آمنة جبران - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام كثيرا اسم هند صبري، لكن هذه المرة ليس بسبب دور جديد أو تتويج كما عوّدت جمهورها، بل بسبب حملة اعتبرها كثيرون “عنصرية” ضد هذه الفنانة التونسية، بسبب دعوتها للمشاركة في موكب نقل “المومياوات الملكية“ في القاهرة.
وانهالت التعليقات الرافضة لمشاركة صبري في الاحتفالية، كونها تونسية الأصل رغم زواجها من مصري، ورغم حصولها على الجنسية المصرية وفق الدستور منذ 6 أعوام، وابنتاها مصريتان. وانتقد الرافضون إغفال ممثلات مصريات تحمل وجوههن ملامح فرعونية مثل سوسن بدر وغيرها. فيما دافع آخرون عن صبري باعتبارها تعيش وتعمل في مصر منذ أعوام طويلة.
وصبري التي يراها البعض ممن أثاروا اللغط ”وافدة“ على الحياة الفنية المصرية، ليست مجرّد ممثلة عابرة، فقد تمكّنت بفضل إمكاناتها الخاصة من الحصول على موقع مميز في الدراما العربية، لا المصرية وحسب. وكل من شاهد فيلم ”صمت القصور“ الذي عُرض لأول مرة سنة 1994 كان قد توقّع مستقبلا ناجحا لتلك الفتاة السمراء الخجولة ذات الشعر المجعد، فتاة تطل لأول مرة على الشاشة التونسية وقد لعبت بإتقان دور ابنة الخادمة وأحد الأعيان من علاقة غير شرعية. ونال الفيلم آنذاك استحسانا محليا وعربيا وفتح الباب لتلك الصبيّة للعب دور مهم ومثير للجدل في ”مذكرات مراهقة“ للمخرجة المصرية إيناس الدغيدي.
كانت تلك بداية مشوار الفنانة التونسية هند صبري نحو السينما المصرية والصيت العربي، لتتتالى عليها العروض في ما بعد وتمنحها القاهرة الفرصة لإثبات موهبة استثنائية في بلد يعج بالمواهب والنجوم.
اليوم وبعد مسيرة سنوات صدقت تلك القراءات وأضحت التونسية، القادمة من عالم القانون والمحاماة، اسما فارقا في عالم الدراما التونسية والمصرية وهي تشق طريقها نحو العالمية عبر إنتاجات جديدة مع المنصة العالمية نتفليكس. وبشهادة النقاد تتميز صبري بقوة الأداء والتلقائية كما تبدو شخصية قريبة للكاميرا والمشاهد، فقد استطاعت أن تكسب التحدي في كل دور وتجربة فنية تخوضها. وتصدرت مرارا قائمة أفضل الممثلاث في العديد من الأعمال.
أحلى الأوقات
تؤمن صبري أن المرأة الفنانة تؤدي رسالة مزدوجة وصعبة بسبب استشراء الذكورية في المجتمعات العربية والنظرة الدونية التي تلاحق الفنانات. وهي تراهن على الفن وتثق بقدرة الموهبة الحقيقية على مواجهة الصعوبات والتحديات.
قدّمت العديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية، ومن أبرز أعمالها فيلم “عمارة يعقوبيان” عن رواية الكاتب المصري علاء الأسواني والذي كان إنتاجه مصريا فرنسيا مشتركا، وأبدعت في “أحلى الأوقات” وفي “الجزيرة”، وكذلك في “الفيل الأزرق“. ونالت العديد من الجوائز وشاركت في لجان تحكيم مهرجانات أفلام إقليمية ودولية.
وفي يناير الماضي حصلت على وسام الآداب والفنون الفرنسي، وهذا ثاني وسام تحصل عليه صبري من فرنسا “لمجهوداتها في الثقافة والفنون” بعد وسام فارس الذي منح لها عام 2014.
كما تعد صبري أول فنانة عربية يتم اختيارها في لجنة تحكيم مهرجان البندقية ”فينيس“ السينمائي الدولي وذلك في دورته لعام 2019. وهي أيضا سفيرة للنوايا الحسنة بالأمم المتحدة لبرنامج الأغذية العالمي.
في مرمى العنصرية
رغم إجماع أغلب النقاد العرب على موهبتها التي استطاعت من خلالها منافسة أشهر الفنانين المصريين، حيث باتت نجمة الصف الأول في المواسم الرمضانية أو السينمائية، بعد مسيرة فنية متنوعة بين الدراما والكوميديا، إلا أن الضجة التي رافقت إعلانها الترشح للمشاركة في موكب نقل المومياوات الفرعونية الملكية تكشف أن الموهبة لا تحمي الفنان من العنصرية، وتسلط الضوء على حجم التمييز الذي يتعرض له الفنانون العرب في الوسط الفني المصري.
وقد أبدى كثيرون رفضهم لما تعرضت له صبري من انتقادات من ذلك الفنان محمد منير الذي رد بقوة قائلا ”أرفض بكل الأشكال هذه اللهجة التي تعامل بها بعض الجهلاء مع الفنانة التونسية والتي أعتبرها مصرية قبل أن تكون تونسية”.
ومع استمرار الجدل بشأن مشاركة فنانة غير مصرية في حفل الموكب الملكي، ردت صبري على الانتقادات عبر صفحتها على موقع فيسبوك كاشفة عن إصابتها بفايروس كورونا بالقول “صباح الخير.. أنا في البيت ومعزولة والحمد لله، أيام معدودة تفصلني عن التعافي إن شاء الله من دور كورونا، وأعود للتصوير. ربنا يلطف بالجميع”.
وتابعت النجمة المحبوبة على نطاق واسع في العالم العربي “أفقت على سيل من الانتقادات والاعتراضات والتعليقات على مشاركتي في حدث نقل المومياوات الملكية، فوجب التوضيح: أنا كتبت فخورة بمشاركتي في هذا الحدث العظيم.. من اجتهد وقرّر أني مشاركة لوحدي؟” وتساءلت “هل يجوز أن حدثا بهذه الجلالة التاريخية يرتقبه العالم بأكمله من فرط أهميته تشارك فيه فنانة واحدة؟ ولو فنانة واحدة هل يعقل فعلا أن تكون مش مصرية أبا عن جد؟“.
وقد ندّدت صبري بكلماتها تلك بالفكر الضيق لدى الكثيرين. وعلى رغم الاستياء الذي بدا في عبارات صبري ضد ما طالها من انتقادات وتعصب، إلا أنه عكس وعيها بأن الفن أرحب من هذه الحدود التي ترسمها العنصرية والانغلاق الفكري. وعلى العكس يكشف إصرارها على تخطي القيود التي تعرقل عمل وموهبة الفنان والمضي في مواصلة أعمالها بهدوء.
وفيما احتضنت القاهرة على مدار تاريخها فنانين عربا وأجانب الذين ساهموا في إثراء الساحة الفنية، إلا أنهم عانوا في المقابل من التمييز خلال اختيارهم لأداء بعض الأدوار أو المشاركة في الفعاليات الرسمية المهمة.
ويقول الناقد السينمائي التونسي خميس الخياطي لـ”العرب” إن العصبية في الفن موجودة من القدم في مصر وغيرها من الدول، مشيرا إلى أن العديد من الفنانين العرب لجأوا فنيا إلى القاهرة مثل وردة الجزائرية وصباح اللبنانية وعلية التونسية، مستنكرا إثارة جدل الانتماء والهوية في زمن العولمة والتواصل الاجتماعي، وبرأيه يفضح ذلك نقائص المشهد الفني العربي.
ولفت إلى أن من نقاط قوة صبري الممثلة، ثقافتها الواسعة وإجادتها اختيار أدوارها، وقد نجحت في صقل موهبتها منذ أن اكتشفتها المخرجة التونسية الراحلة مفيدة تلاتلي التي اختارتها وهي تطوف بسيارتها أمام المعهد الثانوي بجهة سكرة من ولاية أريانة لانتقاء فتاة بملامح بسيطة وكاريزماتية لبطولة فيلم “صمت القصور”.
ويؤكد الخياطي أن صبري تحظى اليوم بموقع فني متميز إضافة إلى بقية الممثلات التونسيات في مصر ممن لديهن الحرية والجرأة في التمثيل، مضيفا قوله “لا نستطيع أن نقيّد الفن بجنسية وهوية”.
ويتسق رأي الخياطي مع رأي نقاد آخرين الذين نددوا بحجم التعصب الذي مازال مستفحلا لدى الشعوب العربية تحت يافطة الدفاع عن الوطنية الذي يكشفه مثل هذا الجدل في كل مرة، فيما يعد من أهداف الفن توحيد الشعوب في لغة واحدة وتخطي الحواجز وكل أشكال التفرقة.
“عايزة ورد يا إبراهيم“ مشهد سينمائي مازال عالقا في ذاكرة المشاهد العربي والمصري تحديدا لأحد أبرز أدوار صبري شهرة وهو دور يسرية في فيلم “أحلى الأوقات” الذي شكل نقلة نوعية في مسيرتها الفنية وحقق لها شهرة واسعة، لتكون اليوم ضمن نجوم الصف الأول في مصر.
استطاعت صبري أن تكسر بموهبتها حاجز الهوية والجنسية، وأثبتت أنه لا حدود للفن والإبداع، ودخلت إلى قلوب المشاهدين في أدوار من وحي الأحياء الشعبية، وعلى غرار شخصية يسرية، دورها في المسلسل الكوميدي الذي نال نجاحا واسعا “عايزة أتجوز” بشخصية عُلا أو دورها في مسلسل “حلاوة الدنيا” بشخصية أمينة وغيرها مع الأعمال التي جعلتها تحرز العديد من الجوائز الفنية والسينمائية أهمها جائزة فاتن حمامة سنة 2017.
ويرى المتابعون أن صبري لديها قوة في الإقناع لدرجة أن الكثيرين صدقوا أنها مصرية أبا عن جد. وحين قرر الممثل الأردني إياد نصار الاستعانة بمساعدة لإتقان اللهجة المصرية اختار صبري لهذه المهمة.
وفي الفيلم التونسي “نورا تحلم” الذي عرض في العام نفسه كسبت صبري الرهان مجددا بنجاحها في أداء دور أم تونسية كادحة من وسط شعبي تتعرض لعنف مادي ومعنوي، لكنها تستمر في الحلم بحياة أفضل مع حبيبها الذي تلتقيه خلسة.
زهرة حلب
صبري أيضا هي مناصرة لقضايا المرأة وتولي مثل هذه القضايا اهتماما في أعمالها، وكما تطرقت إلى الأم المعنفة في المجتمع، سلطت الضوء على النساء ضحايا الإرهاب والاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة في فيلمها “زهرة حلب”.
وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة والدفاع عن قضاياها، وتؤكد في تصريحات إعلامية أنها باتت “مهمومة بقضايا المرأة” وباتت لديها الرغبة أكبر في التطرق إلى “قضايا ملتزمة”.
وقالت خلال حوار أجرته معها وكالة الصحافة الفرنسية “أجد نفسي أدافع عن قضايا المرأة أكثر فأكثر دون أن أكون مناضلة بالضرورة. الدفاع عن حقوق المرأة ردّ فعل طبيعي إزاء الظلم الذي تعانيه النساء كل يوم في العالم العربي، كما في سائر أنحاء العالم”.
وتابعت “أمارس مهنة التمثيل منذ 25 سنة، وأشعر اليوم وأنا في سن الأربعين بأن لدي رغبة أكبر في التطرق إلى قضايا ملتزمة. وأنا أفخر بكوني امرأة وبكوني تونسية، نظرا إلى رصيد النساء التونسيات في الدفاع عن الحرية وحقوق المرأة“.
هي من الفنانات اللاتي تثيرهن الأفلام التي لا تصدر أحكاما على الشخصيات النسائية، حتى لو كانت تعيش أوضاعا تعتبر صادمة في مجتمعات أبوية. ترفض الصورة النمطية في السينما العربية التي تحصر المرأة في دور الخطيبة أو الزوجة أو الحبيبة التي عادة ما تكون ضحية.
وتحاول صبري أن تستثمر شغفها بالفن للتعبير عن مشاغل النساء في البلدان المغاربية والعربية عموما. ولذلك تقوم بأنشطة تنويرية على وسائل التواصل الاجتماعي للتوعية بقضايا التحرش والعنف الأسري، وقد دعت الناجيات من التحرش والعنف الجنسي في تصريحات سابقة لـ”كسر حاجز الصمت” تجاه هذا الواقع، في معرض تعليقها على الجدل الدائر حول فضائح التحرش بالعالم العربي.
ووراء حسها الحقوقي شخصيتها القانونية فهي خريجة حقوق من الجامعة التونسية وحاصلة على درجة الماجستير في حقوق الملكية الفكرية وهي مرسمة منذ فبراير سنة 2007 في جدول المحاماة في تونس. وقد أسهمت ثقافتها القانونية والفكرية في اختيارها لأدوارها الفنية بشكل ناجع وبصورة أعمق وشق طريقها الفني بثبات.
وقبل ساعات من انطلاق الحدث، استنكر وزير السياحة والآثار المصري خالد العناني الجدل المثار حول تجسيد صبري للملكة حتشبسوت في فعالية نقل المومياوات، مطالبا المصريين بإرجاء تقييم الحدث حتى يشاهدوه أولا. وقال العناني ”نحاول نفرح ونتلم كلنا على حاجة حلوة، ومنهاجمش حاجة إحنا بنعملها عشان نطلع بلدنا حلوة“. ومن المفترض أن يشارك عدد من الفنانين المصريين في الاحتفالية من بينهم يسرا وأحمد حلمي ومنى زكي وأمين خليل، بالإضافة إلى حسين فهمي وآسر ياسين.
وسيضم الموكب 22 مومياء ملكية ترجع إلى عصر الأسر الـ17، الـ18، الـ19، الـ20، من بينها 18 مومياء لملوك و4 مومياوات لملكات، هم رمسيس الثاني، رمسيس الثالث، رمسيس الرابع، رمسيس الخامس، رمسيس السادس، رمسيس التاسع، تحتمس الثاني، تحتمس الأول، تحتمس الثالث، تحتمس الرابع، سقنن رع، حتشبسوت، أمنحتب الأول، أمنحتب الثاني، أمنحتب الثالث، أحمس نفرتاري، ميريت آمون، سبتاح، مرنبتاح، الملكة تي، سيتي الأول وسيتي الثاني.
وأخيرا يصعب على المشاعر الغرائزية والشعبوية، مثل العنصرية والطائفية ونظائرها هزيمة أشخاص بقوة صبري، أسسوا لأنفسهم مكانة كبيرة في قلوب الملايين وحظيوا باحترام وتقدير راسخين على مدى أعوام طويلة. ومثلما تفخر هي بعلاقتها بمصر، فإن احتفالية نقل المومياوات الملكية تزداد قيمة بمشاركة شخصيات عامة ومؤثرة من طراز صبري.