الأديبة والروائية : مريم محيي الدين ملا - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ

ذات ربيع جميل كنت على موعد مع الأستاذ حنا مينه  للحديث عبر الهاتف جاء صوته بعيدا  لكنه دافئ شعرت  كانه كان يقف عند شجرة اللوز المزهرة التي تفتحت براعمها للتو وملأت المكان برائحتها العطرة وهو يتحدث معي.
 قال بعد ان رحب بي  : انا قرأت مؤلفك الأول وعرفت انك كتبتيه عن امومتك الان اريد منك ان تكتبي رواية لا تعرفين شخوصها  في الواقع اطلقي لمخيلتك العنان واكتبي
وسا حضر الى الامارات قريبا ونلتقي .
أغلقت سماعة الهاتف وكانه دب بي الحماس وسكب في راسي الأفكار سرعان ما كتبت  مؤلفي الثاني "الليل الأبيض" بعد شهر  او اكثر وصل الأستاذ حنا لابوظبي حين التقيت به اخذ روايتي التي  كانت ماتزال على الورق  بلهفة واضحة فتح الظرف الكبير الأزرق التي جمعت به الرواية و جلس يقرأ ويقرا  كان عند نهاية كل  صفحة  تتغير ملامح وجهه بعد ان تعبق باللون الأحمر ويزيد من  شرب سجائره اكثر  كنت اراقبه  بدقة وابحث عن تفاصيل ملامح وجهه التي اعرفها ولا اعرفها  ولكن  قبل ان يصل للصفحات الأخيرة توقف .
قائلا  :
انا معجب بما كتبت سا اخذها معي  عندما اسافر ونهض الى الطاولة  كانت حقيبته السومسونايت البنية  اللون مفتوحة  أعاد اوراقي لنفس الظرف  واغلق الحقيبة ونظر الى وجهي قائلا يمكنك ان تطبعيها وسوف اصرح  للصحافة عنها...  لحظتها شعرت بفرح غامر طرت فيه من الفرحة فانا الكاتبة المبتدئة وهو الأستاذ المخضرم  ان يقول لي اطبعي مباشرة دون أي تعديل هذا شيء كبير  !؟ في اليوم الثالث  قرات ماقاله عني وعن الرواية في الصحف  وطبعتها مباشرة ونشرتها  ولم استطع ان اشكره لانه كان قد غادر .
اعتقدت ان هذا هو الامتحان وقد انتهيت منه لكنه فاجأني  بعد سنة تقريبا حين اخبرته انني قادمة لزيارة  دمشق طلب مني ان ابدأ بكتابة  أي شيء فيه بحر أي بحر اريده  واختاره فاخترت ان اكتب عن الامارات قديما و عن رحلة الغوص التي كانوا يمارسونها لصيد اللؤلؤ و أظهرت فيها كل افراد السفينه باسمائهم المحلية  كالنوخذه أي قائد السفينة  ووصفت بدقة عما واجه تلك السفينة من مخاطر  كثيرة وكتبت عن  الطبيعة والصحراء معا بنفس العمل  مايقارب 50 صفحة وبعدها غادرت  الى دمشق واليه  مسرعة فانا  قطعت شوطا كبيرا في الرواية تواعدنا ان نلتقي في مكتبه بدمشق .
كان صباحا مشرقا و ازهار الياسمين تملأ شوارع دمشق  بلونها الأبيض الجميل ورائحتها العطرة وانا اسير طوال الطريق اليه  وصلت مكتبه كانت النافذة  مفتوحه والهواء يلعب بالستائر البيضاء لم يدعوني للجلوس بل اخذ الأوراق مني وجلس  يقرأ خلف مكتبه المكتظ بالاوراق والملفات واخفى وجهه عني ونسي انني موجودة  فاتجهت للنافذة كان قد أفسح مكانا للزنبق والفل مكانا  لعيش بقلب جرار فخارية وضعها  على حافة نافذته لتعبق بالمكان   .
نهض من مكتبه فجأة وطلب مني ان اجلس مكانه  واختار مكانا بعيدا عني قليلا وهو ينفث دخان سجارته  قائلا  اجلسي وتابعي من حيث توقفت .
جلست خلف مكتبه  وامسكت بالقلم اكتب واكتب واكتب حتى تعبت  يدي فقد مضى علي ساعتين او ثلاث شعرت بهم  بالعطش وان روحي تعبت فطلب مني التوقف واخذ كل ما كتبت وهو مايزال واقفا مقابلا لي كانت قسمات وجهه واضحة لم يخفيها عني هذه المرة  لكنها كانت  قد غابت  ولم تتغير واكتسى وجهه باللون النبيذي فشعرت بالقلق لانني فهمت ان هذا هو الامتحان الذي وضعني به دون ان ادري نظر الي مهنئا ناصحا قائلا ان استمريت على هذا سوف تصبحين روائية عملاقة كنت اعتقد انك كاتبة طبيعة لكنك اثبت انك كاتبة بحر أيضا يالموهبتك !
خرجت من مكتبه متعثرة الخطوات اسمع طرقات قلبي تطرق طرقا عنيفا تريد ان تخرج من صدري لمست ملامح وجهي خائفة  من ان تكون قد اختفت كما تختفي ملامح وجهه هذا الكاتب الكبير الذي انار لي بمصابيحه الزرق  وعيناه الزرقاوان طريق الرواية  ورحل عن دنيانا  بعدها بسنوات ليبقي في ذهني وفي وجداني ومشاعري  وكل احاسيسي  بقايا صور  .