حمدي ابوجليّل - " وكالة أخبار المرأة "

 سيرة الاميرة " ذات الهمة" اطول ملحمة شعبية عربية، جمعت من افواه الرواة والشعراء الشعبيين على العظام والجلود واقدم طبعاتها صدرت في ثمانية مجلدات الواحد منها يقرب من الالف صفحة، وتناقلها الناس شفاهة منذ عهد الخليفة العباسي المعتصم، وسمعها الخليفة الواثق كاملة، ورويت قرونا في المجالس والمنتديات والمقاهي، وهي سيرة الشجاعة والاقدام والدفاع عن الشرف في التراث العربي، وبطلتها فاطمة بنت مظلوم بن صحصاح زعيم بني كلاب، وهي فتاة بدوية اصيلة ولدت في عز الصراع على الزعامة بين والدها وعمها وبمجرد ولادتها تنكر لها والداها خوفا من عارها واعطوها سرا لجارية اسمها سعدى، وفي طفولتها وقعت في اسر قبيلة طييء، وفي شبابها استردت ملك ابيها وجدها وخرجت على رأس الجيوش الاسلامية وتصدت للروم وطردتهم من الشام وبيت المقدس وجاهدت في حماية الخلافة الاسلامية من اعداء الخارج والداخل وواجهت الخيانة والنفاق والدسائس في بلاط الخليفة العباسي الرشيد وشاركت الخليفة المعتصم في هزيمة الروم وفتح مدينة عمورية·
 وسيرة الاميرة ذات الهمة بدأت بجدها الحارث الكلابي زعيم بني كلاب الذي ظهر في عهد الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان وكان فارسا مغوارا وكان مشهورا بالسطو على مضارب القبائل ووديانها وقيل انه لم تكن هناك قبيلة عربية الا وتطالبه بثأر، وحينما توفى الحارث اثر هزيمته في احدى غزواته كانت زوجته حاملا وخوفا على حياتها وحملها من الاعداء المنتشرين في كل الوديان العربية هربت مع عبدها سلام وكانت مختفية في هودجها والعبد سلام يسير بجانبها وما ان خلا بهما الطريق حتى راودها سلام عن نفسها وحينما رفضت ونهرته اقتحم الهودج عليها، وهنا داهمتها آلام الوضع ودخل سلام الهودج ووجدها تنزف فتركها حتى ولدت ثم هجم عليها وقتلها خوفا من انكشاف امر مراودته اياها وترك وليدها في العراء وفي رقبته تميمة وضعتها امه قبل رحيلها تبين اصله ونسبه، وبينما هو يصرخ في الفلاة تصادف خروج الامير درام احد امراء العرب للصيد في تلك المنطقة ورأى في طريقه الجنين بجانب امه المضرجة بدمائها فتناوله الامير درام وضمه الى بيته ورباه على الفروسية والقيم العربية واطلق عليه اسم " جندبة" ولما شب جندبة دافع عن قوم الامير درام وخاض حروبهم وهزم اعداءهم، غير ان الامير درام نظرا لشجاعته وقوته وذيوع صيته خاف على ملكه منه وبدأ يدس له ويدبر المكائد لقتله وحينما فشل امام شجاعة جندبة جمع اولاده العشرة للفتك به ولكن جندبة فتك بهم جميعا وعرف اصله وفصله وعاد الى قومه بني كلاب لنصرتهم على عدوهم قبيلة بني سليم وقادهم للنصر في مواقع كثيرة غير ان القدر لم يمهله وقتل على يد الغطريف احد فرسان البادية العربية في تلك الفترة وترك زوجته حاملا عند قومه من قبيلة بني كلاب·
إمارة العرب
وولدت زوجة جندبة ولده الصحصاح في بيت عمه عطاف وشب على الفروسية وحب ابنة عمه ليلى وخاض المغامرات والبطولات في الدفاع عن قبيلته وقتل الغطريف قاتل والده واسترد فرسه " مزنة " التي قيل ان العرب لم تعرف مثلها من الخيول غير انه كان فقيرا معدما ولا يملك مهر محبوبته ليلى فغادر قبيلته وهام على وجهه في الصحراء للبحث عن مهر ابنة عمه وأوصلته الصحراء إلى قصر الخليفة الاموي في دمشق وأثناء ترقبه لغنيمة تليق بابنة عمه فوجئ بمجموعة من قطاع الطرق ينقضون على قافلة كبيرة تقودها فتاة في منتهى الجمال والرقة·
وهذه الفتاة هي الاميرة مروة بنت الخليفة عبدالملك بن مروان وهجم الصحصاح على قطاع الطرق وقتلهم جميعا وخلصها من الاسر واسترد اموالها وعبيدها وجواريها دون ان يعرف انها ابنة الخليفة، وعرضت عليه شطرا من قافلتها وهو اضعاف اضعاف ما يكفي لمهر ابنة عمه واخبرته بحقيقة امرها وطلبت منه ان يوصلها لقصر والدها خوفا من ان يعود قطاع الطرق لمهاجمتها وحتى يلتقي بوالدها الخليفة واخوتها ليشكروه على صنيعه وشجاعته وانقاذهم من العار·
ورافق الصحصاح الاميرة مروة الى دمشق وطوال الرحلة لم ينظر اليها ولما وصلا إلى مشارف دمشق استقبل استقبال الملوك وخرج له ابناء الخليفة خارج المدينة واحتضنوه وقبلوا يديه وشكروه على انقاذ اختهم وعندما دخل بلاط عبدالملك بن مروان قال له: تمن علي فتلجلج الصحصاح وهم بطلب مهر ابنة عمه ليلى ولكن مسلمة ابن عبدالملك بن مروان تدخل وقال للخليفة ان الصحصاح يرهب لقاءك وانه وكله في امنيته من الخليفة وهي توليته امارة القبائل العربية بدلا من مروان بن الهيثم زعيم بني سليم·
وخرج الصحصاح الفارس البدوي من دمشق اميرا للقبائل العربية وعاد الى قبيلته بني كلاب محملا بهدايا عبدالملك بن مروان واولاده ومهر ليلى والامارة وتزوج محبوبته وضم اليه قبيلة بني كلاب وبني سليم وحين استقر له الامر بين قبائل الجزيرة العربية كلفه الخليفة عبدالملك بن مروان بمرافقة ابنه مسلمة لمحاصرة مدينة القسطنطينية فقاد جيشا من القبائل العربية وحاصر المدينة الحصينة سنوات·
ورزق الصحصاح من ليلى بولدين هما ظالم ومظلوم، وعندما توفى نشب بينهما الصراع على امارة القبيلة بعده، وحكم سادة العرب بينهما بأن يحكما معا وتكون الامارة فيمن تلد زوجته ولدا ذكرا ثم تكون لولده من بعده، وولدت زوجة ظالم ذكرا هو الحارث وولدت زوجة مظلوم انثى هي فاطمة بنت مظلوم بطلة السيرة التي لقبت فيما بعد بالاميرة ذان الهمة نظرا لهمتها وشدة بأسها في الحروب·
وكان لولادة ذات الهمة وقع الصاعقة على والديها وخافا من عارها وهمّ والدها المظلوم بقتلها لولا ان القابلة التي تلقتها على يديها نصحته بأن يعطيها سرا لاحدى الجواري كي تربيها ووعدته بأن تكتم السر وتخبر القبيلة بانه ولد ذكر ومات في مهده·
وخافت الجارية مربية فاطمة الوليدة من تهكم القبيلة وظلم عمها ظالم فهربت بها الى البوادي وبدأت تربيتها على قيم الايمان والفروسية غير انهما وقعا في الاسر في احدى الغزوات، وفي مضارب الاعداء ظهرت شجاعة الفتاة فاطمة وقوتها واقدامها وقتلت في صباها فارسا اراد التحرش بها وذاع صيتها بين القبائل العربية فكشفت مربيتها لها عن حقيقة نسبها في قبيلة بني كلاب، فالتحقت الاميرة بقبيلتها ولكنها فوجئت ببطش عمها ظالم وجبروت ابنه الحارث الذي اراد الزواج منها طمعا في كسر شوكتها واذلالها مع ابيها، ولكنها رفضت وحين الح في طلبها واحرجها بين قومها اشترطت عليه مبارزتها، وعندما غلبته امام قبيلته واوقعته من على حصانه لجأ الى الخليفة ليعينه عليها، وامام امر الخليفة اضطرت الاميرة ذات الهمة لقبول الزواج من ابن عمها واشترطت عليه عدم الدخول بها في خلوة الا بموافقتها غير ان الحادث لم يرض ودبر مؤامرة للتمكن منها ودس لها المخدر بواسطة خادمتها في الطعام·
وحملت الاميرة ذات الهمة من الحارث فاختفت عن الانظار كي لا يظهر ضعفها الانثوي وهي التي نذرت نفسها للفروسية والجهاد وحين حل موعد وضعها ولدت ذكرا اسمر سمته عبدالوهاب، وحينما رآه الحارث ثارت ثورته وهم بقتله ورفض الاعتراف به نظرا لسواد بشرته، فخاضت الاميرة معركة طويلة ومتشعبة لاجبار الحارث على الاعتراف بولده عبدالوهاب، وبعد معاناة طويلة حصلت على اعتراف من القبائل العربية والخليفة نفسه بنسب ابنها الى والده الحارث بن ظالم وبعدها هاجرت مع قبيلتها بني كلاب الى الشام·
حرب الروم
وتفرغت الاميرة ذات الهمة لمقاومة الروم في الثغور الشامية وانتقلت مع قبيلتها والقبائل المتحالفة معها الى منطقة الثغور وشكلت منهم جيشا قويا لملاحقة الروم والتصدي لهجماتهم مدعومة من جيش الخليفة احيانا ومنفردة في القتال احيانا اخرى·
غير ان الاعداء في منطقة الثغور الرومية كانوا يعتمدون على جواسيس في الداخل وكانت مهمة الاميرة ذات الهمة موزعة على جبهتين خارجية ممثلة في الروم وداخلية ممثلة بالخونة والجواسيس الذين يقودهم عقبة السلمي قاضي الخلافة العباسية في ذلك الوقت·
وكان عقبة السلمي مثالا للفساد والنفاق والخيانة والحيلة وكان يعمل بالدسيسة لزرع الفتنة في صفوف العرب المسلمين، وكان يساعده في نجاح مؤامراته منصبه كقاض للمسلمين مع ثقافته ومعرفته العميقة بعلوم التنكر والسحر، وتصدت الاميرة ذات الهمة له واعتبرته عدوها مثل الروم وعملت على كشف مؤامراته وفضحها امام الخليفة العباسي ونجحت احيانا واخفقت اخرى لشدة ذكائه وقوة حيلته، وساعدها عليه امير عربي مغوار اسمه ابومحمد البطال وكان من المهرة في الحيل وكان يقول: صناعتي في الحيل والخداع في حصن او قلعة، وكان دور البطال فعالا في الحرب بجانب الاميرة ذات الهمة سواء ضد الروم أو ضد دسائس قاضي المسلمين وكان يتسلل داخل بلاد الروم متخفيا ويكمن بها زمنا يتيح له فرصة التعرف على من يكون عالما بخطط حربهم ثم يصطنع كافة الحيل حتى يحصل على بعض الاسرار العسكرية ويرسلها الى الاميرة ذات الهمة فتستغلها في محاربة الروم والانتصارعليهم·
ولكن محاربة الروم في الثغور لم تبعد الاميرة ذات الهمة عن الاحداث التي كانت جارية في الدولة الاسلامية في ذلك الوقت وخاصة ما يتعلق بالفتن والصراع على الخلافة الذي اشتعل وتفاقم بسبب مؤامرات قاضي المسلمين عقبة السلمي ووقفت الاميرة في وجهها وابطلتها·