الدكتورة سهام الخفش - " وكالة أخبار المرأة "

لم يكن وداع ألمانيا التأريخي للسيدة العظيمة ميركل المستشارة ورئيسة الوزراء التي قادت وطنها و80 مليون ألماني 18 عاما من التفاني والإخلاص والكفاية والشخصية ..خبرا عابرا بالنسبة لي ، ولا أرغب بإضافة ما قيل عن هذه السيدة العظيمة عن تواضعها وقيامها بإدارة منزلها بنفسها ، كذلك عن اختيارها لنوعية الملابس  ومحدودية التغيير والتبديل واصفة ذلك أنها ليست عارضة أزياء بل  جاءت لخدمة شعبها ووطنها ،  حيث اشير الى هذا في عدد من المقابلات وكل من تابع هذه السيدة يعلم ذلك جيدا..
ميركل التي أبهرت العالم بشخصيتها وانجازاتها  ونهضت باقتصاد بلادها وكأن تخصصها في الاقتصاد
لا في الفيزياء.
ومن قبل ميركل السيدة مارغريت تاتشر التي لقبت بالمرأة الحديدية،  رئيسة وزراء المملكة المتحدة  1979- 1990. وزعيمة حزب المحافظين ، وتعد من أهم الشخصيات المؤثرة في تأريخ المملكة المتحدة ووسمت سياستها بالتاتشرية ..
وأنا أقف وأتساءل.. لِمَ هؤلاء السيدات قد نجحن نجاحا باهرا ولم يسجل عليهن أية مخالفات أو فساد  أو قضايا أخلاقية ..هل يملكن عقولا مختلفة  عن سائر نساء  العالم العربي ..
لِمَ لا نفكر في عالمنا العربي بهذه التجارب الرائدة ولا نُسهم في خلق  فرص قيادية للمرأة ..
عندما نتحدث في بلادنا العربية عن حق المرأة في المناصب القيادية نسمع الجمل التالية : المرأة ناقصة عقل ودين ، المرأة خلقت من ضلع أعوج  ، المرأة مكانها البيت ، فلا عجب في ذلك لجيل كامل رضع من مناهج جندرية قللت من شأن المرأه وحصرت عملها فقط بما يلي : ماما تطبخ ، بابا يقرأ الجريدة ،  رباب تساعد امها في المطبخ ، باسم يلعب بالكرة..ثم بعد الغداء بابا ينام وماما تنظف الصحون ، وفي المساء رباب تحضر العشاء إلى أخيها باسم ، وباسم بشاهد برامج التلفزة..  وهكذا ..
بالله عليكم كيف تقنع هذا الجيل بغير ذلك ..
والسؤال المهم ، ما المرأة التي يريدها مجتمعنا؟وسؤالي ليس موجها إلى الرجال الذين يريدون الارتباط بالمرأة ، لأن اختيارهم ورأيهم سوف يكون مختلفا ..بل أعني المرأة  التي نريدها في مجتمعنا لكي يرتقي وينهض..
طالما أن الذكور وحدهم يضعون الشروط على الأنثى ويبسطون وصايتهم عليها، ماذا نتوقع ؟
اذا اردنا بناء مجتمع مليء بالحيوية والنشاط ، مجتمع صامد  أمام عقبات الحياة وعراقيل الأزمات ..لا بد لنا من غسل العقول عن المفاهيم الخطأ حول المرأة .
أن تتسلم المرأة العربية مناصب قيادية مثل ميركل وتاتشر وبي نظير بوتو .. وغيرهن ، هل معنى ذلك أن المرأة خرجت عن فطرتها وتشوهت انوثتها وفسدت اخلاقها وخالفت شرع الله .
فهناك نساء مبدعات رائدات ذوات عقل  اوصلن الرجل الى ما وصل إليه من قوة ونجاح .
للأسف في عالمنا العربي عندما تتولى  امرأة  حقيبة وزارية أو منصبا قياديا ، الذكي فينا يبدأ بنبش الماضي، واذا امتلك  أية معلومة او حتى صورة لها وهي تتمشى مع كلبها على سبيل المثال  ، فيصبح سوبرمان عصره وبطل زمانه فيسترجع الماضي ليلاحقها، أما الرجال فهم بلا ماض.
نحن بحاجة الى نماذج نسائية بأخلاقها وعلمها وانجازاتها ، تعيد المرأة  الاعتبار لنفسها لتحبط المؤمرات التي تنسج ضدها ..نحن نريد المرأة التي ترتدي الثوب الذي تصنعه بنفسها وتلقي بعيدا الثوب الذي نسجه المجتمع لها ..إمرأة اليوم عليها ان تمسك زمام امورها.
لا بد من وجود العزيمة ، ولا بد من وجود إمرأة أخرى بداخل كل امرأة تدفعها للمثابرة والنهوض والقوة.
نريد المرأة التي تهذب عقلها أكثر مما تهذب شعرها وجسدها ، نريد المرأة التي تناضل من أجل فكرة أو  قضية ،  لا تناضل من أجل الشفط والنفخ والموت تحت عمليات التجميل ..
مجتمعاتنا كي تنهض؛ تحتاج إلى أمرأة قوية حرة ، تملك زمام العلم والمعرفة ، لا تبنى المجتمعات إمرأة تساوم على مهرها وحفل زفافها ، لا تُبنى ولا تنهض المجتمعات الا بإمرأة متعلمة مثقفة واعية حرة.
ميركل ليست حالة لا يمكن أن تتكرر ، فهناك سيدات قادرات على قيادة المراكب بكل كفاية في حال توفر البيئة الخصبة النظيفة ..
وعلى قول سقراط ” الذكاء يحول القبح جمالا في حين لا يستطيع الجمال إصلاح الجهل” …
المرأة التي تربي الأجيال وتنجب الرجال قادرة على اكثر من ذلك،
المرأة التي تدفع ثمن الحروب والنزاعات وتفقد المعيل قادرة على أن تستمر بقوة وتنهض من جديد .
تحملت النساء إعمار ما خلفته الحروب على مر العصور في أوروبا وغيرها . الا توجد نساء فدائيات يرزحن  في سجون الاحتلال .. وهن أجمل نساء العالم ..
نأمل مستقبلا واعدا ولنرى أنموذج  ميركل وتاتشتر في عالمنا العربي ، لعل حالنا يتغير للأفضل ..
دمتم ودام وطننا…