نضال قوشحة - دمشق - " وكالة أخبار المرأة "

في جدلية الضوء والصوت، حيث من غير المعتاد أن يتضافرا في فيلم سينمائي، تظهر أجواء الفيلم التجريبي “إلى حيث” للمخرجة اللبنانية باميلا نصور، إذ يتّضح فيه جموحها نحو بناء لغة سينمائية تجريبية تقدّم موضوعا حارقا وعصيا على المعالجة، وهو جسد المرأة بما يحمله من حساسيات فكرية ودينية قد تزرع في طريقه عواصف صاخبة.
وتأكّد هذا الجموح في إيجاد حالة صوتية في الفيلم متمثلة في الشعر، الذي كتبه فوزي يمين وامتد على زمن الفيلم الذي تجاوز الثماني دقائق بقليل.
بين لقطات بصرية جمالية تشي بحدود الجسد وتضاريسه وديالوغ صوتي شعري بين رجل وامرأة، يذهب الفيلم بالمتلقي إلى أماكن بعيدة يسير فيها بتصاعد صوتي حينا وتخافت حين آخر متنقلا بين صوتي الرجل والمرأة، ليستعرض جملة من الأفكار العميقة والدفينة عن لغز جسد المرأة، مستخدما كاميرا الميكرو التي قدّمت جسد المرأة بطريقة نادرة، حيث مساحات من اللون والظل وانزلاقات ترافق انحناءات الجسد وتفاصيله بشكل قد لا يوحي أصلا بأنه جسد امرأة.
شعر بصري
في البعد السينمائي الصرف قد يبدو عصيا التعامل مع نص شعري يبدأ بقول الشاعر “كان يا ما كان في قديم الزمان، كان لي يدان وهبتهما إلى أقرب ريح”. وهي الحالة التي سرعان ما تصاعدت لتقول المرأة “نفشت جلدي وافترست مجاعتي في أول الطريق لقمة لقمة”. ثم تنساب عواطفها في جملة هادئة فتهمس “قدماي في الأفق البعيد وكان شعري أملسا”.
وترعد المرأة ثانية، لتقول “كان يا ما كان في قديم الزمان، قرّرت أن أركض دون سبب ولا اتجاه، أن أركض ولا أسقط ولا أنظر ورائي حتى لو وقع نصفي”. ثم تعود أدراجها، لتقول “رحت أعود أدراجي إلى الوراء فقط لأرى دعساتي علّي أستأنس بها”. لينتهي الحوار الشعري إلى فحيح يخرج بصوت المرأة وهي تتحدّث عن هواجسها والسماء التي فوقها.
في الفيلم محاولة جريئة للولوج إلى موضوع قديم بلغة تجريبية جديدة، فمخرجته باميلا نصور تنطلق من فكرة ضرورة الحديث عن الجسد بطريقة مختلفة غير مزيفة ولا تقليدية كما هو موجود في السينما العربية وحتى العالمية.
وتؤكّد نصور أن الفيلم كان جوابا على نقطة استفزازية كثيرا ما أحسّت بها، وهي عن كيفية النظر إلى الجسد بصورة عامة وخاصة جسد المرأة. وتقول “كوني سينمائية كنت متأكّدة أن الكاميرا يمكنها أن تجعلنا نرى الجسد بطريقة مختلفة عن الحالة التقليدية، فقرّرت تنفيذ الموضوع وتحديدا عبر كاميرا الميكرو التي تجعلنا نرى ما لا نراه بالعين المجردة. ثم جاء الشعر ليكمل المهمة”.
وتضيف “الشعر كما يقول جان كوكتو هو وسيلة لنقول ما لا يقال، لذلك لجأت إليه، فعندما تجتمع الكاميرا التي تخترق حدود العين في المشاهدة مع الشعر الذي يحفّز العقل والشعور، لحظتها يمكن أن نصل إلى أعماق بعيدة متجاوزين السطح بكثير”.
خيار موفق
التناول التجريبي في فيلم “إلى حيث” كان حدثا مؤثرا فيه وكان خيارا موفقا كونه يعالج موضوعا عميقا بأفكار جديدة. وعن ذلك تبيّن نصور “عندما اخترت النمط التجريبي، كان مردّ ذلك أنه غير معني بعناوين محددة وهو متنوّع، لأنه يجعل الكاميرا والصوت أصحاب المقدّمة في المسير ونحن نقوم بمتابعتهما”.
وخلال سنوات التصوير التي استمرت ما يقارب الأربع سنوات كانت الصيغة التجريبية التي عملت عليها نصور بصرية، ثم جاء الشعر ليكملها ويتابع معها إلى المزيد من الجمال.
وتقول في هذا الخصوص “أنا كامرأة عربية سينمائية لا أعترف بالحدود وهي غير موجودة في حياتي، أنا مقتنعة بفكرة الجمال والعمق وليس لديّ إلاّ الكاميرا التي أفهمها والصوت هما اللذان يعبّران عني، عندما صنعت الفيلم كان هاجسي العمل على التجريب والتحدي”.
شارك الفيلم في العديد من المهرجانات المحلية في لبنان وكذلك في العديد من الدول وحقّق الكثير من الجوائز العربية والعالمية، حيث تحصّل على جائزة أفضل مخرجة للفيلم القصير، وجائزة أفضل موسيقى تصويرية للفيلم القصير وجائزة أفضل مونتاج للفيلم القصير في مهرجان جوائز “غرالها” العالمية الشهرية الذي يقام في مدينة كوريتيبا البرازيلية. وكان قد حقّق قبلها جائزة أفضل مخرجة للفيلم التجريبي في مهرجان البرازيل الدولي للسينما المستقلة الشهرية، وجائزة أفضل فيلم قصير فني لأول مرة في مهرجان “إف.إف.تي.جي” الأميركي. وهو إلى ذلك مرشّح للمشاركة في العديد من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية في العام الجاري.
وتقول نصور “البرازيل كريمة جدا، وأنا فخورة بهذه المشاركة اللبنانية العالمية، استطعت مع فريق العمل نقل صورة لبنانية ولغة عربية بامتياز إلى حضارة وبلد بعيدين وغريبين عنا”.
وتستطرد المخرجة اللبنانية الشابة “أحب أن يشارك فيلمي في كل المهرجانات المتاحة، وأن يحصد الجوائز، لأنها تكون محفزة لتقديم المزيد من الأفكار. لكن فيلم ‘إلى حيث’ لم يكن الهدف منه تحقيق الجوائز، بل كان فيلما معنيا بتقديم أسئلة وأفكار وأن يشاهده أكبر عدد ممكن من الجمهور العالمي. وجولته العالمية في المهرجانات حقّقت هذه الغاية، وهو الذي عرض في مهرجانين في لبنان وفي البرازيل والولايات المتحدة والهند وغيرها”.
وتضيف “لا أعلم إلى أي حد يمكن أن تكون المهرجانات منفتحة على الفيلم التجريبي، وبهذا الموضوع بشكل خاص. ولكني كنت محظوظة بالعروض التي شاهدها عشاق السينما حول العالم، فهدفي المشاهدة وليس الجوائز، وما أسعى إليه هو إلقاء الضوء على الأفكار غير التقليدية التي تسم شعوبنا وتتجذّر على حيثيات متعلقة بالحروب أو المفاهيم الدينية، وأفضل أن أقدّم ما هو أعمق وأبعد من فيلم يروي قصصا تقليدية مكرّرة، وهو ما حقّقه فيلمي بشهادة النقاد الذين أكّدوا تميّزه على مستوى صورته الجديدة الشاعرية والرؤية المتميزة لجسد المرأة وكيانها، ناقلا المشاهد إلى عالم ساحر يحبس الأنفاس منذ اللحظة الأولى للمشاهدة”.
وباميلا نصور سينمائية لبنانية درست السينما في جامعة الكسليك، وعملت في العديد من المشاريع الفنية في تصوير الإعلانات والفيديو كليب، ثم اتجهت إلى السينما التجريبية وأنجزت فيلمها الأول “إلى حيث” الذي شاركها فيه فوزي يمين ككاتب للحوار وجوزيف عبدو مديرا للتصوير وجيمي مناع في الموسيقى التصويرية وزياد مزرعاني في المونتاج. وهي تستعدّ حاليا لإنجاز فيلم آخر تحت عنوان "محاولة".