أميرة فكري - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

تدرك الحكومة المصرية صعوبة القضاء على العنف الأسري تجاه المرأة بالتشريعات وحدها. فرغم تغليظ العقوبات إلى الحبس بحق الآباء والأزواج حال التعرض للسيدات بأي أذى نفسي وجسدي، تعكس المؤشرات زيادة في الاعتداء على النساء في ظل قناعات راسخة لدى الذكور بأن العنف السبيل الأمثل لتقويم سلوك النساء.
لجأت وزارة التضامن الاجتماعي مؤخرا إلى سياسة الطبطبة على قلوب النساء اللاتي يتعرضن للعنف الأسري من خلال التوسع في افتتاح دور الرعاية الاجتماعية التي تستهدف استضافة المعنفات عائليا واحتوائهن نفسيا وعلاجهن وتوفير الإقامة لهن لحل مشاكلهن والبحث عن حلول جذرية للأزمات الأسرية المتكررة.
وتستقبل المؤسسات المرأة التي تعرضت لأذى نفسي وجسدي، حيث لديها المتخصصون في الطب النفسي، ومحامون مهمتهم ملاحقة المتهم قضائيا، سواء أكان أحد أفراد الأسرة أو الزوج، أي أن دور الرعاية الاجتماعية للمعنفات توفر بيئات آمنة للنساء اللاتي ضاقت بهن السبل وأصبحن بلا سند عائلي يوفر لهن الحماية.
وأكدت الخطة التي تريد وزارة التضامن الاجتماعي التوسع فيها باستضافة المعنفات، تنامي ظاهرة العنف الأسري، لكن التوجه الحكومي وإن كانت له أبعاد إنسانية، فإنه يصطدم بجملة من المعوقات التي لا تجعله حلا مثاليا بالنسبة إلى الكثير من النساء، خاصة إذا كن لديهن أبناء أو ينتمين لعائلات محافظة تقدس العادات والتقاليد والأعراف.
وترتبط أبرز المعوقات بالنظرة الدونية من المجتمع لأي امرأة تهجر بيت أسرتها أو زوجها وتقيم في مؤسسة متخصصة في الحماية من العنف العائلي، حيث يتم وصمها بالمتمردة وسيئة السمعة، وأحيانا يتم اعتبارها سيدة منحرفة، لمجرد أنها بحثت عن بيئة آمنة هربا من الأذى النفسي والجسدي الذي تتعرض له دون أن ينقذها أحد.
المعضلة الثانية أن المرأة التي تتعرض للعنف حتى لو كانت أكثر جرأة وشجاعة على اللجوء لمؤسسات الرعاية، تصطدم بانخفاض أعدادها مقارنة بالمعنفات في المجتمع، لأنها موجودة في ست محافظات، وتسعى الحكومة للمزيد من التوسع لتوفير الحماية لنسبة معقولة من السيدات.
وأوضح المجلس القومي للمرأة في مصر أن أكثر من 1.5 مليون سيدة تتعرض للعنف الأسري سنويا، أي بما يزيد عن 4 آلاف حالة كل يوم، و70 في المئة من حالات الاعتداء من أزواج مقابل 20 في المئة من الآباء، وهي أرقام ضخمة تكون نسبة تطبيق العقوبات القانونية فيها نادرة للغاية.
ومازالت أغلب الأسر على قناعة بأن هروب المرأة من بيت زوجها مهما تعرضت لعنف وإهانة وإذلال، يعني أنها ارتكبت خطأ، أو بمعنى أصح “جريمة” تستوجب العقاب وربما الطرد لإجبارها على العودة إلى منزل الزوجية، ومهما حاولت تبرير موقفها يتم تحميلها مسؤولية الاعتداء عليها، والاختيار بين التحمل أو التبرؤ منها.
وبغض النظر عن هذه المعوقات، تظل مؤسسات حماية النساء من العنف الأسري محطة لا غنى عنها لأغلبهن، فما بين جحود الآباء وقسوتهم وإهانة الأزواج وسطوتهم تجد بعض السيدات في دور الرعاية ملاذا آمنا وسندا اجتماعيا ونفسيا، على الأقل لحين بحثهن عن بدائل أخرى والخروج من الأزمات أكثر قوة وصلابة.
وقالت عنان حجازي وهي استشارية متخصصة في العلاقات الأسرية لـ”العرب” إن الميزة الأهم لهذه المؤسسات أنها توفر الإقامة والرعاية بشكل مجاني للسيدات اللاتي لا يمتلكن دخلا ثابتا أو فرصة عمل، وهي مشكلة تعاني منها أغلب النساء المتزوجات تحديدا، حيث يُجبرن على تحمل الاعتداءات البدنية واللفظية أمام قلة الحيلة وغياب القدرة المادية على الاستقلال بأنفسهن أو التمرد على الواقع الذي يعشن فيه.
ويلعب أغلب الأزواج بهذه الورقة، فالمرأة التي تفتقد القدرة المادية وتنتمي لأسرة بسيطة تفضل البقاء في المنزل لأنها لا تستطيع الإنفاق على نفسها وأولادها، ومهما تعرضت لاعتداءات عليها أن تصمت وتتقبل الظروف القاسية، لذلك فالمجانية التي تمنحها مؤسسات المعنفات تغري باللجوء إليها كبديل للابتعاد عن سجن الزوجية.
وبحكم أن دور الاستضافة لديها بعض المحامين المتخصصين في القضايا الأسرية، فإنهم يمثلون بالنسبة إلى المرأة ورقة للضغط على العائلة أو الزوج، حيث يقومون بإثبات الاعتداء في محاضر الشرطة، وإجبار المعتدي على زيارة المؤسسة للتفاوض معه واحترام الضحية، والإقرار على ذلك بخط يديه، أو تحريك الدعوى القضائية، وفي أغلب الأحيان تتم تسوية الأزمة بشكل ودي وتحتفظ المرأة بورقة الضغط، وهي الإقرار بعدم التعرض لها بأذى.
وتمثل تبعية هذه المؤسسات لجهات حكومية ترهيبا من نوع آخر بالنسبة إلى الأسرة أو الزوج، حيث يتابع المجلس القومي للمرأة ووزارة التضامن الاجتماعي كل حالة على حدة، وتبني قضيتها منذ وصولها إلى دار الرعاية وإعداد ملف خاص بها وتدوين شكواها وتشجيعها على مواجهة الطرف المعتدي وهي متسلحة بحماية أجهزة الدولة.
وتنقسم البيوت الآمنة للنساء المعنفات في مصر إلى ثلاثة، الأولى تسمح للمرأة بالإقامة فيها لأطول فترة ممكنة ولا تحدد موعدا بعينه لرحيلها، خاصة إذا كانت تحتاج وقتا للعلاج والتأهيل النفسي وإعادة ترتيب ظروفها. والثانية تكون الإقامة لعدة أشهر. والثالثة تستضيف الضحية لبضعة أيام في حال كانت المشكلة سهلة ويمكن حلها سريعا، ويحق للمعنفة أن تختار أيّا من المؤسسات الثلاث وفق حالتها وطبيعة أزمتها، هل مع العائلة أم الزوج.
وأكدت حجازي أن المعضلة الحقيقية في قدرة المرأة التي تتعرض لعنف أسري أو زوجي على اللجوء لخيار الإقامة بمؤسسة رعاية اجتماعية، لأن الخطوة تحتاج إلى شجاعة استثنائية وجرأة، فالمرأة التي تقيم في منطقة ريفية أو شعبية يصعب عليها اتخاذ قرار بذلك، لأن عائلتها لو تساهلت معها، فسيلاحقها المجتمع بتهمة ارتكاب فعل آثم يمكن أن يجعلها تخسر كل شيء، فلا هي عادت لأسرتها بأمان ولا استقرت ببيت الزوجية في راحة بال.
وإذا كانت مؤسسة رعاية المعنفات خيارا مثاليا لبعض الحالات، فإن الحكومة مطالبة بالبحث عن حلول جذرية للقضاء على ظاهرة العنف الأسري والزوجي ضد المرأة، سواء بحملات توعية إعلامية ودينية وتطبيق العقوبات ضد المخالفين دون تواطؤ، أو التركيز على تغيير أفكار وقناعات المراهقين والشباب تجاه فكرة العقاب البدني واللفظي من خلال المناهج الدراسية، وإعادة تقديم المرأة بصورة آدمية لتوعية الأجيال الجديدة بأن العنف ضدها يناقض كل مقاييس الرجولة، وتقويم السلوك يكون بالنصح والإرشاد لا الإهانة والإذلال.