الباحث : رضوان بوسنينة - المغرب - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

العالم يتجه في هاته الآونة الى الاحتفاء بتظاهرة دولية اسمها جيل المساواة بقيادة الأمم المتحدة التي أضحت تقود فلسفة جديدة من الضوابط لتعديل القيم الجمعية والحضارية بما يضمن مساواة للجميع وعيشا مشتركا .
سيشهد منتدى جيل المساواة في المكسيك إطلاق مخططات تحالفات عمل المنتدى والميثاق بشأن المرأة والسلام والأمن والعمل الإنساني. وسيتم إطلاق نداء عالميا للعمل وتعبئة مختلف أصحاب المصلحة للعمل وتحقيقي المساءلة من أجل المساواة المبنية على النوع الاجتماعي, وسيضمن توعية عامة فعالة ودعم جدول أعمال المساواة المبنية على النوع الاجتماعي.
اكتساب أكبر قدر ممكن من قوة النشاط المدني والقيادة الشبابية والتعبئة النسوية والمشاركة المتقاطعة لدفع الالتزامات والمطالبة بالمساءلة من أجل تحقيق المساواة المبنية على النوع الاجتماعي وتمكين جميع النساء والفتيات. سوف تتسم منصة المنتدى بالمرونة وستشمل مساحات واسعة للحوار بين الأجيال ومساحات للتواصل لعرض الممارسات الجيدة وأدوات المناصرة والتعلم منها وخبرات التعبئة والتحديات في هذا المجال وكذلك المساحات الثقافية والإبداعية لتعزيز المشاركة الشاملة للمواطنات والمواطنين.
وعل هامش هذا الملتقى العالمي عالم العربي رهين لبنيات هشة وعقليات متحجرة غير قابلة للحوار والنقاش ، رغم اننا تاريخيا واجتماعيا كانت حياتنا الاجتماعية مبنية على الحوار .
ومن اهم القضايا  المثارة بشتى المبررات هي قضية المساواة في الإرث ،لسببين ،أن انصار المساواة في الانصبة ينطلقون من فرضية مفادها ان المبدأ المساواة هو عام وان نظامنا الارثي هو خاص والعام يضبط الخاص ويقيده ،وهذه حجتهم الدامغة التي مافتئت رائدات المساواة تنادي بها ،وقد توفت احدى زعيمات هذا التيار والتي كان لها شأن كبير في الطرح الفكري وهي الأستاذة نوال السعداوي ،وقد استطاعت ان تتمرد على الثابت في هذا النظام التقليدي، بما أعطاها شهرة واسعة في المجال ،ورغم انها لم تأتي بجديد لان مجمل افكارها وخاصة في مسألة المساواة ،هي قراءة جديدة لكنها في الأصل قديمة قدم التاريخ الإنساني الذي عانى من قبضة وتسلط العقل الديني في لحظات من خروجه عن الفكر والعقل والحكمة .
لذلك سنناقش مع الفيمنيست رأيه في الإرث باعتباره منظومة قانونية تستمد أصولها من احكام شرعية ظاهرة للعيان بنصوص من الكتاب والسنة ،وهي ماتبقى من نظم شرعية في بعض البلدان العربية والإسلامية التي كانت تحت عملية التغريب القانوني الاستعماري في زمن الحماية والاستعمار ،لتبقى انصبة الإرث آخر أسس الشريعة الإسلامية التي تطبق في بعض البلدان العربية والإسلامية .
الإرث والنوع
ان فهم التشريع الإسلامي في مجال الإرث يحتاج الى دراسة قائمة على فهم النص وتنزيله في الواقع، وهذه المهمة لا يقوم بها أي شخص، بل هي اختصاص فقهاء واصوليين في المجال ، ويشيع عند دعاة التطور والحداثة الغربية ،أن الإسلام قد ظلم الأنثى في الميراث، وأنه جعل للذكر مثل حظ الأنثيين بإطلاق وتعميم. ولو فقه هؤلاء وهؤلاء أسرار التشريع الإسلامي في الميراث لعلموا أن الأنوثة والذكورة ليست هي المعيار في التفاوت بين أنصبة الوارثين. وإنما المعايير الحاكمة لذلك هي:
1- درجة القرابة بين الوارث والمتوفى, فكلما كان الوارث أقرب كان ميراثه أكبر, والعكس صحيح، دونما اعتبار لجنس الوارثين.
2- موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال, فالأجيال التي تستقبل الحياة وتستعد لتحمل أعبائها عادة يكون نصيبها من الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة وتتخفف من أعبائها, بل وتصبح أعباؤها عادة وشرعا مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة في الوارثين والوارثات, فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه-وكلتاهما أنثى- وترث البنت أكثر من الأب، وكذلك يرث الابن أكثر من الأب، وكلاهما من الذكور.
وفي هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث في الإسلام حِكم إلهية بالغة، ومقاصد سامية تخفى على الكثيرين-وهي معايير لا علاقة لها بالذكورة ولا بالأنوثة على الإطلاق.
3- العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به إزاء الآخرين. وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتا-ظاهريا-بين الذكر والأنثى. لكنه تفاوت لا يفضي إلى أي ظلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها، بل ربما كان العكس هو الصحيح.
ففي حالة ما إذا اتفق الوارثون في درجة القرابة، وفي موقع الجيل الوارث- مثل أولاد المتوفى-يكون تفاوت العبء المالي هو السبب في تفاوت الميراث بين الأخ وأخته, ولذلك قالت الآية: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) [النساء-11], ولم تقل يوصيكم الله في مطلق الوارثين. ذلك لأن الذكر هنا سيؤسس أسرة وينفق عليها. بينما الأنثى سيعولها ذكر، وسيكون ميراثها ادخارا لجبر الاستضعاف الأنثوي، وللتأمين ضد المخاطر والتقلبات. ولأن هذه هي فلسفة الإسلام في الميراث جاءت تطبيقها الواقعية امتيازا وتميزا للإناث على الذكور، فالاستقراء لحالات الميراث يقول لنا:
أ-إن هناك أربع حالات فقط ترث فيها الأنثى نصف ميراث الذكر.
ب-وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها الأنثى مثل الذكر تماما.
ج-وهناك حالات عشر-أو تزيد-ترث فيها الأنثى ولا يرث نظيرها من الذكور.
أي أن هناك أكثر من ثلاثين حالة ترث فيها الأنثى مثل الذكر, أو أكثر منه, أو ترث هي ولا يرث الذكر، في مقابل أربع حالات للذكر فيها مثل حظ الأنثيين!تلك هي الحقائق الكبرى لفلسفة الإسلام في الميراث.
واذا اردنا ان نناقش بهدوء في موضوع الإرث ،فان الاتجاه الداعي الى تجديد وتغييره ، ينطلق من مدخل خلفي لنظام الإرث ،الا وهو التعصيب ، فقد طرح المجلس الوطني لحقوق الانسان في تقرير حول “النهوض بالمساواة والإنصاف بين الجنسين، حيث ركزعلى نقاط ضعف ما زالت قائمة، تشكل حالات من الميز المبني على النوع و بعضها فيه تمييز واضح ضد النساء، وحالات مرتبطة بالفقر والتهميش والهشاشة التي تمس شرائح واسعة من المغاربة وضمنهم النساء.
والتوصية التي شكلت بداية لجدل عمومي بين مشارب مختلفة  ،وهي تلك المتعلقة بالمساواة في الإرث، حيث جاء في التقرير بأن -المقتضيات القانونية غير المتكافئة المنظِّمة للإرث (تساهم) في الرفع من هشاشة وفقر الفتيات والنساء.
رغم ان هذه التوصية تبقى غير سوية من مجموعة من النواحي ،حيث ان لحد الان نتحدث عن المساواة بين الجنسين بشكل افقي معتمدين على بعض القراءات والإحصائيات دون القدرة على طرح نقاش عام مع مختصين في مجالات متعددة لفهم التحول الاجتماعي الذي عرفه المغرب سواء من الناحية التاريخية المرتبطة بحالة المجتمع الذي كان يبنى على الثروة العائدة من الفلاحة وتقسيم الأراضي ،وكانت المرأة تعاني الامرين لغياب الحق في العدالة وكذلك نظرة المجتمع للمرأة بعد الاستقلال باعتبارها قد تؤثر على تماسك العائلة اذا ماطالبت بحقها في الإرث ،ولذلك كان من اللازم ان نفكك بنية المجتمع وفهمه للنص الديني مثلا ،أي هل مشكل المساواة بالمغرب هو مشكل مؤسسة كانت قانونا أو عرفا أو انه مشكلة عقليات تتغذى على الفردانية والاقطاعية البسيطة التي تسير على انتقال الحقوق الى أصحابها .
ولذلك لم يكن سجال حاد في الموضوع بالمغرب ، على اعتبار ان النقاش فهم على انه سياسي وليس نقاشا علميا ،بل فقط مزايدات من تيار بعينه من اجل قضية محسوم في تفاصيلها ،واليوم يعاد طرحه بنفس حقوقي ومتحرر،لكن بصيغة  أشمل بعد صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بتونس، الذي يعتبر “ثورة” غير مسبوقة في المنطقة، بالنظر إلى سياقه ومضامينه وحمولته الفكرية والحقوقية التي ينتظر أن يصل صداها إلى كل بلدان المنطقة بما فيها المغرب.
كما ان الاعتماد على تقرير تونس في الانتصار للمساواة يعد مغامرة من تيار الحداثة بالمغرب ، فتونس في حد ذاتها تعيش مصالحة تاريخية مع القيم التراثية ورجوع المجتمع والشعب الى الديمقراطية من شانه ان يؤسس لثقافة الحوار التي هي اصل المشكل وليس مشكل قيم دينية تعد انتماء للجذور التاريخية ومكون حضاري لتونس.
سواء في الحالة المغربية عقب صدور توصية المجلس الوطني لحقوق الانسان 2015، أو في الحالة التونسية عقب صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة 2018، فإن الدعوة إلى مراجعة نظام الميراث في البلدين لإقرار مبدأ المساواة بين الجنسين خلفت ردود أفعال متباينة..
وخيرا فعلت النسوية الإسلامية حينما خرجت من فخ نقاش التعصيب لأنه ليس هو الطريق الذي نسلكه لتمكين المرأة وإتاحة المساواة في المجتمع ، لعدة اعتبارات أولها ،ان المشكل في المساواة هو مشكل في الحمولة الفكرية التي تحملها .
ولذلك نحن امام هول وتضخم البيانات التي تأتينا تباعا كشلال رقمي ، اصبحنا نستهلك اكثر مما نبدع وحتى حينما نناقش تيار الحداثة الحقوقي ،فانه تيار تقليداني بعيد كل البعد عن الاجتهاد ،فهو لا يملك الوقت لكي يحرك خلايا عقله في قضايا ناقشها العقل الغربي نقاشا مستفيضا ،ولا هم له سوى ان يعطي انتاجا جاهزا للاستهلاك مثله مثل شطائر الهامبرغر أو البيتزاهت التي تمثل رونق المدنية الغربية المعاصرة او ما تسمى بزمن الحداثة السائلة .
وإذا كان دعاة التوجهين الأول والثاني يعبرون عن تيارين بارزين يجسدان رأيين يخترقان المجتمعين المغربي والتونسي وغالبية مجتمعات المنطقة، أحدهما يوصف بالتيار الحداثي والآخر التيار الإسلامي، فإن دعاة التوجه الثالث يتكونون من خليط غير متجانس يضم عددا من الإصلاحيين والإسلاميين وحتى بعض الحداثيين، بمن فيهم بعض الأصوات النسائية/ النسوية، ينطلق كلٌ منها من اعتبارات ومبررات تبدو مختلفة بل وحتى متناقضة، ولكنها في نهاية المطاف تلتقي في حصيلة واحدة وهي تجنب الخوض في الموضوع في الوقت الراهن.
وبالرجوع الى بواعث نقاش الإرث نجد اهم دافع تعتمد عليه النسائية، قراءة اجتماعية لوضع اجتماعي تعيشه المرأة العربية بصفة عامة ، فترى بعض المدافعين على اصلاح الإرث ، يركز على كون نظام المواريث الحالي ما هو إلا انعكاس للتركيبة العصبية للمجتمع الذي ظهر فيه ذلك التنظيم. وهذا الرأي غير دقيق علميا وتاريخيا ، أي ان نهاية الاستعمار في الوطن العربي كانت من نتائجه هذا الخلط بين النسق الوضعي الحمائي وبين نسق هوياتي يشكل الانتماء والإرادة ولذلك كان طبيعي ان تجد ان المجتمع يعيش حالة من الصراع الداخلي فيما بينه بسبب ازدواجية الانساق التي تمثل مدركات للمجتمع العربي ضحية الحماية والاستعمار الغربي .
لذلك فمن نتائج هذا الوضع ان تجد غياب المساواة وعدم احترام الحقوق لأفراد المجتمع ، وكان من نصيب ذلك المرأة العربية التي عانت الامرين من هذا الامر.
 ورغم توزيع الأدوار قد عرف تغيرا خصوصا بعد موجات التغيير الحضاري الذي عرفته المنطقة، فان الحاجة الملحة الى إعادة توازن المجتمع يحتم على مطالب الحركة النسوية ان لا تقع في خطأ الأداة الكولونيالية الذكورية التي خلقت هذا الحيف الذي عاشته المرأة العربية بصفة عامة.
والباعث الحقوقي والدولي الذي هو تتمة للاستعمار الغربي بطريقة تضمن سيطرة البيانات والانتصار للإرادة الدولية التي هي إرادة الغالب وليس إرادة المغلوب ، ورغم ذلك تجد ذاك التيار بعد انهزامه في معركة الرأي والنقاش الفكري ،يميل الى الاستئساد بالآليات والاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان، ومن ضمنها “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”، وأنهما تعهدا بتفعيلها عبر إجراءات وتدابير بهدف ملاءمة القوانين الوطنية معها.
وقد التقت النسوية الإسلامية في حركيتها الإصلاحية في المؤنت الاجتماعي على الرؤية المقاصدية في فهم نظام الإرث ،حيث هي مقتنعة بأن هناك عوامل أخرى حاسمة في تشكل فجوة النوع الاجتماعي في المغرب وبصفة عامة في الوطن العربي ،كما ان الحكم على الجزء بالكل ظلم منهجي وكيل بمكيال الانتصار لنسق على نسق ،وكان الأصل ان نتحدث على مراجعة القيم الفردانية التي غدتها سنوات الحماية وماراكمتها نخب التغريب من تضييق عن كل ماله صلة بالقيم الحضارية والانتماء للهوية العربية والإسلامية.
والذين ينتصرون للمساواة في الانصبة وتغيير لهاته الاحكام التي هي شرعية صرفة ،يجسدون ثورة حقيقية على المثل القديمة التي هي سبب هذا الوضع غير السوي ،كما ان إصلاح نظام المواريث بالمغرب ظرفية تشجع على التغيير، وفي انتظار تحرك رسمي من أجل فتح ورش إصلاح مدونة الأسرة بالمغرب، تراهن الحركات النسائية بالمغرب على تغيير الذهنيات وإيجاد بيئة مجتمعية جديدة تحتضن مطالب إصلاح نظام الميراث، من خلال القيام بحملات  تعزز النقاش العمومي حول هذا الموضوع، والاستفادة من العمل المشترك إقليميا ودوليا وتبادل الخبرات والتجارب.
واهم ملاحظة نضعها للقارئ ان هذا السجال حول نظام الإرث عاطفي اكثر منه علمي ،ولذلك فبمجرد ان طرحت احداهن فكرة بإعادة النظر في نظام الإرث على قاعدة المساواة بين الرجال والنساء ،حتى انتشر جدال واسع بين طبقتين تقليديتين فئة ترى ان هذا المدخل أساسي في تكريس المساواة وفق مقاربة النوع والفئة الأخرى ترى ان هذا الامر فيه تطاول على الشرعية والمرجعية الإسلامية .
لكن لم نلقى ولو دراسة علمية بحثية سواء في تونس المتميزة في الخروج عن القديم والجاهز برؤية علمانية حداثية ممزوجة بطابع سلطوي ،او حتى المغرب  الذين اصبح تيار الحداثة البعيد عن الحداثة والذي اختلط عنده الأوراق واصبح يضرب يمينا ويسارا ،فلا اليسار النسائي قادر على ان يقدم رؤية واضحة لكيفية الغاء هذا النظام الذي يشكل هوية مغربية عربية وتاريخية ،كما ان الانساق التشريعية الغربية في تحيينها لنصوصها القانونية لا تجد هذا الغلو في التحيين والالغاء لنظم قانونية صرفة ،ولذلك في غياب دراسات علمية بحثية على الظاهرة الاجتماعية المتعلقة بتقسيم الثروة وتنقلها من جيل لجيل وعلاقتها بتماسك الاسر وتنميتها ،لا يمكن ان نجزم بمنهج منصف وعلمي اننا بحاجة الى الغاء جزء من هذا النظام لننتصر للمرأة المغربية خاصة والمرأة العربية بصفة عامة .

رئيس مؤسسة تراحم للدراسات والأبحاث