المستشفيات اضطرت لتأمين كهرباء من مولداتها الخاصة بعد أن توقفت مؤسسة كهرباء لبنان عن تزويدها بالتيار.
المرأة اللبنانية التي أدهشت العالم بنجاحاتها في المجالات المختلفة، لاسيما في الأبحاث العلمية وفي المجهودات القانونية والأعمال الطبية والهندسية والإدارية والفنية، تئن تحت وطأة كارثة معيشية غير مسبوقة، وحراكها السياسي الذي يتقدم صفوف الانتفاضة والاعتراض يواجه خشونة سياسية وأمنية كبيرة، وتساهم الأوضاع المعيشية والصحية الصعبة في تقليص حجم تأثراتها، لأن قساوة الظروف تفرض عليها عدم القدرة على التنقل كما يجب لعدم توافر مادة البنزين، كما أن العديدات منهن اضطررن للغياب عن العمل وعن الجامعات وعن المساهمة في الحركات الاحتجاجية التي تقتصر على قطع الطرقات وحرق الدواليب هذه الأيام، وهذا ما لا تستطيع المرأة القيام به بطبيعة الحال.
ويعاني نساء لبنان من تهميش حقهن بسبب بعض القوانين التي لا تعطي للمرأة الحق، كما للرجل، في إعطاء جنسية لأولادها، كما لا تساويها مع الرجل في قضايا الأحول الشخصية.
والطبيعة الشرقية للمجتمع اللبناني تعطي تفاضلا للرجل في مجال تبوء المناصب السياسية، مما ساهم في تهميش دور المرأة في هذا المجالات، رغم أن القوانين تساوي بين حق المرأة كما حق الرجل في تولي المناصب القيادية على اختلافها.