الكاتبة الصحفية: أمان السيد - أستراليا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

  عنوان يستوقف. آلامنا كثيرة، وأفكارنا أكثر إقلاقا من آلامنا، ويمكن وصفها بأنها مرجل النار.
 الأرق الأول، ولعله الأخير، هو في السيطرة على الأمراض لنحيا. في أدنى مستوى حياة بلا أرق، ولعلنا حين نحياها بذلك الشكل نتلمس الطريق إلى الخلود.
 الخلود؟! قد يستثير السؤال سخرية ما، ومن منا يستطيعه إلا في الأحلام، أو في الأساطير. جلجامش مثلا، وشعب آسيوي حين اكتشف أنّ امتصاص أذناب الأفاعي فيه حفاظ على الشباب، فراح أفراده  يرتشفون سمّها، وهم يرتجون الرّونق من السم، أو يستسلمون إلى المعتقد.
 قد يكون تخيّلٌ ما طاب لي تخيّله ككاتب يعلق الحياة، ويسعى لاكتشاف طرق ما، مع الآخرين للفوز بشباب دائم، وإن كنت أجزم أنه قد سبقت لي رؤية هذا المشهد في خبر إعلامي منذ سنين طويلة، لأتوصل بعد كل هذا إلى لبّ البئر، أو عمقها، جوهر الحياة. الروح!
  إنها الروح سرّ الوله الأبدي، وسرّ الرحيل في الأجساد، تسبح، وتسري منها كما يسري العسل في الرحيق ارتشافا، وكما يسري السم في النقيع نارا. الروح، مجمع الأفكار، وكهنوت التيجان، تقلّب العقول فينا على جمر هادئ يزداد فيها الأوار جمالا حين نرفدها بالحب عطاء، ويلتهب فيها الجحيم سطوة حين نشعلها بالبغض داء.
  إنها الروح، اللغز الذي ما يزال يستعصي علينا، يترك الأجساد جثثا هامدة حين يفارقها، فلا تلك النظرة الساحرة في العين بثّا، ولا تلك الإيماءة الرشيقة من جسد يفتن العيون تمايلا، ولا حضور من ذاك الحكيم على مسارح الحياة تأججا خلّبيا.
  روح تفارق، من أين طريقها تلك؟ لعلها العين آخر الممر عبورا إلى العالم المخلّد، لتدع بعدها القالب الجسدي بشحمه ولحمه، وأوردته، وبنيانه الضخم ركاما من عفن تُعول فيه الديدان قضما.
 "التفكير.. والعلاج به"، كتاب عديد صفحاته يقلّ عن المئة، في سلسلة للكاتب الطبيب الجرّاح الإسباني " إنجل إسكديرو"، غير أنه في المضمون يفتح على الكثير مما لا يُتوقّع تصديقه. إنه الاعتماد على القوة الخلاقة في الإنسان. الإنسان، الكائن البشري الذي استخلف من الله في الأرض، لا يمكن أن يكون تركيبة عادية، لا بد أنه سِفرٌ طويل، الولوج فيه لن ينتهي إلا بانتهاء الكون، وانعدام الحياة على الأرض. أبواب الاكتشاف فيه مفتوحة لمن يحسن الولوج، ولمن يتقن الولوج، ويؤمن بالمطلق أن ذلك الجسد بناء قوامه الروح، والسيطرة على المواجع فيها ممكن إن تعلّمنا التنقيب في استسلام إلى التفكير الإيجابي، ومحونا السلبية التي تنكأ أرواحنا.
  الجرّاح العالمي" أسكديرو " طبيب مبدع خلاق طوّع تخصّصه الجراحي لتعريف الناس بأثر التفكير عليهم، وأهمية العيش في ذهنية إيجابية دائمة مهما تأزمت الأحوال المحيطة بهم، إنه الحب، مجموعة من الذبذبات الإيجابية تمدّ النفس، والجسد بأفضل المشاعر الإيجابية مما يضمن شفاء صاحبه من الأمراض. " بعض ما جاء في مقدمة لمترجم الكتاب د. "حمود العبري".
 يأتي الطبيب صاحب الكتاب بمثال حي على الماء، كوب من الماء يرصد فيه حالة بلوراته بعد تجميدها في درجة الخمسين تحت الصفر، جزيئات الماء تلك تمّ التّحدث إليها بكلمات وأساليب مختلفة " أحبك" فوق الكوب الأول "، و" سوف أقتلك" فوق الكوب الثاني، والنتيجة التي ظهرت بلورات جميلة في كوب الماء الأول، وبلورات بشعة في كوب الماء الثاني، الماء الذي هو مستقبل، وناقل للمعلومات يؤكّد تأثّره بما يسمع، وتأتي ردة فعله بناء على ذلك.
 جلّ شأنه تعالى الذي يقول" .... وجعلنا من الماء كل شيء حيّ أفلا يعقلون". " سورة الأنبياء الآية 30".
 جسد الإنسان الذي أغلبه ماء، فكيف إذا ستكون الحال، وأنت تداعب سمعه بما يرقّ من اللفظ، وتمكّنه من السيطرة على آلامه، وهو يخضع لعملية جراحية مستغنيا في ذلك عن التّخدير بأنواعه. إنه تخدير الجسد بإرادتك، أن تكون طبيب نفسك، تستكين لمبضع الجراح، وتساعده في إيصالك إلى الشفاء، وأنت تبتسم.
 كم من انسجام، وطمأنينة، وسعادة ترعى في عشب ذاك الماء!
  يقول د. أسكديرو:" لو سألني شخص، أين تقع القدرة الداخلية على التّحكم، أقول، ليس من شكّ إنها تكمن في الروح، والتي هي همسة من الخالق، وإذا كان كل ما يتبقى بعد انفصال الروح عن الجسد هو جثة، فمن الواضح أنّ الطاقة الحيوية للحياة تقع داخل الروح، لذا يمكننا استخدام تلك الطاقة للأفضل، أو للأسوأ من خلال أفكارنا. إن التفكير هو الأداة التي وهبنا إياها الخالق لجذب الخير، أو لجذب الشر إلى حياتنا، باستخدام الطاقة الروحية، والتي تنبع منها الطاقة الخلاقة للتفكير." ، " وبما أن الماء ناقل حيّ للمعلومات والأفكار، والعواطف والصوت، و.. إلخ، فذلك يعني أنه كلما كانت المياه أكثر علما، وتنظيما في أجسادنا، كلما كانت حياتنا الصحية أفضل"، " أسباب الأمراض كلها بما فيها الخطيرة، والمعدية، كالسرطان، وغيره تنبع من قضايا إنسانية لم يتم  حلها، أو قبولها! ".  مقتطفات من كتابه "العلاج بالتفكير/ عمليات جراحية بلا تخدير".  
 إنه صراع داخلي في البشري، لم تتمّ حلحلته، أو إيجاد مخرج له، أو تدريبه على التناغم كي تستعيد روح صاحبه الأمان...
 يؤكد الكاتب الجرّاح في رسالة إلى القارئ أنّ ما يتابعه ليس سحرا، وأنّ اللمسة السحرية الوحيدة هي في إيقاظ الحب، والثقة في من يحتاجون إليهما.
 وهنا يتحدث عن الخوف بطريقة تذهل، وهي تردّ القارئ إلى مراحل تكوين الجنين الأولى. الخوف الذي يرافقه، أو يسوّق له تلقينا، أنّ الجنين حين يخرج من رحم الأم إلى رحم الحياة يفقد السكينة التي كانت له في ذلك الرحم، وتبدأ بذا رحلة إشقاء محكوم عليها مسبقا حين يعاشر الحياة.
 جاء على لسان المولف الطبيب الجرّاح في مؤلّفه:
" مستقبل الإنسان محكوم بالخوف، ذلك الخوف الذي بُذر في لا وعيه في أهم لحظات الحياة، لحظة ميلاده، تلك التجربة التي قد تكون مخيفة للغاية للمولود، خوف يظل محكوما به طوال الحياة، فكلّ تغيير له في داخله يوحي له بالألم الذي عانى منه لحظة الولادة، وبما أن الحياة سلسلة لا تنتهي من التغييرات، فإن الإنسان يبقى محكوما بالهلع، إلى أن يتم تعليمه الخوف من الله سبحانه ذاته، في حين أنّ الله ليس سوى الحب ذاته!".
  ثم إنه يعرض لمراحل مختلفة من حياته، ودراسته مواكبا مع قارئه تجربته العلمية، والعملية، ساردا، وواصفا، ومثبتا أسماء مرضى خضعوا لأكثر من عملية جراحية خطيرة أجراها لهم بلا لجوء إلى التّخدير. مرضاه يكونون متنبهين تماما لما يجري معهم فوق طاولة العمليات، ويشعرون بالسكينة، والسعادة، يستمعون إلى الموسيقى، يتحدثون عن أشياء يريدون التحدث عنها، ينظر بعضهم في المرآة، ليشاهد تحكّمه المطلق بنفسه، ويتابع مظاهر الصحة التي تبدو على وجهه، وهو يجري عملية من المستحيل كان إجراؤها دون الخضوع إلى جرعات كبيرة من التخدير، ثم يغادرون غرفة العمليات سيرا على أقدامهم عائدين إلى ممارسة حياتهم الطبيعية، بفارق وحيد، وجديد، هو أنّ قدرتهم على التّحكم في حياتهم  قد تغيرت عن طريق التفكير، وهو الأمر الذي سيلازمهم إلى الأبد.
  سطح مرآة مصقول!.. كم كان فعلك عظيما، وأنت تؤكد للمريض ثقة افتقدها، فقبع منصاعا بإرادته بعد تدريب من الطبيب يعلمه فيه التّحكم بألمه، وخوفه، تدريب لا يعدو أن يكون لحيظات، أو دقائق، إنها كلمات الحب، والتهدئة التي نحتاجها في تغوّل الأدغال فينا!.
 أبتسم، وأنا أتابع الكتابة متسائلة: لعلها المرآة نفسها التي اعتدت أن ترافقني، وأنا أكتب، تتكئ بودّ على مكتبي، أنزل صفحتها، وأعليها بما يتوافق وحركتي التي لا تثبت على حال واحدة حين أصابعي تدوس عتبات لاب توبي، أسترق فيها نظرة من الشخص الآخر الذي ينبثق من أعماقي حاثّا، ومربّتا على قلبي.
 فهل تراني من الذين استشفّوا كنه الروح، وجداول الماء في جسدي قبل أن أطّلع على منهج هذا الطبيب المبدع في التفكير، فداويت نفسي في تسلّقها، طارقة في الحب مسالك أبتغي بها تسكين ما يؤزم من مواجع، ونيوب الحادثات؟!
 أعتقد ذلك، فلكلّ منا سُبله حين يستخدم عقلا يستظل حكمة يسبرها في أغوار نفسه، وأثق تماما أني لو قدّر لي خوض تجربة جراحية مع ذلك الطبيب العبقري، لضمتنا تلك المظلة بوافر الحب.
 أنت روحُك حيثما حللت. اقبض عليها متى تمرّدت بسلاسل من عاج، ولا تسمح لها أن تبدي إلا وجه الله فيك.