حسين عبدالحسين - " وكالة أخبار المرأة "

للمرة الأولى في التاريخ الأميركي، وصلت امرأة إلى ثاني أعلى منصب في البلاد مع فوز السناتور كمالا هاريس بمنصب نائب رئيس، بعد أربعة أعوام من فوز أول امرأة، هي هيلاري كلينتون، بترشيح أحد الحزبيين للرئاسة في البلاد، وهو ما يشي بأن حقوق المرأة الأميركية في تحسن مضطرد، وإن بطيء ومتأخر عن باقي دول العالم، إذ لا يعقل أن أعرق ديموقراطية في العالم لا تزال في انتظار انتخاب امرأة لمنصب رئيس بعد انتخابها 46 رئيسا متعاقبا. حتى الدول الأقل انفتاحا في مواضيع حقوق المرأة، مثل الهند وباكستان، سبق أن اختارت امرأة لأعلى منصب في السلطة التنفيذية فيها.
المهم أن أوضاع وحقوق المرأة في تحسن في الولايات المتحدة، وهو ما يثير سؤالا حول أوضاع وحقوق المرأة في معظم الدول العربية: متى ينتشر الوعي الكافي في صفوف غالبية العرب لإنصاف المرأة وإدراك أن قيامها بأدوار قيادية حقيقية هو مصدر قوة وتقدم لا ضعف وانحطاط؟
للانصاف، في دنيا العرب نساء ممن يناضلن لحقوقهن ولمجتمع عربي أكثر انفتاحا وعدلا وتسامحا وحرية وديموقراطية، ومنهن صديقات وزميلات في هذه المساحة التي تقدمها لنا "قناة الحرة"، مشكورة، للتعبير عن آرائنا، مثل نيرفانا محمود وسناء العاجي ومنى فيّاض. لكن أصوات الزميلات المذكورات وغيرهن ما تزال الاستثناء لا القاعدة.
وللإنصاف أيضا، لا بد من القول أن دنيا العرب لا تعاني في مجال حقوق النساء فحسب، بل في مجالات الحياة العامة بشكل أوسع، وبالحكم على كيفية تعاطي غالبية العرب، بمن فيهم النخبة المثقفة، مع مواضيع بديهية مثل الحرية وقبول رأي الآخر، خصوصا الرأي المخالف والمسيء، يبدو واضحا أن هذه الأمور ما تزال متأخرة عربيا.
وكما تتخلّف الغالبية العربية عن فهم الحرية وقيمتها وكيفية ممارستها، ما تزال النظرة العربية العامة إلى التاريخ بشكل عام نظرة قبلية حزبية صنمية، نظرة تربط، مثلا، بين وعد بلفور وقيام دولة إسرائيل، في وقت صارت غالبية الأبحاث التاريخية الحديثة تشير الى أن الاستخبارات الفرنسية هي التي قدمت أكبر دعم لقيام اسرائيل انتقاما لمساهمة الاستخبارات البريطانية في دحر الانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان. وسعت بريطانيا للقضاء على الحركة الصهيونية، وقامت بتأسيس جامعة الدول العربية، وحرّضت العرب على شن حرب 1948 للقضاء على دولة إسرائيل الفتية.
جمود حقوق المرأة في دنيا العرب يتفرع عن جمود فكري وثقافي عام يقارب الانحطاط. دول العرب بالكاد تترجم الى العربية عددا من الكتب يوازي ما تترجمه دولة واحدة في أوروبا الغربية. وإذا كانت الترجمة الى العربية متعثرة، فالأبحاث العربية في حالة أكثر سوءا، وتكاد تكون منعدمة.
ضعف النشاط الفكري العربي مفهوم، اذ أن أي حركة فكرية تتطلب مستهلكين، فيما غالبية العرب ينشغلون بالشيشة والنميمة السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ ذاك صارت دور النشر العربية تعاني الفقر والعوز، ومثلها عدد كبير من وسائل الإعلام، التي تنحصر خياراتها بين أن تتحول الى أبواق حزبية أو تغلق أبوابها.
لو خرج العرب من الحزبية والعداءات القبلية، ولو قرؤا أكثر، لسنحت لهم الفرصة للاطلاع على قصص شعوب عاشت تجارب مشابهة، وضع المرأة فيها أفضل من وضع المرأة العربية اليوم.
جاكلين كاهانوف، المعروفة أيضا بجاكلين شوحيط، من يهود العراق ممن هاجر جدها الى القاهرة، حيث تزوج والدها أمها اليهودية التونسية. عائلة جاكلين كانت من علية القوم، لكن مع ذلك، مارس والداها عليها ضغوطا لتتخلى عن طموحها الأدبي، على الرغم من نبوغها، ولتبحث بدلا من ذلك عن زوج من مقامها، يسترها ويقيمان عائلة سويا.
لكن شوحيط كانت ثائرة على تقاليدها، وعاشت في كبرى مدن العالم، مثل باريس ونيويورك، قبل أن ينتهي المطاف بها في تل أبيب حيث نشرت مقالاتها الأكثر عمقا والتي تناولت مراقبتها لمجتمع اسرائيلي ينحدر من خليط من الثقافات ويخطو خطواته الأولى في عملية تشكله. حاورت شوحيط عائلة يهودية مغربية لم تكن على وئام مع جيرانها من يهود اليمن.
لفتتهم شوحيط الى أنهم يتحدثون اللغة نفسها، أي العربية، فأجاب المغاربة أن جيرانهم لم يكونوا قد رأوا الكهرباء قبل انتقالهم من اليمن. استنتجت شوحيط أن العنصرية لا تتخذ الأشكال التي نحاول عادة أن نرسمها لها اكاديميا، وأن عائلتين من يهود السفارديم ممن عانوا من تكبر يهود أوروبا الاشكيناز عليهم، مارسوا العنصرية على بعضهم البعض، كما على نسائهم.
على أن شوحيط أشارت الى أن ثقافة الاشكيناز سمحت بتحرر نساء السفارديم، فاليهوديات الأوروبيات كن يخرجن بملابس قصيرة ويشاركن الى جانب الرجال في القتال والعمل والقيادة، وهو ما أفسح في المجال أمام نساء السفارديم في السير على خطى نظيراتهن الأشكيناز، وتخلين بذلك عن تقاليد يهود الشرق المحافظة المشابهة لتقاليد المحافظين العرب، لناحية حصر دور المرأة في الزواج وتربية الأولاد وادارة المنزل وملازمته بدون الخروج منه بدون اذن زوجها أو أبيها أو أخيها.
لا يقرأ العرب. لا يستعيدون عصر النهضة وفكر قاسم أمين الداعي لتحرر المرأة قبل أكثر من قرن، ولا يدرسون تجارب التحرر لدى النساء الأخريات في منطقة الشرق الأوسط، ولا يسعون لتقييم تراجع حقوق المرأة في ايران وتركيا وأسبابه، وينحصر اعتقاد غالبية عربية أن التغيير لا يكون الا بقوانين ومراسيم، والأمر أبعد ما يكون عن ذلك، وهذا العراق شرّع كوتا للنساء في البرلمان فيما وضع المرأة العراقية مايزال من الأسوأ في المنطقة، وما تزال الأغنية التراثية "أنا المظيليمة أنا، النا المسيكينة، أنا اللي باعوني هلي، بدينار باعوني، وبالقوة زوجوني، وعليه غصبوني" تتكرر يوميا.
في تونس، حيث تتمتع المرأة بانفتاح أكبر، تراجُعٌ في نسبة مشاركة المرأة وفي تمثيلها البرلماني. أما في لبنان، حيث يضاهي الانفتاح الاجتماعي تونس، فحقوق المرأة ودورها ومشاركتها في الحياة العامة، السياسية والثقافية، قد يكون من بين الأسوأ في العالم، في بلد يعتقد ثرثرة الصالونات سياسة ويعتقد أن مصيره يرتبط بكبرى الدول فيما هذه الدول لا تكترث الا لحفنة من المرتزقة التابعين لها بين اللبنانيين.
المرأة الأميركية تخطو خطى ثابتة نحو التقدم ونيل حقوقها، وكذلك النساء في دول كثيرة حول العالم. أما نساء العرب، فما زلن يعانين من انحطاط فكري وثقافي يُغرق حقوقهن، و يُغرق معه الرجال وحقوقهم كذلك.