ناصر جابي - الجزائر - " وكالة أخبار المرأة "

معطيات إحصائية مهمة أعلنت عنها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) بداية هذا الشهر، تخص نسبة النساء المهندسات في مختلف بلدان العالم، نتيجتها كانت أن الجزائر جاءت على رأس دول العالم في نسبة المهندسات النساء -48.5%، لتخبرنا هذه المنظمة الدولية أن المنطقة العربية، وليست الجزائر فقط تحتل كذلك مكان الصدارة في عدد المهندسات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمنطقة المغاربية، التي تتفوق فيها الجزائر كأكبر عدد للمهندسات فيها، على تونس 44.2% والمغرب 42.2%.
معطيات تؤكد ما كنا نعرفه في الجزائر، عن النجاحات التي حققها انتشار التعليم في البلد، بعد الاستقلال، والاستفادة القصوى التي حققتها البنات منه تحديدا، في وقت تقلصت فيه استفادة الذكور، في مجتمع عرف حرمانا طويلا من التعليم، نتيجة ما ميز الظاهرة الاستعمارية فيه، من طول وطابع استيطاني. حرمان عوضه الكثير من الفئات الشعبية والريفية عن طريق بناتها في وقت قياسي بعد الاستقلال، أجزم انه يميز الحالة الجزائرية، التي كانت الاستفادة فيها من التعليم أكثر شعبية وأكثر ريفية من نظيراتها العربيات والمغاربيات، بما فيها تونس التي حقق فيها تعليم المرأة قفزات نوعية، تفسر إلى حد كبير المكانة المتميزة للمرأة التونسية كحقوق وحريات، عكس المغرب الذي تعثر فيه انتشار التعليم بين الأوساط الريفية الشعبية.
لا يمكن فهم هذه التحولات السوسيو- ثقافية، بما أفرزته من استفادة من التعليم حققتها البنات الجزائريات، إلا إذا فهمنا أن تعويضا لدور الأب والعائلة قد قامت به الدولة الوطنية ومؤسساتها بنجاح كبير، لصالح الأوساط الريفية الفقيرة والمتوسطة، التي استغلت انتشار التعليم المجاني لصالح بناتها، في المناطق الريفية وشبه الريفية، التي وصلها بسرعة التعليم الثانوي والجامعي في السنوات الأولى للاستقلال، كان سبق الاستفادة منه لصالح الفئات الوسطى الريفية، وشبه الريفية – بنات التجار والفلاحين الكبار والمتوسطين وغيرهم – توسع لاحقا إلى الفئات الأكثر شعبية.
تعليم كان وراء الكثير من التحولات الثقافية داخل العائلة، وفي النظرة إلى المرأة داخل هذه الأوساط، التي فرض عليها انتشار التعليم إرسال بناتها – بأعداد كبيرة ـ إلى الدراسة في المدن الكبرى، بداية من السنوات الأولى للاستقلال، عكس ما هو حاصل حاليا بعد انتشار الجامعات، قد يفسر ولو جزئيا التراجع، الذي نلاحظه في العقود الأخيرة، في النظرة إلى المرأة، وحرية عملها وتنقلها وظهورها في المجال العام، رغم الشرعية الكبيرة التي مازال يتميز بها خروج البنات للتعليم، مقارنة بالخروج إلى العمل، شرعية يدعمها في الغالب الأب، حتى إن كان من وسط شعبي بسيط، وربما أمي، مثل الأم وقد يتحفظ عليها ويحاربها الأخ الذكر، الذي لم ينجح في تعليمه والمحيط العائلي القريب، بمن فيهم الأهل والجيران وزوجة العم، ممثلة وناطقا رسميا باسم هذه الأوساط المتحفظة على تعليم بنات العائلة.
هذا ما يجعلنا نُفصل في الآثار الاجتماعية لانتشار التعليم في بلد المهندسات، لنلاحظ أن هذا التعليم العالي العلمي، لا يساوي بالضرورة مكانة اجتماعية متميزة، بعد أن لاحظت بعض الدراسات أن المرأة المهندسة قد يكون مطلوب منها أن تتجه نحو التعليم الثانوي وحتى الابتدائي لاحقا، للتدريس تحت ضغط الوسط الاجتماعي، حتى بعد حصولها على شهادة مهندسة، عكس الورشة والمؤسسة الصناعية والمزرعة، التي أصبحت فيها المهندسة أكثر حضورا في السنوات الأخيرة. دراسات لاحظت من جهة أخرى كيف يتم توجيه المهندسات -عكس الذكور ـ إلى العمل البيروقراطي، في مكاتب الدراسات، مما يعطل بشكل جدي من إمكانية حصولهن على ترقيات مهنية نوعية، تكون عادة من نصيب زميلها الرجل، خاصة عندما يتعلق الأمر بمناصب التسيير والإدارة المركزية، داخل وخارج مكان الشغل، زيادة على ما لوحظ من تدنٍ للأجور مسّ هذه النخب العلمية التي لم تجد امامها نهضة صناعية كبيرة، كان يمكن أن تمنح قيمة أكبر لتأهليها وأدوارها.
نخبة علمية تعرف عدم تجانس في داخلها، بين الأعداد الكبيرة التي تكتفي بالتعليم داخل الجامعات الوطنية، وتلك التي تستفيد من خدمات الجامعات الأجنبية الأكثر تأهيلا، بما توفره من انفتاح على اللغات الأجنبية، التي لم تعد الجامعات الجزائرية قادرة على توفيرها لخريجيها، خاصة بعد انتشار التعليم الجامعي بالحجم الكبير الذي تعرفه الجزائر، عبّرت عنه بطالة المهندسات التي تحولت إلى ظاهرة عادية، في مجتمع تعطلت فيه مشاريع التنمية، وغاب فيه الطموح التنموي الذي كان يمكن أن يستفيد من هذه الأعداد الكبيرة من المهندسات. مهندسات غير حاضرات على مستوى مراكز اتخاذ القرار في المؤسسات والوزارات، إلا بقدر بسيط وبكلفة عالية، نتيجة ما تجده المرأة المهندسة من ضغوط وتهميش من كل نوع يكون قد وصل إلى حد التأثير في صحتها العقلية، كما تبينه بعض الدراسات القليلة التي تظهر كيف تُعاقب هذه المرأة الناجحة، وهي تُقصي من حقها في تكوين أسرة، لتفرض عليها العزوبية النهائية أو الطلاق، إن أصرت على نجاحها المهني، في مجتمع عادة ما يطلب منها أكثر بكثير مما يطلبه من زميلها الرجل، إن هي أصرت على تحقيق مسار علمي ومهني ناجح. رغم كل هذه العراقيل المعلنة والمستترة، في الشارع ومكان العمل والعائلة، مازالت المهندسة الجزائرية حاضرة وتسمع صوتها داخل بعض الفضاءات التي اختارتها للتعبير عن نفسها، كما هو حال جمعيات المجتمع المهني التي تتطلب تأهيلا علميا، كجمعيات البيئة والصحة والطفولة، عكس المجال السياسي العام – بما فيه الحزب – الذي مازال بعيدا عن تمثيلها بشكل يناسب حضورها الديموغرافي، كنخبة علمية. فضاء سياسي مازالت تتعرض المرأة فيه إلى أشكال تحرش لا علاقة لها بمواقفها السياسية، بقدر ما هي مرتبطة بها كامرأة حاولت أن تخترق الحصار المفروض عليها لدخول المجال العام، بعد نجاحها العلمي الذي يميزها أكثر من الرجل، كما تؤكد الكثير من المؤشرات الإحصائية كنسبة النجاح في الثانوية العامة.
كل هذه التحولات التي عاشها المجتمع الجزائري وهو ينتج مهندساته، بكل التناقضات التي لاحظنا، تم التعبير عنها بصدق كبير بمناسبة الحراك الشعبي، الذي احتلت فيه المرأة والفئات الوسطى المتعلمة مكانة محورية أثناء المسيرات الشعبية، بكل أشكال التعبير والسلمية التي ميزتها، حضور حظي بقبول كبير من قبل مختلف مكونات الحراك، وعلى رأسهم الشباب من أبناء المدن الكبرى والأحياء الشعبية، الذين عبروا عن مستوى قبول واحترام للنساء المتعلمات، من أبناء الفئات الوسطى، بمناسبة المسيرات، لم يتوقعه أكبر المتفائلين، ليعبر بذلك الحراك عن نفسه كلحظة تاريخية نوعية في مسيرة بلد المهندسات، وهو يطالب بحريته لبناته وابنائه.