حاورتها: حنان كرامي - أغادير - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

وكالة أخبار المرأة  أعدت الحوار مع  اسية كنماتي باحثة في قضايا المرأة ومدربة ومؤطرة في مجال التربية على القيم.
* ما هو سر اهتمامك وبحثك بخصوص قضايا المرأة؟
- منذ طفولتي وأنا أراقب بصمت وشغف أحوال النساء، ولا أخفيكم أنه لم تأسر إهتمامي وقلبي وفكري وبحثي أكثر من المرأة القوية الملهمة، سواء اللواتي أبدعن في أدوارهن الإنسانية، أو المفكرات أو السياسيات او القائدات أو الفنانات المبدعات أو حتى العاشقات الملهمات اللواتي استطعن تغيير مجرى التاريخ.
   فالمرأة على مر العصور عرفت بالعظمة وقوة التأثير والحكمة والجمال والحُكم...أتحدث هنا عن المرأة الملهمة صاحبة الأثر.
   فخلال قراءاتي لتاريخ هؤلاء العظيمات، انبهرت جدا برجاحة عقل الملكة بلقيس وحكمتها، وجمال كيليوباترا وقوتها، وعلم فاطمة الفهرية وقوة قرارها وتأثيرها، وهبة وحضور زنوبيا ملكة ملكات الشرق وعظمتها. وتأثرت كثيرا بمسار الام تيريزا الإنسانة العظمية، مساندة الضعفاء والمتشردين والجائعين من الأطفال؛ وأعجبت جدا بقوة أثر الزعيمة أنا إلينور روزفلت المساندة المدافعة على حقوق الانسان والمساهمة في إخراج الإعلان العالمي لحيز الوجود؛ وثبات ورجاحة عقل الملكة إليانور أكيتيان ملكة كل من فرنسا وإنجلترا المثقفة العالمة، التي أصبح ثلاث من أبنائها ملوكا.
فأي قوة هذه ؟ وأي إصرار هذا؟ وأي إيمان بالذات وبالهدف؟ وأي صمود هذا الذي جعل هؤلاء النساء تتحدى الأعراف والشرائع والأديان والمعتقدات والعقليات؟؟جعل لهن مسارا مختلفا وإنجازات عظيمة وافكارا وقيما يدونها التاريخ بماء الذهب فما أجمل المرأة في وجودها وتواجدها، وما أعمق أثرها في غيابها، ذلك الأثر الجميل الذي تتركه من خلال قيم غرست، وأفكار نسجت ومسار بطولي منحوت في ذاكرة الزمن.
* ما هي رؤيتك الفكرية الخاصة لقضية المرأة؟
- إن تملك المرأة لقضيتها فهما واستيعابا وقناعة يجعلها أفضل سفيرة لها في كل المواقف والمواقع وفي كل الأوطان والمجتمعات، مع مثيلاتها من النساء ومع شقائقها من الرجال، من خلال المؤسسات التشريعية والمنظمات الحقوقية وكذا مؤسسات التنشئة الإجتماعية باختلافها وتنوعها. فنصرة هذه القضية تتطلب من كل إمرأة ان تعي وتدرك موقفها وموقع تدخلها...يجب على كل امرأة  أن تضع هذه القضية ضمن عناصر رسالتها ورؤيتها وغاياتها الخاصة لتصل بذلك إلى دعم الرسالة الأممية الكبرى.
(فمتى ابتعدت المرأة عن مسار رسالتها ورؤيتها ظلت تائهة ضالة مقصرة في أدوارها)...
فلنتفق في بادئ الامر يا عزيزتي أن قضية المرأة ليست أبدا حكرا على النساء، وليس المرأة وحدها من تمثلها، بل هي قضية أممية يترافع من اجلها النساء والرجال سويا، والحكومات والمنظمات والتنظيمات والمؤسسات كذلك. وذلك بهدف تحقيق رقي مجتمعي ينبني أساسا على التكافؤ والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات.
   ولنتفق أيضا أن الهيمنة الذكورية لا تعني الرجل وحده ولا تتمثل من خلاله هو فقط، بل هو فكر تبناه الرجال والنساء توارثته الاجيال عبر التاريخ والأزمنة، متمثلا في عقليات ذكورية وفي ممارسات عنصرية من أشخاص وهيئات ومنظمات وحكومات كذلك.
    نضالك أيتها المرأة ليس ضد أو مع الرجل بل هو قضية يتبناها أصحاب الفكر السامي المستنير المتوازن المتجدد المنصف.
   يجب كذلك سيدتي أن نقف أيضا عند مسألة التمييز الواعي بين حقوقك العامة التي تشتركين فيه مع الرجال والأطفال، وأقصد بها الحقوق الإنسانية، وحقوق المواطنة...المتمثلة في العدالة الإجتماعية وفي الرعاية الصحية وفي المشاركة السياسية ...وغيرها من الحقوق التي ما فتئ يطالب بها بنات جنسك وشقائقك من الرجال؛ وبين الحقوق الخاصة التي تخص المرأة ككيان له خصوصياته وإحتياجاته وتحدياته، تتضمن القضايا المرتبطة بمفاهيم حقوق المرأة كالحق في عدم التعرض للعنف الجنسي، والمناصفة في شغل المناصب العامة، والأجور العادلة...وغيرها.
فالفصل بين هذه المفاهيم والقضايا والأفكار شرط أساس لتبني هذه القضية السامية بوعي ومن تم الترافع والنضال من أجلها  بقوة وفعالية وحرية أيضا...
      عزيزتي وفي إطار الفهم الخاص لقضيتنا يجب أن نتفق كذلك على أن حريتك وحريتي وحرية كل امرأة أمر مقدس لا يجب لأي كان: أفرادا أو مؤسسات أو أعرافا أو أفكار...قيودا ذاتية أو مجتمعية، سياسية أو حزبية... ايا كان نوعها او إسمها اوشكلها...المساس بها أو تهديدها او الحد منها...
يجب على كل امرأة أن تناضل من أجل الحرية الإجتماعية وحرية الإعتقاد والحرية السياسية والحرية الفكرية... وان تتخلص من هيمنة السلطة الدينية وهيمنة الفكر الذكوري...
إذا نجت كل إمرأة أن تعيش حريتها بوعي على المستوى الفردي...لو بشكل غير كامل في إنتظار أن يتحقق ذلك بشكل كلي  وجماعي...
حديثي هنا عن الحرية يقصد به التخلص من كل أشكال العبودية إلا لخالقك عز وجل...الحرية المبنية على مرجعيات وقيم ومبادئ وعلم ووعي ورسالة...تحددها وتتباناها المرأة؛ حرية عميقة الجذور ممتدة الفروع تناسب تكوينها وأدوارها وأفكارها والموقع التي اختارتها لنفسها...
حرية تساهم في الرقي الحضاري في البناء المجتمعي والتنوير الفكري...حرية تمكن المرأة من اتخاذ رأي والتعبير عنه بمسؤولية ، وتتحقق هذه الحرية بتحقق الحرية العقلية التي قوامها الفكر والتأمل والتدبر، تمكنها كذلك من حرية الإرادة لاختيار أسلوب حياة يقود إليه الفكر وتشعر المرأة بمعنى وإيجابية دورها في الحياة ...
* ما هي مختلف مواقع وأدوار النساء في نصرة قضيتهن؟
- إن المرأة منذ طفولتها يجب أن تفهم مسؤوليتها إتجاه هذه القضية...فيجب عليها أن تقدر قيمة العلم والتعلم وقيمة المساواة في الحقوق وقيمة التعبير عن الرأي،...وغيرها من المكتسبات التي ناضل من أجلها من تبنى هذه القضية في الأجيال السابقة...يجب أن تحملها قضيتها- أجل تحملها-، لأنها إذا حملتها هي ستثقل كاهلها وستتعبها وحتما قد تقف في بدايات أو أواسط الطريق، أو قد تصل منهكة القوى...فإذا حملتها قضيتها ارتفعت وإرتقت ووقفت موقف شموخ وأطلت على أدوارها بوعي تام وكفاءة عالية بثبات واطمئنان...
فالمرأة تعيش أدوارا متعددة في مسار حياتها فهي بنت وأخت ثم زوجة وأم، زميلة ورفيقة وصديقة ورئيسة، وغيرها...إنها تتأثر بشكل كبير في محيطها الخاص والعام...من خلال مواقفها وتفاعلها مع الأحداث والأشخاص...
وعيك عزيزتي بالدور الأكبر والأهم المتجلي في المساهمة في التنشئة المجتمعية بشكل سليم ومتوازن سيساهم حتما في مقاومة الفكر الذكوري، ونظرية الصراع والتعصب وكذا جنسنة الأدوار...
فإيماني وقناعتك عزيزتي بأن الرجل شريك ورفيق وقد يكون داعما ومساندا...أمر يقتضي منها أن نعيد النظر في أساليب طرحنا ومعالجتنا لقضية المرأة بشكل مشوش وغامض ومتعصب في مؤسسة الأسرة خاصة وفي المجتمع بشكل عام...فكل إمرأة قادرة حتما أت تروي أبناءها بمبادئها وأفكارها وقيمها كما ترويهم بحبها وعطفها وحنانا منذ أولى لحظات مجيئهم للدنيا عبر حليب ثديها...فلا تستهيني يا صديقتي أبدا بهذا الدور الأعظم والأسمى على الإطلاق...لأنه يحتاج إلى صبر وحلم كبيرين ووعي متجدد، وفكر مستنير...وقدرة على التفسير والتأويل والإستيعاب...
حينما تستطيه المرأة أن تكون قدوة في بيتها ومجتمعها الصغير فهي سفيرة لهاته القضية باعتبارها نموذجا ناجحا.
 * ماهو دور المرأة من خلال الترافع؟
- قوة هذا الدور المحوري الجوهري يتمثل في كونه يسهم بقوة في تحديد خارطة طريق كل امرأة باختلاف دورها وموقعها وزيرة كانت أم قاضية أم ممثلة لمنظمة حقوقية أو مؤسسة دستورية أو هيئة تخدم قضايا المرأة، كما تتمثل قوة هذه الفئة الرائدة من النساء المترافعات المناضلات في كونها نبراسا لكل إمرأة قوية كانت أو مستضعفة. فهذا الموقع الرائد يتطلب فكرا إستشرافيا وإستراتيجيا لأن مطالب اليوم هي مكتسبات الغذ، والنضال اليوم من أجل مطالب نساء الأجيال القادمة.
فهذه النخبة من النساء تساهمن من جهة في مأسسة النضال الديمقراطي بهدف تعزيز الحريات ودمقرطة المؤسسات، ومن جهة ثانية تعملن على الرفع من وعي النساء وتعبئتهن لإقرار حقوقهن وتحسيس الرأي العام بمشروعية مطالبهن، كما يشكل قوة ضغط على الفاعلين السياسيين لتحقيق العدل والمساواة.
لذلك فإن المرأة الحرة الواعية هي القادرة على العطاء النوعي، متى نضجت (فكرا وعلما وممارسة)، ومتى أرادت (حين يتحقق الإيمان العميق بالقضية).
فحين تعيش المرأة لحظة النضال وتستطعم لحظة الترافع وتستنشئ بلحظات خدمة الوطن، دون رغبة أو طمع في شغر مناصب سياسية أو حزبية أو اعتلاء كراسي المسؤولية في الهيئات والتنظيمات والمنظمات وجمعيات المجتمع المدني.
حين تكون المرأة حرة يمكن القول حقا أنها تترافع وتناضل بحرية وكرامة...
يجب أن تدرك المرأة أن كل ما تناضل من أجله غالبا سيستفيد منه بنات الأجيال القادمة، وأن تؤمن أن نضالها وتحقيقها للمطالب حلقة ضمن سلسلة من المكتسبات التي ناضل من أجلها من سبقها.
لذلك ناضلي بحب وعيشي واقعك بحب أكبر.
* حديثنا عن دور المرأة من خلال الإنتاج الفكري؟
- أحدثت المؤلفات والدراسات والإنتاجات الفكرية في قضية المرأة ثورة غير محدودة الأثر سواء على مستوى تعميق إدراك واقع النساء وتحدياتهن وبلورة رؤى متجددة لنصرة قضية المرأة أو على مستوى فتح نقاشات عمومية وأكاديمية وسياسية لتدارس قضية المرأة بمختلف أبعادها.
كما كان لها الأثر الكبير في تغيير الاتجاهات السياسية والرفع من الوعي الثقافي والاجتماعي لصالح مكانة المرأة وواقعها وأدوارها في المجتمع...
فأهم المؤلفات التي وصلت للعالمية واعتبرت مرجعا، خاطبت المرأة ككيان بغض النظر عن مرجعيتها وعرقها ودينها وجنسيتها.
فهذه المساهمات الفكرية اعتبرت مصدر إلهام وتنوير بالنسبة للعديد من النساء...النساء اللواتي يمتلكن حرية فكرية، ولهن من الجرأة وحب الاكتشاف ما يدفعن للتحليق عاليا بفكرهن وخوض غمار تجربة الغوص في أعماق فكر نساء ورجال قدموا رؤى مختلفة، قد تكون مستفزة أو جريئة وصعبة الإدراك بالنسبة للعامة، خوضك يا عزيزتي لهذه التجربة بوعي وبنظرة تأملية ونقدية يجعلك تستثمرين هذه الأفكار والمواضيع بشكل يناسب قناعاتك وأفكارك ورسالتك.
* كلمة أخيرة؟
- ختاما أدعوك صديقتي أن تستفيدي من كل هذه الحقوق والمكتسبات وأن ترتقي بعلمك ووعيك وفكرك لتتمكني من المساهمة الجادة في بناء حضارة ومجتمع تسوده قيم العدالة
 والمساواة جنبا إلى جنب مع شقيقك الرجل.