القاص والكاتب: عبد الجبار الحمدي - العراق - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

أقتفي ظلِ وهو يضع الكمامة، يسير بعيدا عني في بضعة أمتار، لم أتصور في يوم أنه سيفارقني خوفا على حياته، صار يلوذ هاربا بدل أن يلتصق بي ههههههه عجيب أمر هذا العالم والأعجب الإنسان المخرب الذي خلقه الله ليعمر في الأرض مستخلفاْ إياه فيها، كارثة شيطانية نعيشها جميعا الجن والإنس، الحجر، البشر الشجر حتى الحيوان بات يخاف بيئته... دلفت الى شارع عريض طويل مليء بالحفر تملئه القذارة والنفايات أكثر من البشر سارعت عيناي تلتقط صورهشة لعظام وطن نخرته المحاصصة والتدين الزائف عن الحق، صار وطني متسولا يعيش الأرصفة دون مارة تتصدق عليه ثياب مهلهلة مثل العلم الذي نرفعة متفاخرين بوطن ممزق والعار الأكبر كتب عليه أسم الله يا لها من سخرية!!! رميت بثقل أقدامي محدثا صوتا علَّ هناك من يفتح بابا او نافذة يرى من صاحب الضوضاء في شوارع خرساء لا هم لها سوى لعق أتربه ونفايات ناهيك عن حاويات مليئة ببقايا أطعمة بطون صار الأكل لها قضاء وقت وحاجة... سددت أنفي عن رائحة القمامة يبدو انها قبعت منذ زمن حتى فاحت رائحة النتانة شأنها شأن أي سياسي أو برلماني ومسئول في وطني... إنها قاذورات الزمن القابع خلسة في محراب يتعبد للدمار والبقاء وحيدا، يسترضى من يتف في كأس ماء ليشفي غليله أو كما الدخلاء تسربوا مثل الزئبق بمسميات راقت للبسطاء والمغفلين أن يترونقوا لهم بعبارات افتقدوا حسحستها في الدين فماجت أيديهم الى صدور انتفخت ذلا فضربت حتى تتأدب لكنها ابدا لن تتب عن عادات سحقت عناوين وهج الذكر الحقيقي لرمز الحياة والحرية... بان في آخر الفرع الضيق الذي دخلت صوت مذياع ورائحة شاي يبدو ان المقهى التي على ناصية الشارع هناك قد فتحت ابوابها... يا للفرج أسمعت نفسي صوتي الذي حبسته عن الحديث مع غير من سكنوا الدار معي، فلقد كان حالي حال الكرسي او الطاولة أو حتى الطابوق الذي رُصِف في داري... سارعت أمد الخطى دخلت عيناي قبل أقدامي متهللة.. لكن سرعان ما عادت لتبشرني بخيبة أمل فالمقهى عارية من لباس روادها لم يكن فيها غير رجل عجوز استوطن المقهى قبل اربعين عاما يبدو انه اراد ان يكون قبره حتى النهاية... تفرجت اساريره وهو يراني فأسمعني ترحابا مثل الذي سمعت عنه وقرأت، اراد ان يرمي بنفسه علي لكني تراجعت خوفا من كورونا... لاحظ فعلتي فأرتد بصوته لا تخف لست مصابا دون تردد أجبته وما أدراني!؟ ... وما أدراك انت
ابتسم عن فم فقد أضراسه بعد ان طحنتها ايام ضروس بمعاول هم وكبر ومتاهات حديث ولعل لسانه الأن بات أكثر حرية بعد أن استفرغ فمه كل مقدمات وأسس الحروف فبات السين شين والراء مدغمة والجيم دال ههههههههه مع ذلك تراجعت عن قراري ورحبت به مصافحا إياه لا عليك أبا نعيم لقد صرنا نخاف حتى خيال ظلنا... على فكرة هل رأيت ظلِ؟ لقد كان يسير أمامي حتى أني حسبته يهرب، أو لعله خدعني وهرب دون أن أشعر به... باغتني ابا نعيم بالضحك طويلا ورد قائلا: يبدو ان الوحدة والخوف من كورونا أورثاك الجنون كما حالي، فغالبا ما اتصور نفسي اسير ويرافقني أحد، مع العلم أنه لا يوجد أحد سواي وظل رافقني حتى أنحنى ظهره قبلِ، لا عليك سيأتي ما ان تنوي قدميك الرحيل للعودة... هيا أجلس دعني اصب لك شايا مهيل يعيد لبراعم أنفك النشوة فتغير رحيق فراغ واتربة استنشقتها في وحدتك، حرك لسانك بعيدا عن مفردات الصخب يا ولد ... لا اريد صوت، أطفيء النور، كفوا عن اللعب، هكذا كنت أفعل مع اولاد أبني الذي يعيش معي في بيتي ولا أدري كم سيطول عمر هذا الوباء الذي استفردت به بلدان تريد السيطرة على مقدرات العالم... إن حديث السياسة يزكم أنفي فأرجوك أستاذ حمزه لا تتحدث عن أي شيء بهذا الخصوص فقط أسمع معي اغاني الزمن الجميل لو غيمت دنياي .. ردت..يا حريمة.. حتى أنت ... سالت عنك .. حاسبينك..لا تستغرب لقد شغفت بالأبو ذية والدارمي والمواويل حفظت الكثير لكني أجاري زمن السبعينيات والثمانينيات الذي عشق فيه أبني واحب إبنة خالته حتى الجنون وكان يحب أو بالأصح يذوب في سماع مثل تلك الأغاني وغيرها الكثير، آه يا بويه علاء.. أستشهد وراحت أحلامه الى الأبد أثخنني فراقه وجعا لا يمكن ان يعوضه أي مخلوق حتى أخوته وأخواته...
كان الشاي طعمه مغاير لما شربت من قبل شعرت أن طعمه غير كل ما تذوقته من قبل في نفس المقهى أو في البيت... تركته يسترسل في الحديث دخلت عالم الوحدة الذي أحب أن أعيش فلقد دخل أبا نعيم عالمه بكل حزن لبس السواد وجهه، ماجت روحه في معتق الالم تركته لغيوم هَمِهِ..
دون مبالاة لما يدور حولي لا أسمع سوى ملعقة تدور تضرب باطن كاس الشاي كأنها تريد أن تدير عقارب الساعة خاصة أني لا أحرك الملعقة إلا في الإتجاه المعاكس لحركة عقارب الساعة هههههههه إتجاه معاكس.. عقارب ساعة يالها من مفردات غيرت وجه الحقيقة والحياة، باتت تمثلنا في الرتم السياسي والديني والاجتماعي، تفترش الأرض باسلاك شائكة حولتها العقول المريضة الى مفخخات وسيارات ملغومة وأحزمة ناسفة، حولتها الى عقول ترقص على الإغتصاب وقطع الرؤوس، الى سحق الجمال والتحول نحو العبودية كما الجاهلية خليفة وأمير والي وغفير، وجوه طمست الرحمة ولبست الجريمة والخطيئة وجها آخر لدين  استفحل بعدالة الشياطين وسيقت إليه رغبات زناة جدد من فتاوى رجالات جعلهم الله كما تصورا دعاة له سخطهم كالشياطين أبناء أبالسة، ألبسهم طوق وقيد العبودية سبايا يستحدثونها على غير نسائهم او غلمانهم روجوا للزنا بالجهاد وروجوا لِلواط بفتوى تبرقعوا الدين وجه الجاهلية سبايا قطاع الطرق، أوغلوا بأسم الدين فحرقوه صار مكروها لدى أجيال لم تعرف عن الأسلام او الدين سوى داعش والدماء، السبايا وجهاد النكاح... هززت رأس كأني أغير موجة السياسة الى موجة أخرى بحثت في زوايا بدايات الشارع والافرع التي كانت قبالة المقهى عن أي شخص يمكن ان يجالسني الحديث فلم اجد... عدت الى محيط رقعتي ورشفت من الشاي قليلا لسعة منه أفاقت نفسي وجدت ابا نعيم لا زال يتحدث عن وجعه.. شاركته لِلحظات همومه حتى أنهيت كاس الشاي اخرجت علبة السجائر التي فقدت عد ما دخنته وقاطعته قائلا: الله يعينك ويعين كل أب، كم اب أو أم يأنون مثل أنينك إن ما تشعر به لا يمس من قادوا العراق الى الهلكة إنهم بعيدون كل البعد عن معاناتك.. أنظر كم يموت في اليوم بل في الساعة من الذين نعرف أو لا نعرف بسبب وباء كورونا الحكومة لاهية في المناصب والنهب والشعب لاه في وادي دار السلام يبحث لفقيده عن خرم ابرة، إنه زمن اراد ان يُشهِد الله فيه البشر على ولاة طغاة سحقوا أبناء جلدتهم لنيل رضى من تمسحوا بأسته لعقا بألسنة تردد خطبا ماجت العقول وأفرغوها حتى أتخمت ترهات دين ملوث بعيد عن الحق فقد قالها سيد البلغاء لقد ملئتم قلبي قيحا... أنظر ابا نعيم هاهو ظلِ قد عاد، سأذهب الآن فلا أريد أن يقال عني الرجل الذي فقد ظله، فمن دونه لن استطيع إستيعاب الحياة وحدي ها انا افرغت قلامة ظفر مما اريد في مقهاك هذا وظلك الذي جعلته خيط دخان بينك وبين من فارقت..
لم يأخذ مني ثمن كأس الشاي قال إنه على حسابه... ترى اي حساب منهم الدنيوي او الأخروي يا للسخرية ترى كم سيطول وقوفنا امام صاحب الحساب؟ كم هي الرؤوس التي ستشهق من الخوف ساعة الوقوف الأعظم؟ نكزني ظلِ عن اية خبالة تتحدث... هيا سارع فالظلمة قابلت الدخول والشوارع ستمتلئ بالكلاب التي اتمنى ألا تكون كلاب بوليسة فوطنك يا هذا لا يقطنه إلا من كان تابعا للسلطة وجلاد أو قابض ارواح أم تراك نسيت؟
لا ابدا لم أنسى هيا خذ بأقدامِ وطر قبل ان تختفي ويأتي وهنك الليلي فتعيد لراسِ صور تخاريف العزلة التي اريد نسيانها، هيا سارع فضجيج الأولاد رغم جنونه إلا أنه أرحم من وحدة الموت الذي نعيشه خوفا وهلعا.