شريف الشافعي - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

تستلهم الكاتبة سعاد سليمان ملامح تجربتها الأدبية من أنفاس الثوّار، وتتنسّم من خلالها هواء الحرية في واقع خانق، يحكمه ميراث شديد القسوة والعنف.
في كتابتها الرواية، والقصة، والقصة/ القصيدة، وقصيرة القصيرة، تنطلق سليمان من وعيها بقضايا المرأة على نحو خاص، وأزمات الإنسان عموما، وإحساسها العميق بالشروخ المجتمعية الكائنة والكامنة، وتحركات ثوار الظل في الشارع المصري، وقدرتها على ارتشاف الوجوه والناس والأحداث، وتشرُّب التاريخ واستلهامه كمظلة للكلمات الاحتجاجية، وكملاذ آمن من قمع السلطة وضغوط التيارات الظلامية والثقافة الذكورية.
ثورة الواقع والكتابة
تستكمل الكاتبة المصرية، ابنة محافظة سوهاج في جنوب مصر عام 1966، في روايتيها الأخيرتين “هبّات ساخنة” و”شديد القسوة جنوبا”، ما بدأته في مشروعها على مدار أعمالها السردية السابقة، ومنها “غير المباح” و”آخر المحظيات” و”شهوة الملايكة” و”شال أحمر يحمل خطيئة” و”الراقص” وغيرها.
وتواصل الغوص في أعماق نساء متحررات متمردات، كسرن القيود وأبين “الحرملك”، مفككة واقعا مليئا بالتناقضات، حيث يحفل في آن واحد بالشرور والإحباطات والقيم الإيجابية والانطفاءات والشرارات، والثورات الكبيرة في الميادين والصغيرة في قلوب البشر المقهورين والمستضعفين.
توضح سليمان، أن روايتها “هبات ساخنة” تتناول حضور المرأة المؤثر، لكنْ عبر التركيز على زاوية جديدة في موضوعها هي “سن اليأس”، وما تعاني منه في هذه المرحلة العمرية من الألم والتطورات النفسية والفسيولوجية، وتتعرض للتعرق الليلي والهبّات الساخنة واضطراب النوم والقلق والتوتر.
ويتجلى ذلك من خلال بطلة الرواية سلمى حافظ وارتباطها بمجموعة من النساء والرجال ذوي العلاقة الوطيدة بعالم وسط البلد، من الذين شاركوا في أحداث ثورة يناير 2011 بكل زخمها وتطورات أحداثها، ثم انتكاستها.
ولأنه لا يمكن ذكر عالم وسط البلد بالقاهرة دون أن تحضر شخصية الكاتب الراحل مكاوي سعيد (العمدة)، فإن الرواية تستدعيه كأحد شخوصها، وتسترجع علاقاته المتشعبة برواد هذه المنطقة، ويظل على مسرح الأحداث يدعم بطلات الرواية، وعبر كينونته ككاتب يقرر أن يكتب عنهن رواية.
لقد وَلَجَتْ سليمان عالم السرد من بوابة القصيدة الرحبة، وظلت لغتها ذات نكهة شعرية، وقادها التكثيف والإيجاز إلى الاقتصاد في التعبير، وكتابة القصة قصيرة القصيرة، التي أوصلتها إلى جائزة متحف الكلمة الدولية، التي تسلمتها من ملكة إسبانيا عن قصتها القصيرة جدّا “تشابه”.
كما حصدت الكاتبة جوائز عدة في مسيرتها الإبداعية التي بدأت مع بواكير القرن الحالي، بمجموعتها القصصية الأولى “هكذا ببساطة”، منها جائزة المجلس الأعلى للثقافة، وجائزة اتحاد الكتاب.
في ظل اقتران الكتابة الجديدة بالحرية كضرورة وغاية، ومساعي الكتابة النسائية إلى التحقق والتأثير، والإسهام في تطوير المشهد السردي الراهن بإثارة قضايا مجتمعية وإنسانية جادة واسعة، دون إغفال قضايا المرأة التقليدية وما يتعلق بحقوقها ووضعيتها في المجتمع، جاءت الثورات العربية لتلعب دورا في “تثوير” الكتابة الروائية والقصصية، خصوصا النسوية، فكرا ومضمونا وبنية ولغة وأسلوبا.
وقد حرصت المرأة على الإدلاء بدلوها في هذا المضمار لإنجاز ثورة الكتابة كشريكة للرجل، من منطلق أنها شاركته في النزول إلى الشارع والهتاف في الميدان وتحقيق الثورة الفعلية على الأرض.
عن علاقة ثورة الكتابة بثورة الواقع توضّح سليمان “لم تكن تشغلني حين وقوفي في ميدان التحرير، ويوم جمعة الغضب، ونحن يجري سحلنا وضربنا جميعا، أي أفكار لها علاقة بالكتابة، كنت منصهرة تماما في اللحظة، أشعر بأني أطير، أرى مصر جميلة بعيون المستقبل، وكنت أندهش بشدة عندما أقرأ قصصا لأي كاتب أو أديب حول مجريات الثورة، ربما كنت أنا الغبية التي لم تستغل زخم الحدث، ولكنني لم أستطع أن أفترق عن بركان المشاعر الذي يموج حولي وداخلي، وجعلني أكاد أرتشف الوجوه والناس والأحداث”.
حكايات كثيرة من الميدان لم تزل تفاصيلها محفورة في ذاكرة الكاتبة، التي كتبت عن ثورة يناير بعض القصص القصيرة بمحبة وتبجيل ودموع أيضا “وجدتُ براحا وبلاغة لم أعهدهما عندي من قبل، ربما اكتسبت أيضا بعض الجرأة في الكتابة وموضوعاتها، التي لم أكن أبوح بها من قبل، صعبة هي الكتابة عن ثورة يناير بخاصة بعد شيطنتها والعبث بها وبمن شاركوا فيها”.
وتضيف “ربما سيأتي يوم تكون فيه محطة مهمة في كتاباتي، لكن بالقطع ليس الآن، حتى كتابي الذي كنت أعد له لتوثيق أحداث الثورة من وجهة نظر مختلفة لم أستطع إكماله، وقد كان بعنوان ‘ثوار الظل’ وحاولت فيه أن أرصد مواقف بسطاء الناس الذين هم يشبهونني، وليسوا مسيسين ولم ينتموا إلى أحزاب وليسوا نجوم فضائيات”.
تكتب سعاد سليمان من منظور تجديدي يستثير الذهن ويشحذ العقل، بقدر ما يبحر في الخيال والأحلام، لكنها دائما ابنة لِلَحْم الواقع المُرّ ونسيجه الحي، تنشد بالكتابة مغامرة وأفقا جديدا وفتوحات تعيد بها تشكيل الحياة. الكتابة لديها شقّ طاقة للروح كي تستجلي غوامضها، فروح الكاتب المبدع هي الأشد غموضا وتعقيدا بين كل الأرواح.
وتعتقد أن الكاتب رغم قسوة الواقع يملك دائما الكثير من الطاقة والإرادة والقدرة على تحويل ما هو سلبي محيط إلى فعل إيجابي، ومن ذلك على سبيل المثال ما حدث أخيرا في ظل أزمة كورونا والعزل المجتمعي، ففي قلب المأزق وما سببه الوضع الصحي من التوتر والارتباك والقلق، أتاحت المحنة للكتّاب مجالا أوسع للقراءة والكتابة والانتهاء من المشروعات المؤجلة، ما يعكس حيوية الروح المبدعة وشغفها بالحياة والتمرد.
ميراث القسوة
لا تكتفي سليمان في كتابتها بتحفيز الوعي فقط، وإنما تستنبط اللاوعي أيضا، تفكك المشاعر والأحساسيس، تعيد صياغة مفرداتها وخلقها بحياة جديدة، كأنها لم تنبع منها وإنما اخترعتها اختراعا، تكشف كذب ما هو سائد ومعتاد. في ذلك المضمار، تمضي في روايتها “شديد القسوة جنوبا”، “بهرني ميراثي الذي عشت عمري أردده، وأتعامل معه، اكتشفت من أين تنبع الكراهية، وكيف تتم صياغتها غناء”.
تقول إحدى أغنيات ليلة الحنّة في صعيد مصر، “على ديل البحة (الوزة) يا ولا على ديل البحة، أمك عجوزة يا ولا يلا ندبحها. أي فرح وبهجة وحياة جديدة تحفز على قتل أم العريس؟”.
ترى الكاتبة أن هذا الواقع الجنوبي محمّل بميراث شديد القسوة، وعلى الرغم من ذلك، ففي تعاملها الإبداعي معه، تظل اللغة الشعرية رقيقة مهذبة أمام طوفان العنف والتحريض الذي يعيش فيه مجتمع الصعيد، الذي تميل إلى التفاعل معه روائيّا وليس قصصيّا “صحيح أنني أجد نفسي في القصة القصيرة، وصحيح أن القصة هي الأنسب للعصر الإلكتروني، إلا أن للرواية سحر التفاصيل، والشخصيات، والحياة التي تنقلها الرواية، والتي هي تاريخ اجتماعي يسجل ملامح العصر الذي تُكتب فيه. سحر الرواية سيظل موجودا طالما بسطت نفوذها على مفردات ومشكلات وتغيرات العصر”.
في روايتها “آخر المحظيات”، تناولت تاريخ المرأة المصرية المقهورة عبر أحقاب متتالية، وفي روايتها “غير المباح” تحسست الكثير من القيود والممنوعات والمحرمات.
وترى الأديبة المصرية، أن المرأة هي سيدة البوح والأسرار والحواديت التي تحفظها الجدات، ولكن النساء غير مباح لهن الحياة إلا في ظل الرجل، والمفارقة أنهن صانعات هذا الرجل، وتتساءل “لماذا تحرص المرأة على أن تكون ظلّا لمن صنعته هي بيدها وعلى عينيها؟”.
تشير سليمان، إلى أنه بالعودة إلى الجنوب تتضح الإجابة، فالمرأة ليست ظلّا حتى في الصعيد، بل هي من يدير الحياة بكل مقدراتها، لكن وجودها في منطقة القيادة في الضوء مستهجن، فماذا تفعل؟ إنها تقدم الرجل، وتبث في ابنها كل تفاصيل الذكورة، وهي تعلم أن امرأة أخرى “الزوجة” ستحل محلها، فهي تفعل ما تعرفه، وهي ضامنة لاستمرار دور المرأة من خلال الابنة، زوجة الابن، فهي تدفع بالذكورة إلى أول الصف، كي لا تُعَيّر بأن ابنها هو ابن أمه، فهي تؤكد صفة الضعف الوهمية التي منها تستمد قوتها.
رفض التنميط
في “غير المباح” رصدت سعاد سليمان تاريخ نساء حرصن على رفض التنميط والوقوع في أسر “الحرملك”، ليس فقط لأنهن متحررات، ولكنهن أيضا لا يخضعن لتقاليد مجتمع مغلق مثل الصعيد (جنوب مصر)، ورغم ذلك وجدن تعاسة وسحقا في الحياة من جانب المجتمع الذي يدعي التحرر “القاهرةــ وسط البلد”، وأيضا من طبقة اجتماعية هي شديدة الحرص على حقوق المرأة “الطبقة المتوسطة المثقفة”.
وتقول “أدرك تماما أن المرأة والرجل يقع عليهما الظلم معا، لم يصل المجتمع المصري والعربي حتى الآن إلى صيغة حياة ترضي الحداثة والموروث، الجميع بلا استثناء واقعون تحت أدوات ظلم وقهر وتحجيم، لأسباب متعددة من ظروف اقتصادية واجتماعية وأحكام دينية وانتقادات أسرية”.
يشكل الانفلات مفتاحا في أعمال الكاتبة، على مستوى الرؤية والموضوع والتناول وتقنيات السرد والحبكة والتصوير وسائر العناصر الإبداعية، وبقدر ما تتسم كتابتها بالجرأة والتحرر، بقدر ما تلجأ إلى الرمز والتقنع أحيانا خوفا من المواجهة المباشرة مع قوى لا ترغب في الصدام معها.
عن هذه المفارقة أو الثنائية توضح أن التاريخ يبدو هو الملاذ الآمن للكاتب حينما تقمعه السلطة، وتغلق عليه كل نوافذ الكتابة، فلا يستطيع أن ينقدها أو يسخر منها أو يعدل من سلوكها، أو ينفلت في كتابة تتجاوز المحاذير المفروضة عليه، فهنا يلجأ للتاريخ والاختباء خلفه، وتقول “أعتقد أن هذا الأمر لن يدوم، هم لا يعلمون أن الإبداع مرض مزمن يصعب الشفاء منه، هو جنون يصيب المبدع فيجد حلولا، ووسائل، وطرقا للتحايل، من أجل توصيل كلمته، وسينتصر في النهاية”.
أزمة مزدوجة
ترى الكاتبة أن جميع عناصر العملية الأدبية والإبداعية في مصر مأزومون ومهمومون، فالكاتب لا يجد من يقرأ أعماله، والناقد لا يجد من ينشر نقده، ويشتري له الكتب التي يعمل عليها، كما أنهما معا مطالبان بأن يكون لهما عمل آخر يدر عليهما دخلا يعيشان منه.
وعن كيفية التصدي لهذه الأزمة توضح سعاد سليمان، “كانت لديّ فكرة، أن تُنشئ الدولة مركزا للنقد الأدبي، ويحصل كل كتاب قيّم على رقم يشبه رقم الإيداع، ويُكلف نقاد مؤهلون بتحليل هذه الكتب، وتُنشر مراجعاتهم بمجلة متخصصة، وبذلك يضمن الكاتب ناقدا على أقل تقدير، ويضمن الناقد أجرا، وكتبا منتقاة يعمل عليها، لكن للأسف لم يهتم أحد بالفكرة، التي كنتُ أقترحتها في أثناء تولي جابر عصفور أمانة المجلس الأعلى للثقافة، ووعد حينذاك بتنفيذها، لكنه لم يفِ بالوعد”.
وعن انفتاحات الرواية المعاصرة على آفاق وفضاءات وتقنيات جديدة مثل النشر الإلكتروني وعوالم الرقمية والإنترنت والسوشيال ميديا وغيرها، ما أدى إلى تطورات وتغيرات في الأساليب والخصائص والأبنية والمضامين، ترى أن التطوير سمة الأدب الحي، والتجديد ينبع دائما من روح الكاتب، فقد يستفيد من هذه الأنساق الجديدة، ولكنه يبقى هو الخالق الأعظم لكل ما هو مبتكر.
ولا تعترف سليمان بوجود “موضات” في الكتابة، كالبوليسية مثلا أو أدب الرعب وما نحو ذلك، معتبرة أن مؤشرات “البيست سليرز” قد تكون زائفة، قائلة “القارئ ذكي بالضرورة، وهناك الكثير من الكتاب لمعوا ثم سقطوا خلال أشهر قليلة، بسبب تكرارهم ما يكتبونه بطريقة فجة. إن الوصول إلى النجاح ليس بالضرورة أن يتم بسرعة، ومؤشرات هذا النجاح ليست بالانتشار والبيست سيلرز، لكن بالتراكم والتجويد والبحث في أوجاع الناس”.