الكاتبة الصحفية : ريم عبد الباقي - السعودية - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

  تتناهى الى حواسي ضحكات الأطفال وأصواتهم الصاخبة تشتتني وكأنها من بعد كوني آخر.. تباغتني رطوبة زخات المطر ومشهد وريقات الخريف المتناثرة، أرهف السمع لهديل حمامة تقف على حافة نافذتي تنتظر وليفها، تدغدغني نسمة هواء عابرة تحمل رائحة قديمة أعرفها، بين يدي كتاب قرأته مئات المرات ولا أتذكر منه كلمة، أقلب صفحاته علَي أجد ضالتي بين طياته..
يغمرني شعور الخواء فأشعر بالضياع والوحشة وأهلع باحثة عني..
أحاول أن أستشف وجودي في ابتسامة أمي أو ملامح أطفالي، في صورة قديمة.. أحاول أن اقبض على وجهي الحقيقي في المرآة ولكن تلك الملامح المتبدية امامي تفشل في اقناعي.
 أحار في أمري فأسألها بتعجب من أنت؟!
أرى نفسي طفلة ترتدي فستان أمها فيبدو مضحكاً متهلهلاً عليها، تحمل حقيبتها التي كانت دوما تبدو وكأنها جراب حاو تجد بداخله كل ما يخطر ببالها، تتعثر في كل خطوة بحذائها الواسع ذو الكعب العالي، تضحك في عبث طفولي لاه ولكن عندما يلتصق بها الفستان ويرفض الحذاء الواسع ان يخرج من قدمها تفزع، تبحث بلا طائل عن هويتها في الحقيبة العجيبة التي باتت خاوية وخلت فجأة من كل سحر..
أتأمل كل تلك الوجوه التي أصبحت بشكل ما في غفلة مني تنتمي الي او أصبحت انا انتمى اليها وجوه أحبها ولكنها ما تفتأ تفاجئني بوجودها..
تدهشني آثار خطواتي ترتسم على طول الدرب الذي قطعت منه أشواطاً طويلة ولكني لا أذكر متى أو كيف، أنظر خلفي ليفاجئني طول المسافة وبعد الزمن.. ترن بأذني ضحكة تبدو بعيدة جدا ولكنها تذكرني بتلك الطفلة.. تبتسم لي في المرآة.. يتحول وجهها البريء فجأة الى شابة يافعة، حالمة، باسمة، يملؤها أمل أكبر من الكون كله وأبسط من طفولتها السعيدة لكنها تمضي لتغيب تدريجياً وراء خط الأفق وتختفي بلا أثر..
يبقى ذلك الوجه الغريب يتأملني في صمت هو الآخر، تلوح في نظرات عينيه رغبة مكبوتة كأنه يريد أن يخبرني أمرا ولكني لا أفهمه..  
تطوف بذاكرتي مشاهد ضبابية لليالٍ صيفية تجَمعنا فيها حول أريكة تجلس عليها أمي وبشكل سحري كانت تسعنا جميعاً، نحيط بها من كل الجهات كأنها زهرة بخمس بتلات.. نشاكسها وتتعالى ضحكاتنا، حكاياتنا ولكن وجهها يتحول فجأة ليحمل ملامح ذلك الوجه في المرآة..
أغرق في أفكاري، أسترجع صور معارك خضتها أمتطي صهوة قناعاتي وخرجت منها مثخنة بجراحٍ لا يراها سواي ولا أجرؤ على كشفها للنور إلا عندما أختلي بتلك التي تناظرني بيأس في المرآة محاولةً تنبيهي بأنني أبحث في الأماكن الخطأ.
     أحاول أن أفهم ما تقول ولكنها لا تتوقف عن التبدل والتغير في كل لحظة.. لبرهة أرى وجه ابنتي واسمع صوت امي توبخني على امر نسيت فعله واتوه بينهما ودون انذار تتبدل الوجوه مرة أخرى فأشعر بيدها تربت على كتفي، تمسح على رأسي وأسمع صوتي يهدهدني..
يتبدى لي وجه ابنتي مرة أخرى وهي تنام في وداعة غامرة فأتوه أكثر وأكثر..
تعود صورتي وأنا أتعثر بفستان أمي وحذائها الواسع الى الواجهة فأضحك بسخرية على طرافة ذلك المشهد.