تحقيق: راضية القيزاني - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

فرض النمط المعاصر للحياة وضعاً جديداً على الأسرة يستلزم المشاركة الفاعلة من الرجل في إدارة شؤون المنزل، سواء بمساعدة أولاده دراسياً أو مد يد العون لزوجته لإنجاز المهام المطلوبة منها في عش الزوجية، خاصة أن كليهما يعود من دوامه ليجد أمامه دواماً آخر داخل المنزل.
ويؤكد العديد من الزوجات أنهن يقمن بالمطلوب منهن وأكثر داخل المنزل وخارجه، ومع ذلك فهن يعانين من تجاهل الأزواج لهن وتركهم شؤون المنزل من دون تدخل بما في ذلك متابعة الأبناء دراسياً.
وباتت تلك الظاهرة متكررة عند معظم الأسر العربية ما دفع الزوجات إلى رفع أصواتهن بالشكوى مطالبات الرجال بالوقوف إلى جانبهن ومساعدتهن في الدوام المنزلي. ورغم أن من بين الرجال من يقول إن المرأة وحدها غير قادرة على إدارة شؤون البيت خاصة تربية الأبناء إلا أنهم أكدوا أنهم يرفعون أيديهم بالفعل عن الأعمال المنزلية.
وقال محمد التومي خمسيني وأستاذ تعليم ثانوي إنه لا يساعد زوجته في الأعمال المنزلية لأنه لا يعرف أصلا كيف يغسل الأواني بطريقة جيدة أو كيف يرتب البيت لأنه لم يتعود على ذلك عندما كان شابا. وأشار التومي إلى أن المهمة التي يجيدها هي تدريس ابنته وهو الأمر الذي يريح زوجته
وأكدت جيهان بن محمد موظفة في القطاع الخاص أنها تعمل بوظيفتها القارة وتستغل نهاية الدوام في عمل إضافي لتحسين عائدات الأسرة و مجابهة طلبات أبنائها، وفي المقابل لا تجد الوقت الكافي لرعايتهم والإحاطة بهم نفسيا ما يجعلها تشعر بالتقصير نحوهم وتحس أنها فشلت في الاهتمام بهم.
وقالت: من الصعب أن توفق الزوجة لوحدها بين كل المتطلبات الأسرية، فالزوج أيضا يجب أن يتقاسم الأعباء مع زوجته وإلا فإن الحمل سيثقل كاهلها ويؤدي إلى فشلها في رعاية أسرتها وزوجها وأطفالها.
ويستغل الكثير من الأزواج رغبة المرأة في الخروج إلى العمل والبحث عن الاستقلالية وقدرتها على تسيير شؤونها المنزلية والأسرية والقيام بمهام متعددة والإحاطة بالأبناء من جميع النواحي، ويتخلّون عن مسؤولياتهم الأسرية جميعها للزوجة لتنمية الجانب الاتكالي بداخلهم بحثا عن راحتهم في مقابل إرهاق الزوجة، مما يؤثر سلبا على العلاقة بين الزوجين ويؤدي إلى انهيارها.
وتتسم الكثير من العلاقات الزوجية بتهرّب الزوج الاتكالي من القيام بمسؤولياته، في مقابل إلقائها على عاتق الزوجة.
وتكتشف الكثير من الزوجات بعد الزواج أن شركاء حياتهن ضعفاء الشخصية في التعامل مع متطلبات الحياة الزوجية، ويثقلون كاهلهن بتحمل الأعباء المنزلية بالإضافة إلى الأعباء المادية ويثبتون عدم استعدادهم للقيام بأيّ شيء في وجود الزوجة.
وأكد خبراء العلاقات الزوجية أن الاتكالية أصبحت منتشرة في وقتنا الحالي وذلك بخروج الزوجة إلى العمل والبحث عن إثبات ذاتها والمساواة مع الزوج والتي يجدها بعض الأزواج فرصة لإلقاء كافة المسؤوليات على عاتقها بدءا بأعمال المنزل وتربية الأبناء وصولا إلى الاعتماد عليها في قضاء شؤون المنزل المادية. وأشاروا إلى أن الكثير من الأزواج ينسحبون من الإشراف على تنشئة أبنائهم ويحملون زوجاتهم مسؤولية فشلهم.
وقالت غادة محمد يحيى زكريا مدربة مهارات حياتية ووظيفية يجب أن يتم تقسيم المسؤوليات التي تخص المنزل، وتكاليف الحياة الزوجية ما بين الزوجين بالتراضي لتسير الحياة الزوجية بسلام. وأضافت أنه إذا كان ما قالته أمراً نظرياً فالواقع ربما يختلف في الكثير من الأحيان، فالأسر التي تعمل فيها المرأة وتشعر في الوقت نفسه بالتراضي والمصالحة مع نفسها ومع زوجها أسر قليلة، وبخاصة في المجتمعات التي يرى الزوج فيها أن مهمته خارج المنزل ليعمل ويجلب المال فقط، وينتهي دوره عند هذا الحد.
وأكدت أن العديد من الأزواج يرون أن الزوجة هي المسؤولة عن الأسرة والبيت مسؤولية كاملة، حتى وإن كانت هي الأخرى تعمل مثلما يعمل الزوج، بينما هو ينفض يديه من كل شيء، وهذا الأمر ولد مشاكل لا حد لها كون الزوجة تضحي لأبعد الحدود، والرجل لا يقوم بدوره.
وأشارت مدربة المهارات الحياتية إلى أنه من البداية ومنذ فترة الخطوبة ينبغي أن يجلس الطرفان معاً ليتفقا ويحددا الصلاحيات الملقاة على عاتق كل منهما، وبصراحة ووضوح يجب أن يقول لها الرجل إن عليها أن تفعل كذا وكذا، وعندما يكون لدينا أبناء فسيكون دورك على النحو التالي، وهكذا تعرف جيداً ماذا عليها وما مسؤولياتها.
وعن كيفية معالجة المشكلة من جذورها في المجتمعات العربية قالت غادة “أخشى أن يكون حل هذا الأمر بصورة جماعية حقيقية لا يعدو أن يكون مجرد أحلام فقط لا غير، فالتربية لدينا فيما يخص هذا الأمر خاطئة إلى أبعد مدى، والمرأة في النهاية تشعر بأنها خدعت، وأن عليها أن تقوم بكل المسؤوليات الخاصة بالمنزل بمفردها، والكل يدخل في موضوع الزواج والصلاحيات، والمسؤوليات، وهو يظن أن هذا الأمر مجرد لعبة ليس إلا”…
وأضافت أنه في الماضي كان هناك الكثير من الشعور بالمسؤولية، ولم يكن الزواج لدى الآباء والأمهات مجرد لعبة، بل اهتمام وتربية ومسؤولية مشتركة. وقالت “للأسف سعت المرأة لنيل حقوق أكثر فجاء الأمر بالضرر الشديد عليها، وكثير من الرجال أعجبه الأمر خاصة أن تضحيات المرأة أصبحت أكثر مما هو مطلوب منها”.
ويرى خبراء العلاقات الأسرية أنه من المهم جداً أن يكون هناك تعاون ما بين الزوج والزوجة في تحمل المسؤولية، فالأمر لا يوفر الكثير من الجهد فقط، بل إنه يساوي الراحة النفسية الكبيرة للجانبين.
وأشاروا إلى أن الزوجة المرهقة طوال الوقت من عملها خارج المنزل والمتوترة إذا وجدت تعاوناً من الرجل فإن ذلك سيسهل الأمر عليها.
وطلب الخبراء من الرجال مد يد العون لزوجاتهم، بدلاً من التخاذل الملاحظ على بعض الشباب  من الأزواج اليوم، حيث أن الأمور لا تسير على وجهها الصحيح، فإذا كان على الزوجة أن تدخل المطبخ، وكان الرجل يأنف أن يفعل هذا لا أقل من أن يقوم بدور آخر يناسبه كأن يعين الأبناء في دراستهم. وأكد الخبراء أن ذلك يحفظ للأجيال  القادمة قدرتها على أن تسير سيراً صحيحاً لأن الابن الذي يرى أباه يساعد أمه يشبّ هو الآخر على مساعدة زوجته، فلا يفسد حياته الزوجية ويلقي بالمسؤولية على زوجته.
ويرى الخبراء أن غالبية البيوت سلبية فيما يخص المسؤولية الخاصة بالأب والأم نحو أولادهما والأمر يعود إلى البيئة التي تربى فيها كل من الأب والأم، وبالتالي فإذا نشأ الأبناء في بيئة سوية فيها محبة وتمسك بالدين والأخلاق فإن هذا يقود إلى تحملهم للمسؤولية بشكل كبير مستقبلاً.