محمد الحمامصي - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

تطرح الباحثة والناقدة الكويتية سعاد العنزي في دراستها المقارنة بين الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف والكاتبة العربية مي زيادة، والمعنونة "نساء في غرفة فرجينيا وولف" تساؤلات مهمة من بينها: ما هي نقاط التشابه والاختلاف بينهما؟ ولم تم تجاهل جهودهما في الكتابات النقدية العربية الحديثة بينما يتم تداولهما بشكل شبه يومي بوسائل التواصل الاجتماعي، والثقافة المحكية مع غياب الكتابات النقدية والأكاديمية الحديثة عنهما؟ كيف تأثرت كل منهما بظروف حياتهما الأسرية، وبالظروف السوسيو ثقافية في عصرهما، وأثرت على حياتهما الشخصية وتأثرت سيكولوجيتهما وأنتجت أعراض الصدمة على حياتهما ولا سيما في المرحلة الأخيرة من حياتهما؟ كيف عبرت كل منهما عن قضايا المرأة والمجتمع بروح نقدية متقاربة جعلت من السهل الربط بين أفكارهما الخاصة بالمرأة؟ فرجينيا وولف من خلال أعمال مثل "غرفة تخص المرء وحده" و"القارئ العادي" و"ثلاثة جنيهات"، ومي زيادة في ثلاثيتها النسوية الشهيرة: عائشة تيمور، باحثة البادية ووردة اليازجي وبقية رؤاها النسوية المنتشرة في مقالاتها الصحفية ومؤلفاتها المتعددة.
تشير العنزي في دراستها الصادرة عن دار نينوي أن الأدب النسوي يمثل واحدا من أهم ملامح أدب الحداثة في الغرب والشرق، ويعد أحد منتجات العصر الحديث الذي ظهر متأثرا بالثورات الصناعية، والدخول إلى عالم المدن الذي هيأ للإنسان الحديث الاستقرار، وقدم له فرصة كبيرة للالتقاء بالآخر وتنظيم جماعات أدبية وحلقات فلسفية هيأت للأدباء الالتقاء والاطلاع على المستجدات العلمية والفكرية والفنية.
وترى أنه إذا كان الأمر في الغرب شهد تنوعا واختلافا في الطروحات والرؤى وأنتج مسارات نقدية لافتة ومهمة في تعددها وكثرتها، فإن الوضع في الوطن العربي في مجال الدراسات النسوية تحديدا، لم يزل يعاني من عدد من القضايا الإشكالية منها: أولا: عدم الاتفاق على مصطلح "الأدب النسوي" وعدم تحديد دور الأدب والنقد النسوي والتذبذب بين رفضه وتأييده.
ثانيا: عدم إدراك أن وجود المرأة الكاتبة والحضور الكمي لا يعني أن المرأة قد أنجزت منجزا يمثل قضاياها الخاصة، فلا يزال أمام المرأة طريقا طويلا من تحقيق الكثير من المطالب التي يمكن أن يكون الأدب عالما رحبا لمناقشتها. يظن الكثير من المهتمين بالأدب النسوي أن خروج المرأة للعمل ووجود كاتبات نساء يعني أن النسوية قد وصلت إلى منتهى غايتها، فإذا كان لدينا نساء كاتبات لا يعني هذا أن المرأة قد تم تمكينها بشكل كامل، فثمة نساء من بيئات ثقافية أقل تعليما وثقافة وحرية وتحتاج إلى أن تسمع صوتها للعالم وأن يتم الدفاع عنها ما دامت غير قادرة على امتلاك أدواتها.
ثالثا: تبتعد كثير من الكاتبات النساء عن قضايا المرأة لاعتبارات كثيرة إذ ترى بعض الكاتبات أن لديهن قضايا إبداعية أخرى تختلف عن الطرح النسوي، وأنهن لسن مضطرات لتبني موضوع المرأة ومن حقهن التعبير عن رؤيتهن للحياة من دون الارتباط برؤية فكرية محددة.
رابعا: ثمة نوع من الكاتبات اللاتي يتخوفن من التطرق لقضايا تهميش المرأة لئلا تنسب هذه القصص لهن وتلصق بحياتهن الخاصة أو أن يخسرن مواقعا معينة حصلن عليها بمباركة السلطة الذكورية.
وتؤكد العنزي أنه في خضم هذه الإشكاليات المتعددة نجد فضاء تبعثر كبير في الكتابات النسوية والدراسات النقدية التي تظهر بين فترة وأخرى لسد الفراغ وتسجيل موقف هنا وهناك من دون أن تسجل لنا الدراسات النسوية خطا متصلا من طرح المفاهيم والرؤى النقدية التي تراجع ما سبقها وتضيف عليه شيئا جديدا يتصل بمستجدات الثقافة وتطورات أدب المرأة والنقد الأدبي. حتى الموجة الأولى من النسوية في الوطن العربي لم تجد من يتفحصها ويكتب عنها إذ تم الاكتفاء بما تمت مناقشته وكتابته في الماضي عنهن من دون مراجعة واستعادة هذه الأصوات في الزمن المعاصر. من هنا، يتعين على المهتمين بالنسوية مراجعة الخطاب النسوي وتطوراته وعدم الثقة التامة بمراجعات الماضي، لأنها كانت محكومة بظروف ثقافية معينة تتوجب المراجعة وإعادة القراءة والاستفادة من المعطيات المعاصرة للثقافة والمفاهيم النقدية الجديدة.
وتلفت العنزي إلى أن دراستها لا تهدف لمناقشة جهود الحركات النسائية الغربية والعربية بشكل عام، بل تهدف إلى قراءة جهود ناقدتين تم تجاهل جهودهن النقدية في الوطن العربي لأسباب مختلفة ومتعددة منها ما يتعلق بذكورية الثقافة العربية، وآخر يتعلق بالاهتمامات النقدية للدارسين والمشتغلين في الدراسات الأدبية والنقدية.
وقالت: في هذا الكتاب، أقدم دراسة مقارنة بين فرجينيا وولف ومي زيادة على مستوى الحياة الشخصية والجهود النقدية النسوية المبكرة إذ تلتقي مي زيادة بفرجينيا وولف في أكثر من جانب، لعل أهم هذه الجوانب؛ معانتهما الإنسانية، ورؤاهما النقدية النسوية المبكرة التي لم تجمع في سياق نقدي واحد.
وتتابع العنزي أن أهم العوامل التي دعتها للمقاربة بين جهود وولف وزيادة تمثلت في:
أولا: إنهما كاتبتان تنتميان لعصر واحد متقارب في الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي شكلت كل منهما. ولدت فرجينيا وولف تاريخ 25 يناير/كانون الثاني 1882 وتوفيت بتاريخ 28 مارس/آذار 1941، أما مي زيادة فقد ولدت في 11 فيراير/شباط 1986 وتوفيت في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1941. وهذا يعني أنهما عاشتا في نفس الفترة الزمنية بكل ما تمر به من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية من حروب عالمية، وتغييرات سياسية واجتماعية مهمة سواء في المملكة المتحدة أو في مصر. في هذه الفترة الزمنية، طرأت مفاهيم جديدة على الثقافة أتاحت فرصة التفكير في صورة المرأة والهوية الإنسانية بطريقة مختلفة عن المألوف مستفيدة من معطيات التفكير العلمي الحديث.
من ناحية الطبقة الاجتماعية، نشأت فرجينيا وولف بأسرة غنية من أعلى الطبقة المتوسطة، بينما نجد أن مي زيادة هي كذلك من أسرة ميسورة الحال من الطبقة المتوسطة لرجل مثقف وكاتب أعطاها امتياز أحد الصحف، وهذا ما سيدرس في الفصل الثاني من هذه الدراسة.
ثانيا: تقاطعت ظروف حياتهن وصولا للمرحلة التراجيدية المؤلمة في حياتهما الموت انتحارا بالنسبة لوولف وشبه انتحار بالنسبة لمي. فرجينا وولف أراد قومها إنقاذها من الموت والجنون بكل ما أوتوا من قوة بينما قادت الظروف الاجتماعية والعزلة والتجاهل الثقافي ميا إلى الموت أيضا بكل قوة! وقادتها مشاعر الخيبة والخذلان والصدمة النفسية القاسية إلى الانهيار واعتزال الكثير من المحيطين بها إلى أن وصلت إلى الموت: كانت تحاول قتل نفسها بإهمال حياتها وأخذ جرعات كبيرة من الدواء.
ثالثا: بحثت كل منهما في تناقضات الثقافة الذكورية، ونقدتاها نقدا عقلانيا أوضح التحيزات الذكورية ضد المرأة ووضع المقارنات والمفارقات الحادة التي أنتجتها أفكار الفلاسفة مثلما قوضتا أفكار أفلاطون وأرسطو حول المرأة. ومن أهم أمثلة التشابه الدقيق بينهما هو أنه كتبت فرجينيا وولف عن أخت شكسبير المتخيلة، بينما كتبت مي زيادة عن فيلسوفة في القرن الرابع الميلادي قامت بدور مشابه فقوبلت بالجحود والنكران، كما قارنت تناقضات رؤية فولتير الدونية للمرأة، وهو الذي فهم الفلسفة عن طريق امرأة.
رابعا: كانت كل من فرجينيا وولف ومي زيادة مهتمتان بتوظيف كتابتهما لخدمة المرأة، وقضايا المرأة لدرجة أنهما تدخلان موضوع المرأة في أي قضية نسائية، وهذا يعني محاولة تأكيدهما على موضوع المرأة في كل سياق. الأمر اللافت أن لا فرجينيا وولف ولا مي زيادة كانتا تتعرضان لأي قهر ذكوري بسبب البيئة المنفتحة التي تنتمي لها كل منهما مما يعطي كتابتهما أهمية إنها ليست نتاج رؤى واقعة تحت وطأة التجربة الشخصية والمعاناة مما يقلل من أهمية نقدهما.
وتقول العنزي: صحيح إن الكاتبتين تنتميان لنفس العصر ولدتا وتوفيتا في نفس السنوات، ولكن الأولى وولف تنتمي لثقافة ولغة وفكر المستعمر، فيما كانت مي زيادة تنتمي لواحدة من الشعوب المستعمرة، الأمة العربية. ومع هذا، نجدهما ناهضتا الاستعمار بكافة أشكاله. أما على مستوى هويتهما الفردية، فكانت نقاط الالتقاء كثيرة، أهمها الصدمة التي عاشتها كل منهما على اختلاف تفاصيلها أدت إلى نتيجة واحدة هي الموت: انتحار فرجينيا وولف، وانعزال مي زيادة عن الفضاء العام وصولا إلى الموت.
بإمكان المرء، القول إن صدمتهما انبثقت من قلب أنوثتهما. عرض الفصل الخاص بالموت، أعراض الصدمة التي أدت إلى موتهما وأحدثت اضطرابات خطيرة على شخصية وولف ومي، التي كان سبها الرئيسي كونهما نساء. عانت كل منهما من أحداث الموت والفقد، وبشكل أساسي عانت فرجينيا وولف من الاغتصاب، ومشكلة العقم والوصول إلى سن اليأس، فيما عانت مي من محاولة ودأها ثقافيا وإنسانيا فتعرضت إلى استلاب كبير، وجسد يقاد بالمؤامرات إلى العصفورية. والمفارقة هنا، إن مجتمع وولف وبالذات زوجها، حاول إنقاذها من الجنون، فيما كانت مي زيادة المرأة التي حاربها مجتمعها حتى أوصلها إلى المرحلة الأخيرة من حياتها بعدما تآمر عليها الأقربون، وتخلى عنها الأصدقاء، وصلت إلى مرحلة الشك والوسواس القهري.
إن محنة مي زيادة تقول بشكل صريح، إن كل امرأة في الوطن العربي هي مشروع وأد ثقافي صريح ورمزي. ولا تزال النساء في الوطن العربي تعاني من أشكال تهميش مختلفة، وتشتيت لهويتها ولرؤيتها لوجودها.
وتوضح أن لم تكن الأحداث سابقة الذكر حاجبة لهن عن ممارسة دورهن الثقافي والتزامهن الفكري وتبنيهن لقضايا مجتمعاتهما والمجتمعات المحيطة بهن. فكتبت كل واحدة منهن عن قضايا المجتمع وأخذتا الدور التنويري في المجتمع برغبة قوية في تنوير المجتمع وحمل شعلة التغيير. لقد اهتمت فرجينيا بضحايا الفاشية والاستعمار، وناقشت قضايا الفاشية والمرأة الألمانية، فيما كتبت مي معلنة رفضها لأي منتج ثقافي ألماني وقت الحرب الألمانية. إضافة إلى كتاباتهما في كثير من القضايا الإنسانية رغم أنها ستثير غضب المؤسسات الثقافية.
وتؤكد العنزي أن دراستها أرادت أن تقول إن الحاجة للدراسة النسوية في الوطن العربي، هي أمر ضروري لأسباب منها: إن وضعية المرأة العربية لا تزال وضعية دونية، وإن شرعت القوانين لخدمة قضايا المرأة، إلا أنه لا يزال البون شاسعا بين التنظير والتطبيق، وليست غالبية النساء في الوطن العربي قادرة على أخذ حقوقها كاملة. وهذا الأمر يكثر في مناطق تغص بمظاهر الحياة البطريركية ويقل في أماكن أكثر انفتاحا وتحررا. السبب الثاني: إن أدب المرأة لا يزال أدبا ناشئا في كثير من البلدان في الوطن العربي، ولا سيما في الخليج العربي مما يعني أن هذا الأدب يحتاج لمراجعة ومناقشة بناءة من حيث اللغة والأسلوب وقدرة المرأة على تمثيل موضوعاتها بحرية من دون خوف من سلطة المؤسسات الثقافية والاجتماعية التي قد تعرقل الأدب الجاد في معالجة القضايا الإنسانية.
وتخلص العنزي إلى أن حكايات النساء اليوم مهمة لأنها تقول أشياء لم تقل في الماضي، لأنها تستدعي ذكريات تفاصيل ليل المرأة الطويل، وتنسج تفاصيل نشيج أبدي صامت، قمعته الظروف والعادات والتقاليد. وتستحضر صورة نساء لم يكن مرئيات في يوم من الأيام، إلا كصور بهية في دواوين الشعر، وجلسات ندماء السلاطين والخلفاء، أما صورتها في الواقع تبقى صورة تنبئ عن بؤس اجتماعي ظاهر أو خفي. ولأن هناك إمكانية قول أشياء جديدة ترويها المرأة بعد أن تتمكن من لغتها وتثق بموقعها الأصيل في الثقافة الإنسانية، وتضيف شيئا أصيلا للثقافة الإنسانية اليوم، باختلاف الثقافات والمجتمعات الإنسانية بكل ما تحمله من غنى وثراء. لأن معركتنا اليوم كأفراد أن يكون لنا صوتنا الخاص، والدفاع عن حقنا في التعبير عنه، على المرأة أن تستعيد حكاياتها بصوتها وبلغتها تحرر كل الذكريات المسروقة والمستلبة والضائعة عبر فضاءات التبعثر في التاريخ. كل هذا يمكن أن يعيد للكون توازنه، ويسمح للتاريخ بأن يسير على قدميه، ويعدل من صورة الفلسفة التي مارست عنفها المفاهيمي ضد المرأة والملونين وهوامش الثقافات الرئيسية، ويعيد للأدب بريقه الخاص وإنسانيته الحقيقية بتمثيله قضايا الأفراد واحتوائه الجنس واللون والبشرة والطبقة.